سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

فرانس فانون.. ومناهضة العنصرية والاستعمار

منان خلباش –

الدخول إلى التاريخ بالنسبة للشعوب المضطهدة والمستعمرة والتي تعاني كل أنواع الاضطهاد والعبودية وتتعرض للمجازر والإبادة عبر الإقصاء والإنكار وأعمال وحشية وهمجية تستند على إرث تاريخي بائد ودموي، لا يكون بعملية سحرية أو رغبات وتمنيات جارفة، وإنما بمقدار النضال والعمل الدؤوب نحو تحرير الذات من أوهام الماضي وأدرانه وكل المفاهيم والقيود والأغلال التي جلبتها عهود القهر والذل والاضطهاد والاستبداد، وكذلك عبر المحاولة المستمرة نحو تصفية ومحو الاستعمار ومرتزقته وأتباعه، فتتحول عهود القهر والاضطهاد والاستبداد إلى حياة أكثر عدالة وحرية وإنسانية.
ضياع الإنسان وقتل الإنسانية
وفرانس فانون (1925-1961)، الطبيب والمثقف والمناهض للعنصرية والاستعمار، ليس فقط في موطنه جزر المارتينيك فحسب، وإنما في كل مكان من العالم، أخذ على عاتقه كطبيب ومثقف وإنسان، هدف مناهضة الاستعمار وكل أشكاله وألوانه، بعد أن اكتشف من خلال أبحاثه العلمية على مرضى نفسيين، عندما كان يرأس مشفى” فرنسيا” في بليدة الواقعة في الريف الجزائري بأن الاستعمار يضيع الإنسان ويقتل الإنسانية. وفي رسالة استقالته من رئيس مشفى نفسي أوضح بشكل مباشر وصريح بأن مبادئه وإيمانه وإنسانيته لا تتفق مع كل ما تقوم به فرنسا في الجزائر وبخاصة أنه أدرك بأن السلطات الفرنسية تضعه تحت الأنظار. وذلك بعد التشكيك في بعض علاقاته وصلاته مع أبناء المستعمرات والمناضلين المناهضين للاستعمار وأعماله وكتاباته وأفكاره حول الشعوب والمستعمرات التي كانت ترزح تحت سيطرة الأنظمة الكولونيالية والفاشية وتقوم بكل أنواع الاستغلال والاضطهاد والعنف والوحشية والهمجية والنهب والسلب وما إلى ذلك وبخلاف كل المبادئ والأعراف التي تنادي بها وتدافع عنها بالكلام والأشكال النظرية.
برز فرانس فانون واقترن اسمه بالثوار العالميين مثل أرنستو تشي غيفارا وباتريس لومومبا وسِواهم وبعد أن ذاق وعانى القهر والعبودية والاضطهاد والعنصرية في جزر المارتينيك، وفي فترة دراسته الطب بمدينة ليون الفرنسية وكيف كان يواجه نظرة الفرنسيين لأبناء المستعمرات ووصفهم بـ “السكان الأصليين”، والمحليين وبألفاظ يتم استعمالها بوصف الحيوان ومخلوقات لا تتصل بالإنسان وهو ما أدى به إلى كتابة كتاب تحت عنوان “بشرة سوداء وأقنعة بيضاء” والذي أثار به ضجة وكان يتضمن صرخة في وجه العنصرية والتمييز الذي كان يُمارس بشكل منهجي أمام أبناء المستعمرات بالرغم من مشاركة أبناء المستعمرات بكل الحروب من أجل فرنسا وأينما كانت وحتى فرانس فانون ذاته كان قد شارك في الحرب العالمية الثانية دفاعاً عن فرنسا في وجه النازية الألمانية. ورغم تضحيات أبناء المستعمرات أو السكان المحليين لم تكن نظرة الفرنسيين تُغير من الأوضاع شيئاً، فلا اليمين ولا اليسار في فرنسا تخلصت من مقولات على غرار ” الجزائر الفرنسية” والتي كانت تبرز الارتباط الأعمى بالنظريات وأنواع الغطرسة الاستعمارية وبالتالي تبرير كل الممارسات والانتهاكات الاستعمارية في المستعمرات.
كشف ومخاطبة الذات
وعرف فرانس فانون في أوساط اليسار الفرنسي في فترة دراسته بمدينة ليون الفرنسية. وكان اليسار الفرنسي يعتبر فرانس فانون جزءاً منه، لما كان فرانس فانون وكتاباته وأفكاره يجلب نقاشات وأجواء متقدمة وخصوصاً أنها كانت تتشكّل لها أصداء إيجابية في الأوساط الثقافية والسياسية، بالتوازي مع انتشار أفكار الاندماج أو الانصهار للسكان المحليين من أبناء المستعمرات كنوع من تأجيل قضايا المستعمرات إلى أجل غير مسمى. ولم يكن غريباً أن يكتب آنذاك مقدمة “بشرة سوداء وأقنعة بيضاء” فرانسيس جانسون وكذلك أن يكتب مقدمة كتابه “معذبو الأرض” الفيلسوف جان بول سارتر، ويثني فيه على أفكار فانون في رؤيته وثقافته الغنية وملاحظاته الدقيقة.
ويظهر عبقرية فرانس فانون، في أنه لم يتبدد ولم ينتهي فكراً وثقافة وإنسانية، ولم يضل ويصيبه الضياع والاهتراء أمام الثقافة الغربية والفرنسية؛ بل كان يدعو لثقافة إفريقية وإنسانية تنصهر فيها كل أنواع الحواجز والاختلافات الجزئية والمحلية، ومن المنطلق نفسه كان يركز على تحرير الذات وأن معركة تحرير الذات أهم من أية معركة أخرى لأنها تجلب الجديد في كل شيء. وما تميز به فرانس فانون هو خطابه الموجه لأبناء المستعمرات وليس لأوروبا التي لا ترى في المستعمرات سوى أمكنة الاستغلال والنهب والسلب والشر. ولذلك؛ كان يرى عدم الأهمية لخطاب مزركش بالأماني الجارفة ويكتب قائلاً: “علينا ألا نضيع الوقت في حوارات عقيمة، أو في لغو يبعث على الاشمئزاز، فلنترك هذه لأوروبا التي لا تفرغ من الكلام عن الإنسان وهي تقتله على شكل جماعات حيثما تجده، في جميع نواحي شوارعها وفي جميع أركان العالم”؛ وهو ما اعتبره جان بول سارتر كشف الذات ومخاطبته!
ولا يخفي فرانس فانون كل ما عملته أوروبا في المستعمرات من خلق نزاعات واختلافات  وتناقضات ونزعات عرقية وممارسات وانتهاكات فظيعة التي تشوه وتضيع الإنسان وتقتل القيم الإنسانية والمثل العليا، والتي  تزرع الأحقاد وتسبب للحروب والمآسي والآلام وبالتالي سيبقى أمام أبناء المستعمرات والشعوب المضطهدة، أحد الخيارين ولا ثالث لهما، إما الموت والفناء أو تحرير الذات من القيود والأغلال وكل المفاهيم الفردية والإقطاعية أو البرجوازية، ومقاومة الاستعمار بوسائله وأدواته وعندها يكون الانتصار قد حقق التخلص من القديم وكسب ما هو جديد وعصري. وعليه أدرك أن الاستعمار واحد وتصفيته وسحقه في مكان ما، يعني تصفيته وسحقه في مكان آخر وكأن يردد قائلاً”: لقد وضعت أوروبا أرجلها على أراضينا، فينبغي لنا أن نظل نجرحها إلى أن تسحبها!”.
وكان يرى في المثقف قوة لا يستهان بها إن استخدم معارفه وتجاربه وخبراته في الاتجاه الصحيح، وكان يفيد بأن على المثقفين الذين يرزحون تحت نير العبودية والاضطهاد، أن يدخلوا في معارك تحرير الذات قبل أي معركة أخرى مع الآخر وألا يتصور أحد بأنه إذا كتب شعراً أو ألف أغنية ثورية سيصبح مثقفاً ثورياً، ما لم يشارك بمعركة التحرر الوطني بكيانه وجسده وعقله ووجدانه. وبناءً عليه، كان ينتقد المثقفين الفرنسيين اليساريين؛ لأنهم لم يقوموا بأدوارهم ولم يتطهروا من الثقافة الاستعمارية. وتروي سيمون دي بفوار في مذكراتها أنه كان يدعو المثقفين الفرنسيين وعلى رأسهم سارتر “للتطهر من فرنسيتهم” وقول كلمتهم حول ما تتعرض لها الجزائر من جرائم وانتهاك وممارسات بشعة من الفرنسيين لدى احتلال الجزائر. وتماشياً مع قناعاته وإيمانه الراسخ بالثورة الإفريقية ومناهضته للاستعمار والعنصرية، سارع للانضمام إلى الثورة الجزائرية بكيانه ووجدانه، ومن جانبها، فتحت الثورة الجزائرية أحضانها له وكان خير من يمثل الثورة الجزائرية للمؤتمرات والمحافل الدولية وفي العواصم الدولية. لقد كان ما يهمه وضع كتابه “معذبو الأرض” بعد “بشرة سوداء وأقنعة بيضاء”، والعام الخامس للثورة الجزائرية ومن أجل الثورة الإفريقية، وهو ما يزال على قدميه قبل أن يخطفه الموت إثر إصابته بمرض السرطان وهم لم يبلغ الأربعين من العمر بتاريخ 7/12/1961.
لقد آمن فرانس فانون، بأن الثورة الجزائرية هي بداية للثورة الإفريقية المناهضة للاستعمار والعنصرية وألا يكفي مجرد تحرير البلاد من الاستعمار وأشكال العنصرية، وإنما الانتصار الحقيقي هو ما يندرج، في تحرير العقول والرؤوس لدى الإنسان والبشرية. وعليه كانت كتابات وأفكار فرانس فانون قريبة من الجميع وتؤثر وتعمل على تحقيق إنسانية الإنسان طالما أن الاستعمار والعنصرية تضيع الإنسان وبالمقابل، الثورة تعمل على تطهير وتنقية وارتقاء الذات الإنسانية!.