سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

غياث نعيسة: لتركيا نوايا عدوانية تجاه شعوب شمال سوريا

أشار غياث نعيسة إلى أن روسيا هي التي قدمت حلاً لتركيا حول نواياها تجاه الشمال السوري، عبر التذكير باتفاقية أضنة، مبيناً أن الوضع في سوريا متقلب وسريع الانتقال من مرحلة إلى أخرى، مؤكداً أن حل الأزمة السورية يكمن في تطبيق اللامركزية الديمقراطية. حيث شهدت الساحة السورية في الفترة الأخيرة تقلبات وتغيرات طرأت على الساحتين السياسية والعسكرية على الصعيدين الإقليمي والدولي، بُعيد قرار الانسحاب الأمريكي وإطلاق تركيا للتهديدات بشن عملية عسكرية على مناطق شمال وشرق سوريا، إلى جانب تغير في السياسات التركية حول المنطقة والتذكير باتفاقية أضنة، بعد اللقاء الذي جمع الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان.
وحول هذه المتغيرات والرؤى التي تدور حولها، أجرت وكالة أنباء هاوار حواراً مع المنسق العام لتيار اليسار الثوري السوري الدكتور غياث نعيسة، وجاء الحوار على الشكل التالي:
-هددت الدولة التركية على لسان مسؤوليها بشن عملية عسكرية على مناطق شمال وشرق سوريا، كيف تقرأ هذه التهديدات؟
يمكن قراءة تهديدات الدولة التركية بعملية عسكرية على شمال وشرق سوريا من عدة أوجه، أولها: أن الدولة التركية لديها حقد وفوبيا حقيقية من أي تقدم يُذكر لتحرر الشعب الكردي، في أي رقعة من تواجده، هذا الهاجس الشوفيني المعادي لتحرر الشعب الكردي لدى الدولة التركية نجد مفاعيله في كل البلدان التي تتقاسم كردستان، فالدولة التركية هي من أخلت باتفاقية السلام مع الحركة الكردية في تركيا، وهي التي وقفت ضد الاستفتاء الذي جرى في إقليم كردستان العراق من أجل الاستقلال، رغم العلاقة الجيدة بين تركيا ورئاسة إقليم كردستان، والأخيرة هي التي بادرت بطرح فكرة الاستفتاء. مما يعني أن تركيا تتعاون مع إيران في قمع الحركة الكردية في كردستان إيران، وبما يخص سوريا، قامت تركيا باحتلال عفرين مع مرتزقتها وتهدد بالاعتداء على مناطق الإدارة الذاتية، لأن شبح تحرر الشعب الكردي يشكل كابوساً لها ولطموحاتها العدوانية.
ومن جهةٍ ثانية، فإن رغبة الدولة بالعدوان والاعتداء على شمال وشرق سوريا، يتوافق مع استراتيجية الدولة التركية للتحول إلى الدولة الإقليمية الأهم في المنطقة، ومحاولتها للتحول إلى اللاعب الأساسي، أو أحد اللاعبين، في تقرير مصير سوريا، وتقوية نفوذها طويل الأمد في بلادنا، ونجاحها بذلك يعني تحول تركيا إلى دولة إقليمية فاعلة ومهيمنة. دون أن ننسى أن توسع نفوذها الاحتلالي يترافق مع إنعاش لاقتصادها المهتز وتوسيع لأسواقها، هنالك إذاً أسباب اقتصادية وجيوسياسية للنزعات العدوانية والإمبريالية للدولة التركية في المنطقة.
-صدرت تصريحات من تركيا حول وجود علاقات غير مباشرة مع النظام السوري، على ماذا تدل هذه التصريحات بعيد لقاء أردوغان وبوتين؟
التصريحات التركية عن تواصل غير مباشر بين النظام التركي والنظام السوري، ترددت بشكل أكبر بعد لقاء القمة بين بوتين وأردوغان قبل أيام، وهو يأتي في سياق يؤكد ما يكرر المسؤولون الروس ذكره، لجميع الأطراف الدولية، بضرورة التنسيق مع النظام السوري بصفته الحكومة ” الشرعية” في سورية. وإذا عرفنا بأن النظام السوري نفسه قد أصبح، وإلى حد كبير، تحت الوصاية الروسية، فيمكننا أن نفهم ببساطة، أن الروس يقولون للجميع، إن ما نقرره، لا نقرره بصفتنا الحكومة الروسية فقط، بل كأوصياء على النظام السوري، هكذا تبدو الحكومة الروسية وكأنها تدعو تركيا لتحسين علاقاتها مع ” وكيلها” النظام السوري، وتعمل عليها الدولة الروسية.
-بماذا تفسر تغيير السياسات التركية في تهديداتها للشمال السوري من شن عملية عسكرية وتركيزها على منطقة آمنة، ومن ثم اتفاقية أضنة؟
في الواقع، أن الدولة التركية سارعت بإعلان نيتها القيام بعملية عسكرية في شمال وشرق سوريا بمجرد إعلان الرئيس الأمريكي سحب قواته منها، هذا التسارع التركي بإظهار النوايا العدوانية العسكرية تجاه مناطق جديدة في سوريا، كشف النوايا التوسعية للنظام التركي. وتجاهل الإعلان التركي بحشد قواته من أجل قيامه بعملية عسكرية وشيكة، تجاهل عدة حقائق، أولها، أن تكلفة غزو مناطق الإدارة الذاتية سيكون مكلفاً وبشكل باهظ له، وأنه ستكون له ارتدادات عنيفة داخل تركيا نفسها. كما اكتشفت تركيا، أن حليفها الاستراتيجي “أمريكا” لا تبارك هكذا عملية عسكرية تركية في سورية، لأنها لا تستجيب لمصالح أمريكا في سورية، وبدا الأمر، وكأن الإعلان الأمريكي بالانسحاب، أتى لفضح نوايا الأطراف الفاعلة في سوريا، تجاه مناطق شمال وشرق سوريا. في المقابل، فإن روسيا، وأيضاً، إيران، لا يرغبان بأن توسع تركيا من هيمنتها على المزيد من الأراضي السورية، ولا سيما أنهما غضا الطرف عن الاحتلال التركي لعفرين قبل عام، لأن توسع النفوذ التركي في سوريا يعني تعزيز أوراق تركيا كلاعب في المشهد السوري، وهو ما لا ترغب به روسيا، لأن روسيا تريد أن تبقى اللاعب الفاعل الأهم والمقرر لما يحدث في سوريا. باختصار فقد وجدت تركيا أن أياً من القوى الدولية والإقليمية لن تدعم عملياتها العسكرية المعلنة تجاه شمال وشرق سوريا، وفي هذا الجانب تركت لوحدها، وإن خاضت مغامراتها وحدها فستجد نفسها في مواجهة مقاومة شعبية كبيرة وأيضاً أطراف إقليمية ودولية ستقف في وجهها، من هذا يأتي تراجع حدة التهديدات التركية، لكن ذلك لا يلغي احتمال الرعونة في سياسات الدولة التركية وارتكابها حماقة ما.
-هل العودة إلى التذكير باتفاقية أضنة من قِبل تركيا، يشير إلى وجود تقارب بين تركيا والنظام على حساب الفصائل المسلحة في إدلب وريف حلب الشمالي؟
إن التذكير باتفاق أضنة، جاء على لسان الرئيس بوتين بعد لقائه مع الرئيس التركي مؤخراً، ومن ثم تناوله بعض المسؤولين الأتراك، وبقناعتي، أن هذا يشير إلى قضيتين، الأولى أن روسيا لن تعطي تركيا ضوءً أخضراً لعملية عسكرية واسعة، كما سبق أن فعلت تجاه عفرين، بل قدمت لتركيا حلاً، تحدده تخوم اتفاقية أضنة لعام ١٩٩٨ بين تركيا والنظام السوري، والشرط هو تفعيل ذلك الاتفاق، ولكن على تركيا أن تعترف بشرعية النظام السوري أولاً.  مقابل أن تسهل تركيا معالجة الأوضاع في إدلب لصالح النظام وحلفائه، هذا هو السقف الذي حدده الروس برأيي للطرف التركي، لكنني أود أن أذكر أمراً هاماً، وهو أن الوضع في بلادنا متقلب وسريع الانتقال من حال إلى آخر، كما أن علينا ألا نستند على وعود الدول الإقليمية والدولية، لأن الأخيرة تعمل من أجل مصالحها الخاصة وحسب، بل علينا أن نستند، أولاً وأخيراً على طاقاتنا الذاتية وقدرات شعبنا ونعمل على تكاتفه، وعلى استراتيجية تحرر واضحة لنا ولشعبنا لنكون قادرين على الوقوف في وجه جميع المخططات التي تحاك ضدنا.
-إِلامَ ستفضي الأمور في الشمال السوري، بين قرار الانسحاب الأمريكي وإنشاء منطقة آمنة واتفاقية أضنة، تزامناً مع اقتراب معركة دحر الإرهاب بقيادة قوات سوريا الديمقراطية في ريف دير الزور ونهاية خلافة داعش المزعومة، بحسب رأيك؟
علينا أولاً أن نقر بأن الوضع قلق جداً، وإن استمرار الوضع الراهن دون تغيير فيه، هو نتيجة لمعادلة صفرية بين مصالح الدول الفاعلة والمتداخلة في سوريا، فكما نرى فإن الانسحاب الأمريكي سيكون بطيئاً، والمنطقة الآمنة التي ترغب بها تركيا، تحولت برغبة روسية إلى إطار ضيق هو اتفاقية أضنة بشرط أن تتعامل الحكومة التركية مع النظام السوري… الخ.
لكن هذا التوازن بين مصالح الدول غير ثابت ومتحول وحسب الضرورة، بالنظر لكثرة الدول والأطراف التي تنظر بعين العداء لتجربة الإدارة الذاتية، فقد يدفع ذلك بالبعض إلى الارتباك والتناقض بالسياسات أو الرهانات، في هكذا ظروف حرجة، نحتاج إلى عقول باردة وسياسات واضحة، كي لا نتشتت في مواقفنا أو يسوء فهمها ونفتقد لمصداقيتنا والتعاطف الشعبي معنا. نقطة البداية في التحليل، أن الدول الإقليمية والدولية المتداخلة في سوريا، لها مواقف نابعة عن مصالح متناقضة إلى حد ما فيما يخص شمال وشرق سوريا خصوصاً، ومستقبل سوريا عموماً، وبالتالي، فإن أحد منها لن يجرؤ، نظرياً، على كسر هذا التوازن، في المرحلة المنظورة على الأقل، دون أن يخاطب لاندلاع نزاع مسلح يتجاوز حدود المنطقة.
ثانياً، أن تماسك الإدارة الذاتية وقدراتها العسكرية والحاضنة الشعبية لها، تجعل أي طرف يريد الاعتداء عسكرياً عليها، يحسب حساب التكلفة الباهظة جداً لمثل هذا الاعتداء وانعكاساته الواسعة، لكن ذلك لا يعني، أنه لا يوجد خطر عليها، بل يعني أن نعد العدة لكل الاحتمالات. شعبياً وسياسياً وعسكرياً خطابنا يجب أن يكون واضحاً، تجاه الجميع ومعلن، مواقفنا يجب أن تتطابق مع ممارساتنا العملية، نحن لا نعادي أحداً لكننا سندافع عن بلادنا وحريتنا وتجربتنا، نحن لا ندافع عن ديمقراطية وحرية جزء من سوريا، نحن ندافع عن استقلال وحرية ومستقبل ديمقراطي لكل سوريا. نحن لسنا كل السوريين، لكننا الجزء الفاعل والمخلص لكل السوريين، وندعو كل القوى الوطنية والديمقراطية السورية للتعاون والعمل المشترك، من أجل استعادة وحدة سورية وتخليصها من الإرهاب، والاحتلالات وبناء نظام سياسي ديمقراطي لا مركزي جديد يقوم على أنقاض النظام القديم، معركتنا وتضحياتنا ليست من أجل عرقية أو قومية أو منطقة معينة ما، إنها معركة من أجل تحرر كل السوريين.
لذلك فإن واجب كل ديمقراطي ووطني سوري أن يدعم كفاح شعبنا في شمال وشرق سوريا، لأن انتصارنا هناك هو انتصار لعموم شعبنا، وهزيمتنا هناك ستكون هزيمة لعموم السوريين. كما أدعو كل القوى والشخصيات الديمقراطية والعلمانية للالتقاء والالتفاف حول برنامج ديمقراطي واجتماعي يبني سوريا الجديدة، والحرية والديمقراطية واللامركزية والعدالة الاجتماعية، وفي قلب هذه الديناميكية مجلس سوريا الديمقراطية، ونقطة ارتكازها هي مناطق شمال وشرق سوريا.
-برأيكم كيف يمكن حل الأزمة السورية في ظلِّ المتغيرات التي تشهدها المنطقة؟
عندما تلتف القوى الديمقراطية والعلمانية والاجتماعية السورية حول برنامج للانتقال الديمقراطي،  وهي ديناميكية أطلقتها إلى حد كبير لقاءات عين عيسى في “الحوار السوري – السوري”، فإن الوثائق والآليات الصادرة عن هذه اللقاءات تشبه إلى حد كبير وثائق “المؤتمر السوري العام” لعام ١٩١٩-١٩٢٠ أي أنها نوع من “البرلمان” الشعبي، القادر على طرح هيئة دستورية، ويعبّر عن صوت التلوينات المتعددة السياسية والعرقية للشعب، يحملها الإطار السياسي الواسع، أي مجلس سوريا الديمقراطية وربما مع آخرين، في أي سياق سياسي تفاوضي للانتقال الديمقراطي، ويقطع الطريق على أية محاولة لإعادة إنتاج النظام الاستبدادي القديم.