سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

عندما تكون العدالة في خدمة السياسة والمصالح

حسن عبد الله –

سأسلط الضوء على قرار المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان الصادر في شهر تشرين الأول الفائت والقاضي برفضها لشكاوى أهلنا في عفرين، على خلفية ما قامت وتقوم به تركيا والجماعات المرتزقة التي تواليها من انتهاكات وسلب ونهب وتدمير وتهجير قسري بحقهم. مع أن حقوق الإنسان تشكل حجر الزاوية وعماد المجتمعات المتحضرة والحرة ولا يكاد تخلو أية رسالة سماوية أو وضعية على صون الكينونة الإنسانية والحفاظ على الحقوق، فالمواثيق والعهود والاتفاقيات والبروتوكولات الصادرة بعد الحرب العالمية الثانية، تجمع على حماية الذات الإنسانية وما يترتب على ذلك من حقوق سواء في زمن السلم أو الحرب، ومقدمة أغلب الدساتير والقوانين الدولية تجمع وتحض على ذلك وأن الإنسان هو المحور في كل حماية وصون، وتجمع أيضاً على الفصل التام بين السلطات الثلاث (القضائية والتشريعية والتنفيذية)، حيث لا يجوز تحت طائلة خرق الدستور أن تتدخل سلطة بعمل السلطة الأخرى.
وما صدر مؤخرا من المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان ورفضها لشكاوى أهلنا في عفرين ورفضها للنظر في تلك الشكاوى، إلا دليل على أن العدالة الأوربية هي في خدمة السياسة والمصالح، فالجانب المصلحي طغى على جانب العدالة والإنسانية. وبررت رفضها النظر في تلك الشكاوى والتي بلغ عددها عشرون شكوى برفضها بعدم استنفاذ كافة الطرق القانونية المحلية في الدولة المراد مقاضاتها أولا، وأن يراجعوا المحكمة الأوروبية في حال لم يتم التوصل لنتيجة مرضية أمام المحاكم المحلية ونقصد هنا المحاكم التركية.
ويمكنني أن أفند تبريرات ورفض المحكمة للنظر بتلك الشكاوى بصورة قانونية وأفند الجدوى الإنسانية لعمل تلك المحاكم، حيث جاء في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان “روما” 4 تشرين الثاني 1950 والتي هي الأساس لعمل المحكمة الأوروبية (ستراسبورغ) لحقوق الإنسان. ففي المادة الثانية يحق لكل إنسان في الحياة أن يحميه القانون، وفي المادة الثالثة أيضاً والمادة الثامنة التي تقول لكل إنسان حق احترام حياته الخاصة والعائلية ومسكنه. وجاء في المعايير المطلوبة والتي حددتها المحكمة الأوروبية لشروط قبول الطلبات الفردية (الشكاوى)، وهذه حال أهلنا في عفرين بأن تلك الطلبات تخضع لشروط القبول التي تُفَسر دوماً لصالح (الضحية)؛ أي كان من المفروض قبول تلك الطلبات لصالح أهل عفرين على اعتبارهم الضحية. وجاءت في الآراء الفقهية الصادرة عن تلك المحكمة بأن لها السلطة التقديرية في تخطي هذا المعيار عندما يكون اللجوء إلى المحاكم المحلية أولاً، فيه من الخطورة على حياة الشاكي وفي حالة سكان عفرين فمن المستحيل اللجوء إلى المحاكم التركية أولاً؛ لأن في ذلك وضع المقصلة على رقابهم وتاريخ الدولة التركية ومحاكمها زاخر بالانتهاكات التي ترقى إلى مصاف الإبادة الجماعية، فمن الإبادة الأرمنية إلى سحقها للانتفاضات الكردية إلى تدميرها وتهجيرها لأكثر من خمسة آلاف قرية ومزرعة في باكور كردستان، وقتلها العشرات الآلاف للمناضلين الكرد وتنسيبها للفاعل المجهول، ومجازرها التي اُرتكِبت مؤخراً في كل من جزر ونصيبين وشرناخ وغيرها شواهد على همجيتها وانتهاكها لحقوق الإنسان.
ومعيار لجوء الشاكي أولا للمحاكم المحلية (التركية) ومن ثم للمحكمة الأوروبية مدعاة للسخرية ويناقض أبسط أصول تحقيق العدالة الإنسانية، وهي كيف للمجرم أن يكون هو نفسه الحاكم في قضية إجرامه. ونوهنا أعلاه أيضا بأن الأحكام الفقهية الصادرة عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أكدت على السلطة التقديرية والهامش التقديري للمحكمة، في تخطي معيار قبول الشكاوى الفردية كحال شكاوى سكان وأهالي عفرين، حيث جاء بأحد الاجتهادات ألا وهو إن معيار استنفاذ طرق الإنصاف المحلية ليس مطلوباً سوى في حالات، حيث تكون طرق الإنصاف متاحة بالفعل، إلا أن المحكمة الأوروبية وخدمة لمصالح دولها مع تركية غضت الطرف عن سلطتها التقديرية إرضاء لتركيا ومصالحها، وبالتالي ما اقدمت عليه في رفضها يضع الجدوى الإنسانية لعمل تلك المحكمة ومصداقية قراراتها على المحك؛ ومن جهة أخرى رفضها للنظر بشكاوى أهالي عفرين تشكل سابقة خطيرة في شرعنة احتلال الدولة التركية لأراضي دولة أخرى عضو في الأمم المتحدة، وتبريرها برفض النظر بتلك الشكاوى بحجة اللجوء أولا للمحاكم المحلية (التركية) هي موافقة ضمنية للاحتلال وبالتالي تكريس لسلطة الاحتلال وتبرير لجرائمها التي ترتكبها كل يوم. وقرار الرفض للمطالب يشكل غطاء قضائياً دولياً للاستمرار في تلك الجرائم وهذه سابقة خطيرة تمهد لحالات مستقبلية خطيرة، فمن خلال ما أوردناه أعلاه يثبت مما لا يدع مجالاً للشك، بأنه كيف أصبحت محاكم العدل الدولية أسيرة المصالح السياسية والاقتصادية لدول بعينها، ويحتم مراجعة شاملة للجدوى الإنسانية لاستمرار عملها وأن كان عملها بهذا الشكل فلا داعي لوجودها اصلاً.