سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

عندما تصبح سوريا ضحية الفرسنة والتتريك

حنا صالح – الشرق الأوسط –

سوريا اليوم أمام أخطار وجودية بعد حروب زلزلتها طيلة السنوات الثماني الماضية، أخطار الفرسنة والتتريك والتسابق على أشده لاقتطاع أجزاء منها والسيطرة على أخرى، والوسيلة مرتزقة داعش، ووصم الناس بالإرهاب حتى يسهل التخريب المبرمج والتدمير واقتلاع أهل هذه البلاد ورميهم في المنافي، وفرض الاتفاقيات الاقتصادية الجائرة تحت يافطة إعادة الإعمار فيما هي “اتفاقات” إذعان للسيطرة على الثروة الوطنية.
الاستهداف الفج يتجاوز سوريا ليطال أيضاً الكثير من البلدان العربية حيث تتبلور الطموحات الإمبراطورية بهاجس فرض السيطرة المباشرة، من خلال تكبيل المنطقة بالقواعد العسكرية ومحطات السيطرة والهيمنة على ممرات مائية دولية، بالتأكيد لا يوجد شيء نهائي، لكن قرار الرئيس ترمب الانسحاب الأميركي من سوريا والمتوقع أن يُنفذ بحدود شهر مايو (أيار) المقبل أطلق السباق حول الوجود في سوريا.
الأطماع الإيرانية غير محدودة، فحكام طهران لم يتستروا لحظة على استهدافهم لبلدان المنطقة، وهم من ادعى منذ زمن السيطرة على أربع عواصم عربية، وبعض أتباعهم من زعماء الميليشيات الطائفية هددوا بأن «الهلال الشيعي» سيصبح بدراً، وقضى هذا المشروع بسابقة اجتياح حدود «سايكس – بيكو»، وهي الحدود التي أمّنت طيلة قرنٍ كامل قيام دول حافظت على نسيجٍ مجتمعي وفّر رخاءً وأمناً. مع بعض التفاوت مثلاً، شهد لبنان المحاصر هذه الأيام بمشاريع الاستتباع، ازدهار وتطور ديمقراطي لامس كل المجالات، فيما المثال المطلوب أن يُحتذى هو ما يقوم به حكام طهران في الدفاع عن الديكتاتوريات وتكريس تحكم الميليشيات – الجيوش الرديفة، من خلال إشعال الحروب التي راحت تتناسل ما زعزع الاستقرار وغيّب الأمن واستباح سيادة دول عريقة.
في الطريق لترسيخ «الهلال الشيعي» كي تبسط طهران نفوذها، شهدت سوريا والعراق أوسع عمليات اقتلاع للسكان وجرى فرض تغييرات ديموغرافية، ونُكبت سوريا بظاهرة إحلال ميليشيات شيعية خصوصاً أفغانية وباكستانية مكان السكان العرب السنة الذين باتوا مواطنين من الدرجة الثانية. خطوات حثيثة تتم بعدما حوّلت الحرب التدميرية المنظمة أبرز الحواضر العربية مثل حلب والموصل إلى أثر بعد عين، وجاءت القرارات الموحى بها وإجراءات السيطرة على الممتلكات والثروات لتفرض واقعاً خطيراً، ثم «اتفاقات» مفروضة طويلة الأمد، وما ارتبط بها من إقامة اقتصاد موازٍ، وفرسنة نظام التعليم وحملات التشيُّع المدفوع في الأوساط المعدمة وإدخال عادات وتقاليد جديدة من اللباس إلى الصلاة والسلام، إلى الإمساك بالمؤسسات، لرسم منحى خطير لنتائج هذه الأعمال وما يريد المشروع الاستيطاني الزاحف فرضه، لجهة الحؤول دون عودة ملايين اللاجئين بعدما بات الوضع السكاني أكثر تجانساً.
كل هذا التوسع في نفوذ النظام الإيراني حدث في غفلة من الزمن، وهو استفاد من قراءة أميركية جائرة بدأت بعد أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، وتكرست في المرحلة «الأوبامية» خصوصاً مرحلة الاتفاق النووي وما بعده ليتم تلزيم المنطقة لميليشيات قاسم سليماني. لكن منذ بدأ التحالف العربي مواجهة الحالة الحوثية في اليمن التي تتراجع ميدانياً ومصيرها التفتت والزوال، بدأت ولا شك ملامح مرحلة مختلفة، ثم جاء التغيير في الإدارة الأميركية ليساهم في رسم أساس مغاير، وبات من الصحيح القول إن المنطقة تنام على أمر وتصحو على آخر، لكن ضمن المعطيات الراهنة لا أسس تشي بأن مشروع حكام طهران سيتراجع.
وفي غمرة المواجهة مع أطماع حكام طهران، يتبلور بسرعة كبيرة التمدد التركي في المنطقة العربية، ويسود أنقرة جو جديد من العثمانية الجديدة، فتسعى تركيا لنشر مشروع «هلالٍ» خاص بها لا يتصادم مع مشروع «الهلال الشيعي» بل ربما يتكامل معه، يمتد من إمارة قطر إلى الصومال وجيبوتي وإلى جزيرة سواكن السودانية في البحر الأحمر. «هلال» يتسع حيث نفوذ وهيمنة جماعة «الإخوان المسلمين» الذين أمنوا عباءة أيديولوجية لكثير من التنظيمات الإرهابية من شمال إفريقيا إلى سوريا على وجه الخصوص.
لعل أخطر ما تقوم به تركيا الآن هو في الشمال السوري، إذ يجري ربط كامل كل الريف الشمالي لسوريا غرب الفرات بتركيا ومن ضمنها إدلب وعفرين التي تمّ تهجير أهلهما عنوةً بعد انتهاكات وجرائم فظيعة، والخطر يتسع مع الاندفاعة التركية للحصول على «منطقة آمنة» بعد الانسحاب الأميركي تمتد من المتوسط إلى الحدود العراقية بحجة الحفاظ على الأمن القومي التركي من خطر كردي متخيل في المستقبل. فتشهد المنطقة نشاطاً محموماً للدعاة الأتراك بمعاونة منظمة من جماعة «الإخوان» السوريين، وتتلاحق خطوات ربط الاقتصاد والإنتاج والتوظيف ومناهج التعليم بتركيا، وتتسع عمليات التجنيس وينظم الأمن التركي فصائل عسكرية متشددة دينياً على أنقاض «الجيش الحر» لتكون واجهة السيطرة العثمانية الجديدة. طبعاً لم تعد خافية النيات وليست خافية الإجراءات الميدانية لجعل الشمال السوري امتداداً جغرافياً للجنوب التركي، فأنقرة صاحبة الجوع العتيق بالأراضي السورية تعمل لتثبيت دورها والسيطرة على حصة وازنة في أي تسوية، بما يخدم المنحى الإمبراطوري الجديد لهذه العودة التي تخطط لموجة جديدة من عمليات تشتيت الأكراد السوريين.
والتسابق بين طهران وأنقرة على النفوذ، هو النتيجة المنطقية لانحسار القتال في سوريا دون تبلور أي منحى لبحث جدي في التسوية السياسية، تسابق مرشح للتزايد بضوء القرار الأميركي بالانسحاب الذي قد يفرض بداية تغيير في صيغة العلاقة بين موسكو من جهة وطهران وأنقرة من جهة ثانية، لكن ذلك لا ينبغي أن يدفع لأي استنتاج مبكر، رغم أن روسيا الحريصة على استمرار مسار آستانا أسقطت من قاموسها صفة «التحالف» مع إيران، ويتحدث نائب وزير الخارجية ريابكوف عن «تعامل محدود» بين البلدين، وتتلاحق على الأرض مواجهات بين قوات النظام السورية فيما بينهم، في منحى روسي لتقزيم النفوذ الإيراني داخل الجيش والأمن السوريين. وبالمقابل فإن طرح موسكو على أنقرة تفعيل «اتفاقية أضنة» للعام 1998 التي تضمن لتركيا التدخل العسكري ضد ما تعتبره إرهاباً يستهدفها، هو أشبه بخريطة لرسم السياق الذي تراه موسكو للانحسار التركي عن سوريا. لكن الهوة كبيرة بين ما يجري ميدانياً وما تريده موسكو للإمساك بكل الأوراق السورية ومن المبكر وجود أي رهان مع غياب دور السوريين أصحاب الأرض والقضية، وعدم بلورة آليات ضاغطة للعودة إلى مسار جنيف الذي لا بديل عنه لتسوية سياسية بإشراف الأمم المتحدة. الوضع دقيق والمخاطر الجدية كبيرة على سوريا كما على كل المنطقة، ومهم جداً كشف خطورة «الهلالين» وخطورة التطرف الميليشياوي من الجانبين، لأن رسوخ نفوذ طهران وأنقرة سيكون أبعد أثراً مما يتخيله البعض وسيكون العالم أمام كابوسٍ جديد من الفوضى والإرهاب.