سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

على غزل البنات.. العمّ علي يغزل الأمل والابتسامة

كركي لكي/ ليكرين خاني –

اقتطع العم علي خلف حيزاً صغيراً من شرفته، ليثبّت ماكينته فيه، يسكب في جزء متحرك في وسط الآلة ملعقة من السكر، وقليلاً من الصبغة الحمراء، ويديرها بمحرك يعمل على الكهرباء، فتظهر من ثقوب صغيرة خيوط كالقطن الأحمر، كأنها أمل يفتح أفقًا مسدوداً من أبواب الحياة أمامه.
غزل البنات حلوى مميزة، وشهية، قوامها السكر فقط، وعلى الرغم من انتشار أنواع أخرى كثيرة، لا تُعدَّ ولا تُحْصَى من الحلويات، غير أن غزل البنات لا زال يتربَّع على عرش الحلوى الشعبية، فهي من أنواع الحلوى التي حافظت على رونقها على مرّ الأجيال، ولا زالت متواجدة، لا سيما في المناطق الشعبية، والمتنزهات، حيث يكثر تواجد البائعين لهذه النوعية من الحلوى، وغالباً ما يكون نداؤهم عليها مصحوباً بناي، يحلو للبائع أن يطلقه معلناً عن وجوده في المكان، وللفت أنظار الأطفال.
يرجع تاريخ هذه الحلوى الشعبية المحبوبة إلى بداية القرن العشرين، ويؤكّد المؤرّخون أنها عُرِفَت في مصر أوَّلاً، حيث كان يُجْمَع السكر في وعاء مرتفع الحواف، يدور بسرعة كبيرة معتمداً على نظرية الطرد المركزي، وبعد إضافة الصبغات المختلفة الألوان إليه، كان السكر المنفوش الملون، يجمع على أعواد خشبية رفيعة، ويتم تقطيعها بحركة سريعة، وتُقدَّم للمشتري، ورغم مرور الوقت، وفقدان الأشياء قيمتها مع التقدم، لم يفقد بائع غزل البنات قيمته، وقدره أبداً بين الأطفال في مختلف الأجيال، فغزل البنات من الحلوى التي ليس لها عمر افتراضي.
غزل المحبة تزيّن عربته
يجول الأزقة بحثاً عن لقمة العيش.. يغزل الابتسامة ويبيعها.. يصب الفرح في قلوب البسطاء أمثاله.. إن أتاك من بعيد، تميّزه من اللون الوردي، الذي يزين أكياسه المكدسة فوق بعضها بحثاً عمّن يشتريها.. أكياس هشة رقيقة تحوي غزلاً للبنات.. يحملها فوق كاهله المتعب، بوجه لا يخلو من التجاعيد المهملة.. مع ابتسامةٍ، يعلوها بريق أمل مليء بالحياة.. نعم هو العم، بائع غزل البنات.. غزل المحبة، إنه العم علي يجوب شوارع ناحية كركي لكي، منذ ساعات الصباح الأولى حتى المساء.
وبرغم سنّه الذي تجاوز الخمسين عاماً، ما زال يسعى في مناكبها، من أجل قوت أولاده، لا يملك إلا الأمل والرضا، هدفه الوحيد أن تُباع أكياسه الوردية؛ لتخفف عنه عبء الحياة، يحمل عشرات أكياس النايلون تضج بالبهجة واللون الوردي، يقف في منتصف رصيف طويل، فتبدو بضاعته كما لو كانت لطشة فرشاة، لفنان مغمور أراد أن يكسر حدة اللون الرمادي، الذي يحاصر البائع من كل حدب وصوب.
مشاركة جماعية مع الأب
يقول علي خلف، الرجل الخمسيني من سكان ناحية كركي لكي، أنه يبدأ يومه منذ شروق الشمس، فيسرع في حمل عشرات من أكياس النايلون، وبداخلها قطع صغيرة من غزل البنات، فيمضي الساعات وهو يتجول في شوارع الناحية، وينادي على بضاعته، يعرضها ملونة على حافة الشارع العام، ويذكر أنه يدخر منها قوت عائلته، تباع كل اثنتين منها بخمسمائة ليرة سورية، ويعبر علي عن سعادته ورضاه، بما يكسبه من مال جراء بيع بضاعته التي يعمل بها منذ ست سنوات، وبعد محاولات كثيرة لإيجاد فرص عمل تناسبه، فتعلم أسرار المهنة من تلقاء نفسه، محاولاً أن يعثر على مهنة يمتهنها، لافتاً إلى أنه وبقية أفراد أسرته، يعملون في تصنيع وتعبئة غزل البنات مساء كل يوم، فور عودته إلى البيت حيث يشرع في تشغيل الماكينة، التي منحته إياها جمعية خيرية، وتتولى بناته تعبئة المنتج في أكياس، موضحاً: “تنقلت كثيراً بحثاً عن العمل، فقمت بتجربة تصنيع غزل البنات من دون آلة بضع شهور، وتمكنت من صنعها بالشكل الجيد، بعدها بفترة وجيزة، تم منحي من قبل جمعية خيرية آلة بسيطة، أعمل عليها مساء بمساعدة بناتي، فزوجتي مصابة بالشلل النصفي، فليس بإمكانها مساعدتي”.
ويوضح خلف أن بضاعته تعتمد على السكر، وبعض الإضافات الأخرى من المواد الملونة، ويتم وضعها في ماكينة كهربائية تلف بسرعة كبيرة، مع حركة اليد، واستخدام قطعة حديد صغيرة، تتيح وفقاً لمهارته في تحويل السكر إلى خيوط رقيقة، تشبه الغزل، تصنع من السكر والصبغة وقليل من الماء.
الرضا مجلبة السعادة
إن عمل بائع غزل البنات، لرجل خمسيني مجهد طوال اليوم، ولكنه راضٍ به، ويرسم به البسمة والفرحة على وجوه الأطفال، يقول علي: “ليس هناك عدد ساعات محددة لمهنتي، فأنا صبور وأحب عملي”.
ويضيف: “في بعض الأحيان أجد صعوبة في تأمين مادة السكر، كون غزل البنات يعتمد على السكر بشكل كبير، فأبتاع ما يقارب ٤٠ ألف ليرة سورية مادة السكر وتكفي هذه الكمية ثلاثة أيام فقط، وهذا يثقل كاهلي لأن الدخل وثمن المواد لا يتكافآن”.
ويؤكد: أنه سعيد لإكمال بناته للدراسة، وعدم تركهم لها رغم الظروف المادية الصعبة قائلاً: “بعملي هذا أستطيع تأمين مصاريف دراسة أولادي، مهما كان الدخل قليلاً، فأولي الأهمية لمستلزماتهم الدراسية”.
وأشار خلف إلى أنه يعاني من ارتفاع الإيجارات، والتنقل من سكن إلى آخر كل عام، معبراً عن هذا برضا “حالتي مماثلة لحالة أغلب السكان، فأنا أدفع خمسين ألف ليرة سورية ثمن الإيجار، ومقتنع بأن الرضا يجلب السعادة”.
واختتم العم علي خلف حديثه بالقول: “عملي هو شرف أفتخر به وأواظب عليه، ولا أخجل منه، يكفي أنني لا أعتمد على أحدٍ في تأمين حاجيات عائلتي”.