سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

“على عكس ما رسم لي.. يومي الأول كان مفتاح تعاستي”

روناهي/ تل كوجر– “من قرار جماعي وسذاجة فردية إلى انتهاكات نفسية وهروب اضطراري!” هكذا تلخص قصة زواجها الذي بدأ بفستان أبيض اللون منتهياً بالكثير من الآثار النفسية والجسدية.
تزويج القاصرات جريمة مبكرة وانتهاك للطفولة يقودها جهل مجتمعي وتردٍّ في عادات وتقاليد مجتمعية بالية، مدفوعةً بأحلام وردية غير مدركة لخطورة الموقف، تسير القاصر نحو العش الزوجي المزعوم محملةً بأفكار يزرعها الأهل عن جهل معظم الأحيان مدفوعين إلى ذلك تحت مسميات كارثية منهم من ينعت هذا الزواج بأنه “الستر”، وآخرون تدفعهم نظرة المجتمع البالية تجاه وجود فتياتهم لديهم دون زواج معللين ذلك بأن مصير الفتاة الزواج، والزواج المبكر على حد قولهم هو ضمان لسمعة الفتاة وصون لسمعة العائلة بأكملها.
انتهاكات نفسية وهروب اضطراري
تصف “ر. خ” قرار زواجها وهي لم تكمل عامها الخامس عشر في عام 2015 بالكارثي، بأنها لم تكن تدرك أنها في طريقها إلى جحيم يبدأ بفستان أبيض اللون ينتهي بها هاربةً برفقة ابنتها الوحيدة البالغة من العمر ثلاث سنوات تحمل معها قليلاً من ملابسها وكثير من الآثار النفسية والجسدية.
على طول الطريق الممتد من الشام إلى قامشلو وصولاً إلى قريتها في ريف تل كوجر كانت تقلب في ذاكرتها عن سبب يجعلها تتراجع عن هروبها من بيت زوجها لكن “دون جدوى” على حد تعبيرها.
قرار جماعي وسذاجة فردية
فتقول: “الكل كان مجمعاً على أن انتقالي إلى دمشق سوف يغير من حالي نحو الأفضل، عريس وسيم، بيت في دمشق، حياة تملئها السعادة والابتعاد عن الريف وتعبه، كلها مسوغات ملؤوها في رأسي الساذج إلى أن وصلت بسذاجتي الطفولية إلى قرار القبول بإرادي مرتديةً وشاح الزواج متزينةً بثقة الراضي عن فعله دون وعي كامل لما ينتظره من مصير مجهول”.
انتهاكات جسدية
تقول: “يومي الأول كان مفتاح التعاسة وعكس ما رسم لي من سيناريوهات روتها لي أمي وخابت توقعاتي التي داعبت مخيلتي الصغيرة، حيث بدأت حفلة الانتهاكات الجسدية تحت شعار الواجب الزوجي والحق الشرعي حتى دون الاكتراث لشعوري، دون اعتبار الآثار النفسية التي يكاد يقتلني مجرد حديثي عنها”.
ثم تضيف أنها اعتادت الضرب والعنف على جسدها الطفولي، مؤكدةً بأنها لا تكاد تذكر يوماً واحداً يخلو من امتزاج لون الكدمات مع لون جسدها الطفولي حتى كادت تصل في أفكارها إلى الانتحار أو الهروب إلى المجهول أو حتى ارتكاب جريمة تخلصها من عذابها.
طفلة تربي طفلة..
تنهال دموعها وهي تتحدث عن الألم الرهيب الذي رافقها أثناء ولادة طفلتها، حيث تصف لنا ما كانت تقرؤه من نظرات الاستهجان في وجوه الممرضات والطبيب الذين أشرفوا على ولادتها لما بدا لهم من طفولة أبداها جسدها.
“تجربة زادت الطين بلة”؛ هكذا وصفت الزوجةُ الطفلةُ تجربَتَها، لكن بتقبل نوعاً ما لما تحمله من غريزة أمومية.
تتابع: “كيف لي أن أربي طفلة وأنا لا أزال أحن إلى أكياس “الشيبس” التي تطالبني ابنتي بها وكيف لي أن أخفي رغبتي بالدخول في شجار معها من أجل قطعة من الشوكلا مثلاً؟”.
“لكن سوف أبتعد بها إلى بر الأمان الذي حرمت منه”، بهذه الكلمات والدموع تنهي (ر. خ) الطفلةُ الأمُّ حديثها معنا لتعلن عدم قدرتها على الاستمرار في الحديث.
المرأة التي تشارك نصف القرار وتربي النصف الآخر من متخذي القرار لتضمن بذلك حريتها بالطفولة والمراهقة دون رقابة قاتلة وصولاً إلى النضوج وصناعة القرار، حيث نشهد اليوم وجود جهات مثل دار المرأة بشمال وشرق سوريا تعنى بمشاكل المرأة للحد من هذه الانتهاكات التي قد تتعرض لها، وقد حدثتنا عن عمل دار المرأة في تل كوجر المعنية في الدار خالدية تركي السلامة حول النشاطات التي تقدمها دار المرأة للحد من ظاهرة تزويج القاصرات.
جولات توعوية ولجان شعبية
تشير خالدية بأنهن في دار المرأة يقمن بجولات على ريف تل كوجر هدفها تقديم جلسات ومحاضرات لزيادة الوعي لدى سكان الريف مستهدفين بهذه الجولات جميع الفئات في المجتمع حيث تلقى هذه الجولات والمحاضرات حضوراً نسائياً جيداً واستهتاراً ذكورياً ملحوظاً.
وأردفت: “ولكن لاحظنا مؤخراً أن نسبة الوعي في تزايد وأن حالات الزواج من القاصرات وصلت إلى حد النصف بعد بدء عمل مؤسسة دار المرأة هنا”.
وختمت بأن “القوانين الصارمة التي أصدرتها الإدارة الذاتية تجاه مرتكبي هذه الجريمة أحدثت ردعاً قوياً وشكلت مانعاً كبيراً وقف في وجه العادات البالية، وأدت إلى انعدام مثل هكذا جرائم بحق القاصرات حالياً”.