سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

عقدة “ما يُسمّى”

رامان آزاد
في اللغة السياسيّة مصطلحاتٌ خاصة بعضها يفيدُ معنى الإقرارِ، والآخر للإنكار؛ ذلك لأنّ السياسة هي سجالُ استحصالِ الاعترافِ، وتسعى الأحزابُ والكياناتُ وكذلك الأنظمةُ الجديدةُ المنقلبة على أخرى للحصول على إقرار الآخرين بها، لضمانِ استمرارِ الحياةِ في الفضاءِ السياسيّ.
خلال الأزمة السوريّة كان أحدُ أكثر المصطلحاتِ السياسيّةِ الدارجةِ للتعبيرِ عن رفضِ الاعترافِ أن تتصدرَ التسميةَ بعبارةِ “ما يسمّى”، وكان متداولاً مع أسماءِ مثل “المجلس الوطنيّ” و”الائتلاف الوطنيّ” و”الجيش الحر” و”الحكومة المؤقتة” و”تنظيم الدولة الإسلاميّة” و”هيئة تحرير الشام” وغيرها من التنظيمات والكيانات التي تضمُّ الآلافَ من عابري الحدودِ، والتي أُنشئت خلال ظروفِ الأزمةِ لتؤدّي دوراً وظيفيّاً لصالح جهاتٍ وأجنداتٍ خارجيّة، فأحاطتِ الشبهة بها في أسلوب ظهورها وتمويلها وأهدافها وأدائها وعناصرها ومجمل علاقاتها.
إلا أنّ إشكاليّة أخرى تحكمُ استخدام هذا المصطلح، وهي التعميم، بأنّ أصبح يُطلقُ على طرفٍ وطنيّ وهم يمثلون تنوعاً من كلّ الشعوب السوريّة القوميّة والدينيّة، ويستمدُّ شرعيته من حاضنته المجتمعيّة الواسعة وكذلك من الدور الوطنيّ الذي لعبه في محاربة الإرهاب حتى تمكن من دحره وتحرير الأهالي وقدّم على مذبح الوطن أكثر من 11 ألف شهيد وضعفهم المصابين، وكلهم من أبناء سوريا، ولم يكونوا أدواتِ أجندةٍ خارجيّة. ولكنهم؛ في ظروفِ الأزمةِ وغيابِ الدولةِ على مستوى المؤسساتِ الخدميّةِ أعادوا صياغةَ المجتمعِ ومأسسته، وأخذوا بالاعتبارِ أسبابَ الأزمةِ ونتائجها الدمويّة، وآمنوا بالتغيير ضرورةً وطنيّةً تمنعُ تدويرَ أسبابِ الأزمة، وصاغوا كلّ ذلك في إطارِ حلٍّ سياسيّ متكاملٍ ودعوا السوريين للحوارِ حوله.
كانتِ الأطرافُ الأخرى أمام خيار قبولِ الدعوة للحوار ومناقشة مقتضيات الحلّ السياسيّ وإيجاد صيغ جديدة لزيادة المناعة الوطنيّة وتعزيز القدرات الدفاعيّة، أو فرضَ الشروط لقبولِ الدعوةِ أو تجاهل الدعوة، وكان قبولُ الدعوةِ يعني توطينَ كلّ المنجزاتِ التي تحققت وحتى القرابين التي قُدّمت، السوريين انقسموا ما بين طرف موالٍ لأنقرة وآخر يصرّ على إعادة عقارب الساعة للوراء. ولكنهم؛ رغم اختلافهما توافقا على رفض الحوار، وتذرعا بالحديث عن الانفصالِ والتقسيمِ والإشارةِ إلى تلك القوات الوطنيّة بعبارة “ما يُسمّى” التي تنطوي على الإنكارِ وعدم القبولِ لمشروع الحلِّ والإنجازات وآلافِ الشهداء.
وبذلك باتت جملة من المصطلحات تُتداول من قبيل “ما يسمّى قسد” و”ما يسمّى مسد” حتى بدأ العدوان التركيّ الذي انتهى من جمع كلّ فصائل المرتزقة في إطار ما يُسمّى “الجيش السوريّ الوطنيّ”، فيما بقيت دمشق تراوح في تموضع الإنكار وإعلامها يقودُ حملة “ما يسمى” وتطرح السؤالَ حول إمكانية التعايش!