سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

عبد اللطيف الخطاب… الساخر من الموت

حسام اسماعيل  –

روناهي/ عين عيسى ـ ولد الشاعر الراحل عبد اللطيف خطاب عام  تسعة وخمسين وتسعمئة وألف/م على ضفاف البليخ، في منطقة “تل السمن”، شمال مدينة “الرقة” بنحو  ثلاثين/كم، وهناك عاش طفولة بائسة أورثته أمراضاً شتى، راح يقارعها مبكراً بالتوازي مع مقارعة الظلم والانتصار للحرية، برز كاسم شعري لافت في بداية ثمانينيات القرن العشرين، حينما كان يدرس في كلية الاقتصاد، قسم إدارة الأعمال في جامعة “حلب”، وأسس هناك مع مجموعة من الشباب ملتقى جامعة “حلب” الأدبي، الذي أفرز أسماءً لامعة سجلت حضوراً متميزاً في المشهد الثقافي السوري، وعلى الرغم من ذلك قامت الأجهزة الأمنية آنذاك بإغلاق المنتدى.
لم يمهل الموت الشاعر “عبد اللطيف خطَّاب”، بل جاء مثل طائر الحوم، سريعاً يختطفه من بين أحبته لم يحفل به ولا بدواوينه، ومشاكساته، وضحكاته، وحبه للعالم. فقد توفي يوم السبت المصادف في الحادي والعشرين    من شهر تشرين الاول عام ألفين وستة ودفن في مسقط رأسه، وترك وراءه مجموعة شعرية بعنوان “زول أمير شرقي”، مطبوعة في دار الريس بلندن، ومخطوطات “الغرنوق الدنف”، و”سفر الرمل”، و”ترجمان”
 ولد الشاعر “عبد اللطيف خطاب” مريضاً، أو ربما أصيب بمرض أهمله في طفولته فسبب له الكثير من الأمراض التي رافقته من طفولته المبكرة إلى آخر يوم من عمره،  وتتعرض باستمرار إلى عمليات لرد أخطارها المميتة، كان هذا وحده قادراً على القضاء على أي إنسان، لكن تغلب الشاعر عليها بالسخرية؛ بحب الحياة حتى الامتلاء بالغرق في الحياة اليومية خاصة بالشعر، أجرى عمليات كثيرة، منها عملية القلب المفتوح وظل يهزأ بالموت، تزوج وأنجب وأصبحت ابنته “لين” ديوانه الثاني، بل أغلى من ديوانه الأول لأنه أثبت انتصاره على المرض والموت، ربما انعكست هذه الطفولة المعذبة للشاعر على كتاباته واشعاره وهذا الأمر واضح ويتضح جلياً في  سطورها وكلماتها.
ومن مختاراته الشعرية هذه القصيدة وهي بعنوان (تاريخ جمجمة):
الذي قال لي
كيف هي حال الدولة المقبلة؟
كيف حال الضحايا الأنيقين مثل الجلالة؟
أما زالوا حزانى علينا كالميتين القدامى؟
أفي الوجوه الحديثة أثارنا؟
والرمال الأنيقة تسفونا كالرياح الخفيفة؟
وقع ايدينا عليها؟
وقع اسماعنا المذابة بغتة
استقبلتنا الجماجم
احتفتنا الجماجم مثل السيول
 التي تذرع الأرض
وأنا الذي رافقتني الأميرات المسنات
وأنا الذي رافقتني أميرات الجماجم
وأنا الذي اصلح وضع الأميرة على سدة العرش
وأنا الذي باغتها ضاحكاً بالعبارات الرسولية
ويصف العديد من الأدباء والشعراء الذين عاصروا الشاعر بأن خصوصية الشاعر تكمن في أنه خرج عن الطريق الذي سار فيه العديد من الشعراء السوريين الشباب، خاصة في ملتقى جامعة “حلب”، حيث أفرزت هذه الطليعة الشعرية الشابة في منتصف الثمانينيات ما يمكن تسميته قصيدة النثر القصيرة، والتي كُتبت على اختلاف عما كان سائداً قبيل السبعينيات، وهذه القصيدة التي لم تكن لها خصوصية معينة إلا في فرديتها ورؤاها، ولعل مجموعة “خطاب” الأولى “زول أمير شرقي” تبرز تلك الخصوصية في تعلقها بالتراث واشكالياته ضمن كتابة جديدة مفتوحة ومغايرة في مطرحها ومسلكها.