سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

عبد السلام العجيلي… الأديب الطبيب

إعداد: مصطفى اسماعيل –
المصدر: الدكتور رياض معسعس- جريدة الشرق الأوسط –

في مدينة الرقة، التي كانت شبه قرية بدويَّة تسكنها قبائل زراعية رعوية، ولد عبدالسلام العجيلي، وكان العجليلية يرأسون قبيلتهم وهم سادتها وأغنياؤها.
يجمع الكثيرين أنَّ العجيلي من أكبر مبدعي عصره شعراً ونثراً في سوريا، وهو الطبيب والكاتب والسياسي، وكطبيب كان من أمهر الأطباء الجراحين، وأكثرهم التصاقاً ببيئتهِ (الرّقة) وأبناء عشيرته، وقد خص لمهنته مجموعات قصصيَّة تناول فيها تجربتهُ كطبيب (عيادة في الريف) و(أحاديث الطبيب)، في هذه المنطقة من سوريا التي يندر فيها الأطباء وتكثر الأمراض، حتى مرض الطاعون، في وقت اختفى فيه هذا المرض كما ذكر العجيلي في إحدى قصصه.
لم يتخلَّ العجيلي رغم شهرته ككاتب عن مهنته طبيباً إصراراً منه على مداوة أهل بلدهِ الذين كانوا يقصدون عيادته للعلاج مجاناً، يقول العجيلي:” إن ما كتبتهُ يكتبهُ غيري، لكن دوري في مُداواة الناس لا يقدر عليهِ غيري”.
وسياسياً أصبح العجيلي وزيراً للثقافة والإعلام والخارجيَّة (في فترة الانفصال بداية ستينات القرن الماضي) بعد أن كان نائباً عن الرَّقة في نهايَّة أربعينات القرن الماضي.
وقد وَصف بعض النُقّاد العجيلي بـ” البدوي البرجوازي” أو ” البرجوازي النبيل” فقال عنه نزار قباني “العجيلي أروع بدوي عرفته المدينة، وأروع حضري عرفتهُ البادية” وللرَّقة رغم ضآلة عمرانها ارتباط بأشخاص وأحداث تاريخيَّة جسام، كما هو معروف فهي كانت مصيفاً للخليفة هارون الرشيد الذي قال فيها: “الدنيا أربعة منازل هي دمشق والرقة والري وسمرقند” وفي ضاحيتها وقعت معركة ” الفتنة الكبرى” (صفين)، التي شقت صف المسلمين، وفيها دُفن الصحابي عمار بن ياسر، هذه البيئة البدويَّة انعكست في كل كتابات العجيلي إذ يقول عن مدينته: “ولدتُ في الرَّقة بلدة صغيرة، أو قريَّة كبيرة، على شاطئ الفرات بين حلب ودير الزور، من الناحية الاقتصاديَّة كان أغلب أهل الرَّقة، وأسرة العجيلي منهم، يعيشون حياة نصف حضريَّة، بأنَّهم كانوا في الشتاء يقيمون في البلدة فإذا جاء الربيع خرجوا إلى البادية يرعون فيها أغنامهم ويتنقلون بين مراعي الكلأ حتى أوائل الخريف، وقد عشت هذه الحياة في صباي، فأثرت فيَّ كثيراً واقتبستُ منها كثيراً فيما كتبت”.
بدأ حياته شاعراً ينشر أشعاره في دوريات باسم مستعار، ولشغفه  بالشعر نظم مرة قصيدة في مسألة كيميائية عندما كان على مقعد الدراسة وله ديوان يتيم: “الليالي والنجوم” وقصائده من الشعر العمودي.
قلائل هم من يشبهون الأديب الراحل بشعره الوطني وتفانيه في العمل، خصوصاً دفاعه عن فلسطين، فقد ضحى بمنصبه نائباً في مجلس النواب السوري أيام “النكبة” ليلتحق بجيش الإنقاذ (مع زميله أكرم الحوراني) لمحاربة الصهاينة في فلسطين، وقد استلهم من هذه التجربة عدداً من قصصه: ” كفن حمود” من مجموعته “الحب والنفس” و “بنادق في لواء الجليل”. ونجد في شعره الكثير من القصائد الوطنية عن فلسطين. “أتاح لي تطوعي في هذه الحملة تجربة فذة ومعرفة غنيّة لقد اكتشفت خلال الفترة التي قضيتها في فلسطين، وفي ميدان المعارك، أشياء كثيرة عن سير أمورنا وخصائص شعوبنا، وأقدار رجالنا، ومن المؤسف أن تجربتي قد تكشفت لي عما خيب أمل الشاب المثالي الذي كنته” (من كتاب “ذكريات أيام السياسة”).
بعد أن ترك الشعر، أصدر العجيلي أربعة وثلاثين كتاباً في القصة والرواية والشعر وأدب الرحلات إذ كان من محبي السفر والتنقل بين البلدان، وقد تأثر كثيراً بإشبيلية التي لها كتاب” قناديل إشبيلية”
وكانت أولى مجموعاته القصصية قد صدرت في العام 1948 تحت عنوان “بنت الساحرة” ولكن قبل ذلك نشر مجموعة كبيرة من القصص، والأشعار والمقالات في  صحف ومجلات عريقة باسم مستعار، وقد ظل رغم شهرته يعتبر الأداب المشتهرة في ذلك الزمن مثل مجلة (الحديث ) في حلب، و(المكشوف ) في بيروت، وهي دوريات كانت تحفل بما يكتبه أساطين الفكر والثقافة، ويطمح الكثيرون الى أن تظهر أسمائهم فيها، ويقول في ذلك: “أما أنا فكنت قانعاً بأن يجاور إنتاجي الأدبي في تلك الدوريات إنتاج المشاهير وبأن يلقى الإعجاب من القراء دون أن يعرف أحد”.
نال العجيلي عدة جوائز أدبية وترجمت أعماله إلى لغات عدة منها الفرنسية والإنجليزية، واشتهرت أعماله لأنه كان يعالج مشكلات بيئية بصدق ويصور واقعها بنصوص تصل إلى قارئها بسهولة وبساطة، فلغته تحاكي شريحة عريضة من الناس وليس فقط المثقفين أو المهتمين بالأدب، وربما البيئة البدوية التي تغلب على سكانها الأمية أو أنصاف متعلمين جعلته يستخدم معجماً قريباَ من القارئ العادي.
من أعماله: ” قلوب على الأسلاك”، و” ومقامات “و”أجملهن”، و” مجهولة على الطريق” و” ساعة الملازم” و”باسمة بين الدموع”…التي نال عنها عدة جوائز.