سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

طلبة عفرين أنهوا عامهم الدراسي… لكن ما هو مستقبلهم؟!

تحقيق/ صلاح إيبو ـ شيار كرزيلي –
انتهى العام الدراسي الاستثنائي لطلبة مقاطعة عفرين، وهم خارج مدراسهم التي اعتادوا أن يزينوها ويقيموا حفلات نجاحهم فيها، اليوم اجتاز أكثر من 10 آلاف طالبٍ وطالبة من المستويات الدراسية كافة امتحاناتهم الاستثنائية للفصل الدراسي الثاني، وحصل العديد منهم على نتائجه الدراسية، كما أنهى طلبة الشهادتين الإعدادية والثانوية أيضاً اختباراتهم الدراسية، وهم ينتظرون مصيرهم الدراسي للعام القادم الذي بات يدق الأبواب سريعاً.
أكثر من خمسين ألف طالبٍ وطالبة حرموا من متابعة دراستهم الطبيعية نتيجة العدوان التركي على مقاطعة عفرين التي كانت تضم 318 مدرسةً، وبعد التهجير القسري الذي انتهجه الاحتلال التركي ضد شعوب عفرين من كرد وعرب، توجَّه أكثر من مئةٍ وخمسين ألف نسمة إلى مقاطعة الشهباء والاستقرار في قرى شبه مدمرة ومخيمات تم إنشاؤُها على عجل.
لكن حب التعلم والتعليم لم يغب عن بال المجتمع العفريني الذي عُرف على مدار السنوات السبع الماضية بتنظيمه العالي وإدارة شؤونه بنفسه. لذا؛ ومع التهجير القسري، التمس المجتمع العفريني ضرورة إعادة تنظيم حياة الشعب من جميع النواحي، وبالطبع مجالُ التعليم هو الأهم لما يمثله من ارتباط بالقيم الأخلاقية للمجتمعات وارتباط الطلبة بلغتهم الأم التي باتت جزءاً لا يتجزَّأ من حياتهم اليومية في عفرين.
خمس خيم ساهمت في تنظيم قطاع التربية
والبداية كانت من مخيم برخدان الذي ضم بين جنباته أكثر من أربعة آلاف نازحٍ، وتم افتتاح مدرسة متواضعة عبارة عن خمس خيم وتخصيص عدد من المدرسين فيها، ولم تلبثِ المدرسةُ الصغيرة أن بدأت بالتوسُّع بعد جهود جبَّارة من قبل لجنة تعليم المجتمع الديمقراطي وهيئة التربية والتعليم في مقاطعة عفرين، هنا بدأت اللجنة بتنظيم المدرسين وإعادة تدريب البعض منهم، وفرزهم عبر لجان عدة والبدء بحرب إعادة التنظيم والهدف هو حث الأهالي على إرسال أولادهم لمقاعد الدراسة وإن كانت مجرد خيمة.
زيارة العوائل وحثهم على إرسال أولادهم إلى المدارس تمت بالفعل بعد أسابيع من النزوح والهدف الأوحد كان “الدراسة يجب أنْ تستمرَّ في أي ظرف كان”، وبالفعل بعد مدة بسيطة من النزوح والاستقرار في مقاطعة الشهباء تم تنظيم المدرسين وجمع الطلبة بكل مستوياتهم وتم إنشاء عدد من المدراس، البداية كانت بتدريس المواد الترفيهية والأساسية.
ويقول الرئيس المشترك لهيئة التربية في مقاطعة عفرين محمد رشيد: “إنَّ هذا الإصرار على استمرار التعليم وفي كل المستويات ما هو إلا استمرار للمقاومة ومحاولة إخراج الطلبة من أجواء الحرب وربطهم بمدراسهم وملء فراغهم والأهم هو حث الطلاب على التمسُّك بلغتهم الأم التي درسوها في عفرين على مدار السنوات السبع الماضية”.
عشرة آلاف طالب اجتازوا الاختبارات المختلفة
وبدأت مدراس لجنة التعليم والتدريب للمجتمع الديمقراطي تستقبل الطلبة مع بداية شهر حزيران الماضي، وتنظِّمهم وفق مستويات عدة، الابتدائية والإعدادية والثانوية، واجتاز الطلبة من كل المستويات امتحاناتهم وكان آخرها في 11 الشهر الجاري للشهادتين الثانوية والإعدادية.
وبلغ إجمالي الطلبة الذين التحقوا بمقاعد الدراسة في ناحية شيراوا ومقاطعة الشهباء من طلبة عفرين عشرة آلاف طالب وطالبة، ومنهم 311 من المرحلة الثانوية، و365 المرحلة الإعدادية، إضافة لتفعيل دورات خاصة لتعليم اللغة الكردية بمستوياتها المختلفة للأهالي الراغبين بتعلُّمها، ودورات أخرى لتقوية المدرسين وفق اختصاصات معينة.
ومن جهة أخرى تم التواصل مع لجنة تعليم وتدريب المجتمع الديمقراطي في إقليم الجزيرة، بصدد وضع طلبة المعاهد والجامعات، وبالفعل تم إرسال عدد من طلبة الجامعة والمعاهد المتوسطة إلى إقليم الجزيرة لمتابعة تحصيلهم العلمي هناك ولكن ليس الجميع، بل فقط منْ تتوافر فروع دراسته هناك.
امتحانات الشهادة… فسحة أمل بالمستقبل
وكانت أجواء الامتحانات للشهادة الثانوية في كلٍّ من مراكز تل رفعت والأحداث التي زارتها روناهي، إيجابية، وبدا على الطلبة الفرحة لعدم إضاعة عام دراسي كامل عليهم، وقالت المدرسة إلهام كوتوا وهي مراقبة للدوام والالتزام: إنَّ الأجواء كانت إيجابية، ولم تطرأ مشاكل على العملية الامتحانية في مركز تل رفعت الامتحاني.
طلبة الشهادة الثانوية… ما هو مصيرنا؟
وأشارت الطالبة شيرين عثمان التي تمنت النجاح لجميع أصدقائها، إلى أنَّها وجدت في هذه الامتحانات والفترة الدراسية التي اجتازوها بشكل مُكثَّف خلال الأيام الماضية فسحة من الأمل بالمستقبل، ورغم الضغط النفسي الناجم عن النزوح والتهجير إلا أنَّهم مصممون على متابعة دراستهم، وتساءلت الطالبة كلستان كرشوت بعد تقديمها امتحانات الشهادة الثانوية، عن مصيرهم وكيف سيتابعون دراستهم في الجامعات والمعاهد في ظل النزوح واحتلال عفرين.
في حين بدا بعض المدرسين الراغبين بتقوية مستواهم العملي للتقدم إلى هذه الامتحانات العامة، ومنهم مُدرِّسةُ اللغة الكردية أمينة نوري شيخو، والتي قالت: إنَّها ترغب في زيادة معارفها وإتمام تحصيلها العلمي رغم أنَّها مدرسة للغلة الكردية حالياً، وأكَّدت على أنَّ الأجواء الامتحانية كانت جيدة والدروس التكثيفية التي أخذوها قبيل الامتحانات بفترة كانت مناسبة رغم ضيق الوقت.
والمدرس أدهم حسو وهو مدرس للغة العربية، قال: “إن الأسئلة كانت مناسبة، بالمجمل وراعت مستويات الطلبة “، وتمنى حسو النجاح للطلبة والتأكيد على استمرار العملية التربوية والتعليمية في ظل الظروف الحالية وإمكانية تطويرها.
مشاكل القطاع التدريسي وإمكانات تفاديها
هذا العام الدراسي، مرَّ على طلبة عفرين المُهجرين، ولكن بقي قسم لا بأس به من الطلبة خارج المدراس، وفي هذا الصدد يقول الرئيس المشترك لهيئة التربية والتعليم في مقاطعة عفرين محمد رشيد: “في البداية كان إقبال الطلبة على الدراسة ضعيفاً، ولكن يوماً بعد يوم يزداد، ونحن متأكدون من أنَّ البقية الباقية من الأهالي الذين لم يرسلوا أطفالهم للمدارس سيعملون على إرسالهم، إضافة لعملية ترويجية ستنتهجها لجنة التربية لتطوير مدراسهم وتفادي المشاكل التي حصلت هذا العام”.
وواجهت لجنة تعليم وتدريب المجتمع الديمقراطي مشاكل عدة هذا العام، ولا سيما فيما يخصُّ الشروط الصحية للمدارس وضيق المكان، وظروف الحرارة المرتفعة في مقاطعة الشهباء. لذا؛ تم تشكيل لجنة خاصة مُشكَّلة من لجنة التعليم وهيئة التربية لإعادة ترميم المدارس وصيانتها، وتوفير أماكن أخرى للدراسة للاستعاضة عن الخيم التي لا تكون ظروف الدراسة فيها مناسبة ولا سيما في فترة الظهيرة.
وخلال هذا العام تم تحويل بعض المدراس المدمرة إلى أماكن للتعليم، مثال على ذلك مدرسة تل قراح الشبه مدمرة، وسجن الأحداث التي تحوَّل من سجن ومقر لمرتزقة داعش إلى منارة للعلم والتربية وفق أخلاق الأمة الديمقراطية.
مشاريع قيد الدراسة لاحتضان الناجحين في الشهادة الثانوية
ونوه الرئيس المشترك لهيئة التربية والتعليم في مقاطعة عفرين، إلى أنهم يتابعون مشاكل الطلبة عامة، وبالنسبة لمصير طلبة الشهادة الثانوية، قال: “نفكر ونناقش إمكانية افتتاح معاهد معينة في مقاطعة الشهباء وذلك وفق الفروع المطلوبة والتي يتوفر الكادر التدريسي فيها، وكذلك التواصل مع إقليم الجزيرة لاحتضان الطلبة الذين يرغبون في متابعة دراستهم الجامعية وفق تحصيلهم العلمي ريثما يتم تحرير عفرين وإعادة افتتاح جامعتها ومعاهدها”.
مناهج مبسطة لإبعاد شبح الحرب عن ذهن الأطفال
وعن المناهج المتبعة في العملية التدريسية، يشير محمد رشيد إلى أنَّهم وضعوا على رأس أولوياتهم في العملية التربوية خلال الفصل الثاني المنصرم إخراج الطلبة من أجواء الحرب والدمار والقصف التي شهدوها في عفرين، وإعادة البهجة والسرور قدر المستطاع إلى وجوههم، ولذا تم التركيز على المناهج الترفيهية والتعليمية التي تنمي مهارات الطالب مثل الرسم والموسيقا والرياضة والغناء إضافة لبعض المواد الأساسية كاللغة الكردية والعربية والرياضيات والجغرافية وفق الصفوف الدراسية والمرحلة العمرية، وبالطبع الهدف الأساس هنا وفق هيئة التربية هو تشويق الطلبة لمتابعة دراستهم وربط الطالب بمدرسته ولغته الأم.
إصرار على تعليم اللغة الأم
ومن جهة أخرى يؤكد رئيس هيئة التربية والتعليم في عفرين على أنَّهم يعملون اليوم وسيستمرون في عملهم التربوي وفق مبادئ الأمة الديمقراطية، لهذا سيكون التعليم والتربية في العام القادم لأبناء عفرين من منطلق هذا المبدأ، ونفى أن يكون هناك أي تغيير في نمط التدريس أو السياسة التربوية لاحقاً، مؤكداً على استمرار المقاومة والتنظيم في سياق مرحلة تحرير عفرين التي باتت قريبة.
وأبدى الرئيس المشترك لهيئة التربية والتعليم سخطه، من موقف بعض المنظمات الدولية المعنية بقطاع التعليم إزاء التعليم باللغة الأم للمكون الكردي، ومحاولتهم الحثيثة لفرض أجنداتهم في هذا القطاع وفق سياسة معينة تحاول عبرها توجيه الطلبة إلى دهاليز بعيدة كلَّ البعد عن واقع وقيم وأخلاق الشعب العفريني.