سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

طلال محمد: “تركيا لن تستطيع التحرك بمفردها لمهاجمة شرق الفرات”

حاوره/ رفيق إبراهيم –

أجرت صحيفتنا حواراً مع الرئيس المشترك لحزب السلام الديمقراطي الكردستاني طلال محمد؛ تركز حول حملة عاصفة الجزيرة في مراحلها الحاسمة والنهائية ضد مرتزقة داعش، واللقاء الثلاثي في سوتشي بين روسيا وتركيا وإيران، والانسحاب الأمريكي من سوريا، والتهديدات التركية لشرق الفرات، واللجنة الدستورية التي أقرت مؤخراً، حيث قال: “لا يمكن لنا أن نقول إن داعش بات بحكم المنتهي وعلينا جميعاً أن نكون قادرين على التعامل مع الوضع الجديد؛ لأنه قد يكون هناك ارتدادات وانتقامات لخلاياه النائمة في المراحل المقبلة. الخلاف بين روسيا وإيران وتركيا حول إدلب يتسع بحيث أصبحت إدلب على صفيح ساخن وقد تكون هناك معركة في المراحل القادمة. تركيا لا تريد تسوية أوضاع الفصائل الموالية لها؛ لأنها قد تستخدمهم كورقة ضد المشاريع الديمقراطية في شمال وشرق سوريا”.
وأكد طلال محمد على أنّ القرار الأمريكي بالانسحاب من سوريا قرار تكتيكي ومرحلي وهي تعرف ماذا تريد وما الذي يجب فعله، وأضاف: “على القوى الدولية أن تضغط على الدول التي لديها أسرى عندنا؛ ليتم استلامهم ومحاكمتهم في دولهم. لن تستطيع تركيا التحرك بمفردها في مهاجمة شمال سوريا ما لم يكن هناك توافق دولي وضوء أخضر أمريكي. إذا تم تحييد شعوب شمال وشرق سوريا من اللجنة الدستورية لن يكتب لها النجاح”.
ـ بات قرب القضاء على مرتزقة داعش عسكرياً وجغرافياً وشيكاً؛ وهم يلفظون أنفاسهم الأخيرة في دير الزور، ما هي رؤيتكم لمستقبل المنطقة سياسياً؟
بكل تأكيد؛ ستشهد الأيام القليلة القادمة الإعلان عن انتهاء داعش في سوريا عسكرياً وجغرافياً. ولكن؛ ما نشره داعش من ثقافة في المناطق التي تم تحريرها ووجود الخلايا النائمة لا يمكننا القول بأن داعش بات بحكم المنتهي؛ لأنه سيتطلب الوقت للتغلب على ثقافة القتل وقطع الرؤوس والسلب والانتهاكات بحق شعوب تلك المناطق. ولذلك؛ لن ينتهي داعش عملياً كما يقول البعض وبخاصة أنهم عاصروا جيلاً كاملاً وأثروا عليهم بشكل كبير، وعلينا جميعاً أن نكون قادرين على التعامل مع الوضع الجديد، وبخاصة القوى الدولية عليهم أن يسعوا لإيجاد حل سياسي شامل لسوريا ومن ضمنها مناطق شمال وشرق سوريا. وأقول إن الارتدادات والانتقامات لن تنتهي في المناطق المحررة ويجب أخذ الحيطة والحذر بشكلٍ جدي. وتتطلب المرحلة القادمة عملاً كبيراً سيكون أصعب من العمل العسكري برأيي، ويجب أن نعمل جميعاً كقوى سياسية ومجتمعية وبمساعدة القوى الدولية، على السعي نحو الحل السياسي الذي ينهي الأزمة السورية، وتفعيل دور المؤسسات التنموية والتربوية لإعادة تأهيل تلك المناطق، وهذا يتطلب جهوداً كبيرة يجب أن يكون لكل واحدٍ منا دوراً فيه. ولكن؛ هناك من يفكر بإعادة سوريا إلى ما قبل 2011 دولة مركزية استبدادية؛ حينئذ ستدخل سوريا نفقاً آخر أكثر ظلاماً من ذي قبل، وبإمكان المجالس المدنية للمناطق المحررة أن تكون الأساس في الوضع الجديد، وتعمل على عودة الروح والمحبة والألفة بين شعوب المنطقة مرةً أخرى، وهذا المجالس نجحت إلى حد ما في العمل على خدمة الأهالي وحل الكثير من المشاكل في تلك المناطق. ولكن؛ ما زال هناك عمل كبير ينتظر هذه المجالس والمؤسسات كي تسترد عافيتها، وتكون في الاتجاه الصحيح، ولا بد من تحقيق الأهداف المتوخاة من المشاريع الديمقراطية التي تحافظ على أخوّة الشعوب والتعايش المشترك.
ـ قبل أيام قليلة؛ اجتمع في سوتشي كلٌ من تركيا وروسيا وإيران ويبدو أنهم لم يتوصلوا إلى اتفاق حول إدلب، ما الاحتمالات الواردة في إدلب؟
باعتقادي نقطة الخلاف الباقية بين تلك الأطراف والتي لا تستطيع هذه الدول حلها، هو الاتفاق الذي وقعته تركيا وروسيا في سوتشي العام المنصرم، وهذه الاتفاقية التي كانت من بنودها الرئيسية إخلاء المنطقة العازلة من جميع الأسلحة الثقيلة، بالإضافة إلى إخراج الفصائل الراديكالية ومن ضمنها جبهة النصرة المصنفة على لائحة الإرهاب العالمي. والخلاف حول هذه النقاط مستمر بين الأطراف الثلاثة، ولاحظنا ذلك أيضاً في مؤتمر آستانا الأخير، حيث هددت كلٍ من إيران وروسيا بشن عملية عسكرية ضد تلك الفصائل، وفي الطرف الآخر رفضت تركيا ذلك، وبسبب تلك الخلافات التقى بوتين وأردوغان في روسيا ولكن بقيت الخلافات كما هي وأصبحت إدلب على صفيحٍ ساخن. والاجتماع الأخير في سوتشي الروسية هو تمهيد لفتح الباب أمام اجتماعات آستانا مرةً أخرى، وبالطبع روسيا تضغط باتجاه عودة محافظة إدلب إلى أحضان النظام السوري، وإيران أيضاً تعمل في هذا الاتجاه، كما قلت روسيا وإيران تضغطان باتجاه شن عملية عسكرية، وتركيا لا تحبذ ذلك؛ لأن العملية العسكرية ستطال الفصائل الموالية لها، وبذلك ستفقد تركيا كل شيء ولن يعود لها أي دور في سوريا، وعندما تنتهي تلك الفصائل ستخسر ما كانت تخطط لها على مدار ثماني سنوات الماضية. وفي النهاية أتوقع أن تشهد إدلب معركة في ظل هذا الشرخ الحاصل بين الدول الثلاث، وهناك فصائل لا تريد تسوية مع النظام السوري كما حدث سابقاً في درعا والغوطة وغيرها تحت الوصاية الروسية، وعند ذلك قد تلجأ تركيا إلى توجيه الفصائل الموالية لها إلى مناطق درع الفرات والمناطق التي تحلتها، وإمكانية استخدامهم كورقة ضد المشاريع الديمقراطية في شمال وشرق سوريا إن سنحت الفرصة لها بذلك.
ـ أعلنت أمريكا انسحابها من سوريا وكما هو معلوم أن داعش لم ينتهِ بعد، وهو يحتفظ بخلاياه النائمة وقد يقوم بعمليات انتحارية في المنطقة، هل القرار الأمريكي كان صائباً برأيكم؟
قراءتنا للاستراتيجية الأمريكية وسياستها وأهدافها المُعلنة في المنطقة، والتي سمعناها من الرئيس الأمريكي السابق أوباما واللاحق ترامب والقادة الأمريكيين الآخرين، والجميع يكررون الكلام نفسه حول محاربة الإرهاب والسعي لإنهاء الأزمة السورية وإيجاد حلول سياسية لها وحماية أمن إسرائيل. وتتمحور الاستراتيجية الأمريكية في سوريا حول هذه النقاط. وهناك سياسة أمريكية غير معلنة في المنطقة، وهي تتعلق بالاقتصاد الأمريكي ووضع يدها على مصادر الطاقة في هذه المنطقة الغنية بها؛ وهنا أقصد منطقة الشرق الأوسط ككل. وقرار الانسحاب قد يكون شكلياً وأعتقد أنه سيبقى في مجال الأقوال فقط، وهو قرار تكتيكي بالدرجة الأولى يصب في مصلحة خلط الأوراق للقوى الإقليمية والدولية الفاعلة في الشأن السوري وبخاصة المشروع الإيراني الروسي الذي يسعى بشتى الوسائل في السيطرة على كامل الجغرافيا السورية، وكشف السياسات والنوايا الحقيقية للدولة التركية، وبخاصة أنها انحازت إلى الطرف الروسي في الفترة الماضية، وشاهدنا جميعاً كيف حدث ارتباك كبير لدى هذه القوى بعد القرار الأمريكي بالانسحاب من سوريا، وأمريكا تتعامل مع المنطقة بسياسة تكتيكية مرحلية وهي تعرف ماذا تريد وما الذي يجب فعله، وهي واضحة في هذا الاتجاه.
ـ هناك الآلاف من أسرى مرتزقة داعش وعوائلهم وبخاصة الأجانب في أيدي قوات سوريا الديمقراطية؛ ماذا يجب فعله بخصوص هؤلاء لتسليمهم لدولهم؟
نحن مُطلعون على هذا الملف ونعلم أن هناك دعوات من قِبل الإدارة الذاتية الديمقراطية وعبر هيئة العلاقات الخارجية لحكومات ودول هؤلاء المرتزقة حول تواجد الكثير من مرتزقة داعش وعوائلهم أسرى لدى الإدارة الذاتية، وإمكانية التفاوض حول مصيرهم واستلامهم من قِبل تلك الحكومات والدول، وغالبيتهم من دول الاتحاد الأوروبي. في الحقيقة؛ لم يكن تعاون تلك الدول كما يجب أن يكون في هذا المجال، وعلى هذه الدول أن تقوم بواجبها في استلام هؤلاء الذين يشكلون عبئاً إضافياً على الإدارة الذاتية، وبخاصة أن أعدادهم كبيرة كما أشرت إلى ذلك. ولذلك؛ على الأمم المتحدة والدول المعنية بهذا الملف أن تضغط على دولهم لإيجاد حل مناسب لهم، وإمكانية عودتهم إلى بلدانهم ليتم محاكمتهم هناك، وفي النهاية هم مواطنون لهذه الدول ومن الواجب عليها أن تستلمهم وبأقصر مدة ممكنة.
ـ تهدد تركيا ورئيسها أردوغان باجتياح مناطق شمال وشرق سوريا وكما هو ملاحظ أن القِوى الدولية وبخاصة دول التحالف ترفض ذلك، هل بالفعل تركيا قادرة على التحرك والهجوم على شمال وشرق سوريا بمفردها؟
علينا ان نعلم بأن تركيا لا تستطيع التحرك في هذا الجانب بمفردها ما لم يكن هناك توافق دولي على ذلك، وبخاصة أن جميع القوى الدولية لها مصالح يجب أن تحافظ عليها في سوريا، وما شاهدناه في عفرين كان بضوء أخضر روسي ولولا الموافقة الروسية على اجتياح واحتلال عفرين لما حصل ذلك. ونحن نعلم أن هناك اتفاق روسي أمريكي بين شرق وغرب الفرات، فالأخيرة ضمن الحماية الروسية، والأولى تحت الوصاية الأمريكية، وكانت عفرين من مناطق غرب الفرات، وشاهدنا كيف تم احتلالها. أما إذا هاجمت تركيا مناطق شرقي الفرات، فهذا يحتاج إلى ضوء أخضر أمريكي التي تقود التحالف الدولي، وأظن أن الأمريكان لن يسمحوا لتركيا باجتياح مناطق شمال وشرق سوريا، وهذا ما يؤكده تصريحات الكثير من المسؤولين الأمريكيين، وأيضاً تصريحات المسؤولين في دول التحالف، أما إذا ما أقدمت تركيا على أي عمل عسكري بمفردها فسيكون ضرباً من الجنون، وقد يؤدي إلى المواجهة الحتمية بينها وبين قوات التحالف الدولي وقوات سوريا الديمقراطية، وباعتقادي تركيا لن ترتكب مثل هذا العمل الأرعن الذي سيكون كارثياً بالنسبة لها، وهناك مسافة حدود طويلة بين الحدود التركية السورية ولن تتمكن تركيا من فتح جبهة بطول أكثر من 650كم، وإذا ما أقدمت على الهجوم؛ فذلك سيستنزف قواتها العسكرية وستخسر الكثير. ولذلك؛ الهجوم التركي غير المنسق وفي ظل عدم وجود الضوء الأخضر الأمريكي مستبعد إلى حد كبير.
ـ قبل أيام؛ أعلنت أسماء اللجنة الدستورية الخاصة بسوريا. ولكن؛ لم نرَ أسماء ممثلي شعوب شمال وشرق سوريا ضمن هذه اللجنة، ما الذي حصل كي تُحيّد شعوب المنطقة من هذا الاستحقاق الهام؟
ما حدث يأتي ضمن المصالح الدولية والإقليمية أيضاً، وكما حدث في جنيف وآستانا وغيرها من المؤتمرات التي عُقِدت لحل الأزمة السورية، ولم تتم دعوة ممثلي الشمال السوري، كما حدث في أسماء اللجنة الدستورية التي نعتبرها من طرفين وليست من ثلاثة أطراف كما خرجت. وهناك دول تعمل على عدم مشاركة شعوب ومكونات الشمال والشرق من سوريا، وبخاصة تركيا التي تعمل دائماً على تهميش أهالي هذه المنطقة من المشاركة في الحل لسوريا ووضع دستور لها. وبهذا الشكل لن يُكتب لهذه اللجنة النجاح، وبخاصة أن قوات سوريا الديمقراطية تسيطر على ما يقارب الثلاثين بالمئة من المساحة الإجمالية لسوريا، وعملياً إذا تم تحييدنا فهذا يعني عدم نجاح هذه اللجنة التي وضِعت كما قلنا لتحقيق رغبة بعض الأطراف. وبهذا الشكل لن يكون هناك حل للأزمة السورية، والحل هو الحوار السوري ـ السوري وعدم إقصاء السوريين من كتابة الدستور الجديد لهم، هذا الدستور الذي يجب أن يحفظ حقوق جميع السوريين وبمختلف انتماءاتهم وأطيافهم ولغاتهم، والكرة الآن في ملعب القوى الدولية وهي قادرة على إيجاد الحلول لجميع المشاكل العالقة إن أرادت ذلك.