سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

صراعات الشرق.. حرب عالمية ثالثة تديرها الأنظمة وتدفع ضريبتها الشعوب

الدرباسية/ نيرودا كرد –

تتسارع وتيرة الأحداث الإقليمية والدولية ساعة وراء ساعة، فمع كل نبأ جديد يشهد العالم موجة من التصعيد الكلامي على الأقل، تنبئ بالسير خطوة إضافية تجاه التصعيد الميداني العملي، فهذه الصراعات ما هي إلا حرب عالمية ثالثة وقودها الشعوب وتديرها الأنظمة الاستبدادية المهيمنة.
يبدو الأمر للبعض من خلال القراءة السطحية للأمور على إنه مجرد توترات تخص منطقة معينة دوناً عن باقي العالم، لا سيما وإن الجبهات المشتعلة اليوم هي جبهات بعيدة عن بعضها البعض جغرافياً، ولكن مع تحليل أعمق للأمور؛ فإننا سنرى بأن العالم اليوم يشهد حرباً واحدة بجبهات متعددة، لا تقل أحدها سخونة عن الأخرى.
الجبهة الدولية والأطراف المتصارعة
تزداد حدة الصراع الدولي بين الأطراف المتصارعة، والتي تدور رُحى الحرب بينها على الأراضي الأوكرانية، فعلى الجانب الأوروبي، يتزايد الحديث عن إرسال الدول الأوروبية لجنود وضباط من جيوشها النظامية، للقتال إلى جانب القوات المسلحة الأوكرانية، فضلاً عن سماح بعض الدول الأوروبية، إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية، باستخدام أسلحتها لاستهداف العمق الروسي من قبل الجيش الأوكراني، علاوةً على قرار اتخذه الاتحاد الأوروبي لدعم أوكرانيا مالياً وعسكرياً من الأصول الروسية المجمدة في البنوك الأوروبية.
الإجراءات التي تعتبرها موسكو مشاركة مباشرة من قبل الاتحاد الأوروبي وأمريكا في الحرب الروسية الأوكرانية، مهددة باستهداف مباشر لأراضي الدول التي تخطو هكذا خطوات، علاوةً على التلويح المستمر من قبل الرئيس والمسؤولين الروس، باستخدام الأسلحة النووية في أي مواجهة مباشرة بين بلاده والدول الغربية، وقد صرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتن، بانه قد أرسل أسلحة نووية استراتيجية إلى دولة ثالثة تمهيداً لاستخدمها في حال نشوب أي حرب محتملة.
وفي سياق متصل، تتزايد التوترات بين كل من الصين وتايوان، فضلاً عن الحشد الأمريكي للمعدات العسكرية في إطار ما يُسميه بالدفاع عن الديمقراطية في تايوان، حيث قالت صحيفة واشنطن بوست، إن الولايات المتحدة تُعِد خطة تقوم على بناء ونشر آلاف المسيّرات لإطلاقها باتجاه مضيق تايوان، وإبقاء الجيش الصيني مشغولاً حتى وصول الإمدادات لتايوان، وذلك لضمان عدم نجاح الغزو الصيني للجزيرة، لكن قائداً عسكرياً أميركياً كبيراً يقول: إن “الوقت ينفد قبل وضع الخطة موضع التنفيذ”، وجاء ذلك على خلفية تداول بعض التقارير التي تُفيد بمعلومات حول التحضير لغزو صيني مفاجئ لمضيق تايوان.
من جانبه قال وزير الدفاع الصيني دونغ جون، إن فرص إعادة الوحدة سلمياً مع تايوان “تتآكل” بشكلٍ متزايد، مؤكداً أن الجيش الصيني سيتحرك بحزم وقوة لمنع استقلال الجزيرة، وفق تعبيره.
وفي تصريحات أدلى بها خلال منتدى “شانغريلا” الأمني السنوي في سنغافورة، الذي عُقد في الثاني من شهر حزيران الجاري، أوضح دونغ جون، أن تايوان هي “جوهر القضايا الأساسية” بالنسبة للصين، لكن الحزب التقدمي الديمقراطي الحاكم في تايوان “يسعى بشكلٍ تدريجي إلى الانفصالية ويميل إلى محو الهوية الصينية، لقد أدلى هؤلاء الانفصاليون مؤخرا بتصريحات متعصبة تُظهر خيانتهم للأمة الصينية ولأسلافهم”.
وأضاف: “تظل الصين ملتزمة بإعادة التوحيد السلمي، لكن هذا الاحتمال يتآكل على نحو متزايد بفعل الانفصاليين المؤيدين لاستقلال تايوان والقوى الأجنبية المتداخلة في القضية”.
التصريحات والتصريحات المضادة في هذا الملف أيضا تُنبئ، بأنه ليس هناك أي نية لدى الأطراف بتهدئة الأوضاع، وإن كل طرف يستخدم كل أوراق القوة لديه، ما يُنذر باحتمال حدوث صدام مباشر وشيك بين كل من الصين وتايوان، مع بقاء ارتفاع احتمالية مشاركة قوى خارجية كالاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة الأمريكية في هذا الصراع.
إقليمياً تتصدّر فلسطين الأحداث
لا تبدو الصراعات الجارية في الشرق الأوسط والإقليم أقل سخونة من تلك التي تجري دولياً، ففي غزة، التي تتصدر المشهد الإقليمي حالياً، تستمر أعمال العنف والعنف المضاد قرابة العشرة أشهر، مع بقاء الخط العام متجهاً نحو التصعيد على الرغم من كل الأحاديث التي تدور حول وقف إطلاق نار وما شابه.
فمن جهة، تتمسك إسرائيل بأهدافها الساعية إلى تدمير حركة حماس، وإعادة الأسرة المحتجزين لديها دون اللجوء إلى أي عملية تفاوض جدية، ومن جهة أخرى، تتمسك حماس بمطالبها المتمثلة بانسحاب إسرائيلي كامل من قطاع غزة، وإعادة الرهائن المحتجزين لدى إسرائيل، ولا تُبدي حماس أي جدية في تعاملها مع أي مشروع هدنة يقدمه الوسطاء، بالرغم من ازدياد أعداد الضحايا المدنيين، والذين فاق عددهم الـ36 ألف بين قتيل وجريح من مدنيين وعسكريين، فضلاً عن تعثّر وصول المساعدات الإنسانية المطلوبة، بالرغم من كل الجهود الإقليمية والأممية المبذولة في هذا الاتجاه.
في المقابل، يستمر التصعيد بين إسرائيل وحزب الله اللبناني على الحدود الشمالية لفلسطين، والتي دخلت طوراً جديداً خلال الأيام القليلة الماضية، ما استدعى من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، لطرح مبادرة الإطار الثلاثي لحل تلك الأزمة ومنعها من التحول إلى حرب شاملة بين الطرفين، كذلك ـأرسل الرئيس الأمريكي جو بايدن مبعوثه الخاص إلى لبنان، في محاولة لضبط الأمور على إيقاع معين، ومنع انزلاقها نحو التصعيد، إلا ان كل الإشارات الواردة في هذا السياق توضح التعامل السلبي من قبل الأطراف المعنية في هذا الملف.
وعلى الضفة الأخرى، تتصاعد حدة الصراع في السودان بين الجيش السوداني، وقوات الدعم السريع، مخلفاً أيضاً الآلاف من الضحايا جُلهم من المدنيين، فضلاً عن تدمير كامل لعدد من المدن والقرى السودانية، إضافة إلى خطر المجاعة الذي يُحدق بالسودانيين اليوم.
وعلى الرغم من كل هذا، لا تزال أطراف الصراع السوداني متمسكة بمواقفهم دون تقديم أي تنازلات بهدف إنهاء الصراع هناك، وذلك بالرغم من الدعوات الأممية المتكررة لوقف الأعمال العدائية بين الطرفين.
الاحتلال التركي والسياسات العدوانية
على الصعيد المحلي، تستمر دولة الاحتلال التركي بسياساتها العدوانية تجاه شعوب المنطقة، فهي ماضية في قصفها لمناطق الدفاع المشروع في جبال كردستان، إضافة إلى قصفها المتواصل للبنى التحتية والأماكن المدنية والعسكرية في إقليم شمال وشرق سوريا، وإلى جانب ذلك تنسق مع بعض الدول، كحكومة بغداد، لشن هجمات عسكرية جديدة على مناطق الدفاع المشروع، فضلاً عن استمرارها في إرسال المرتزقة إلى الدول المجاورة والإقليمية المشتعلة، كليبيا والنيجر، وغيرها، مستفيدة من الصراع الإقليمي والدولي الجاري الذي يساعدها على الاستمرار في سياستها والتوسع بها.
يُضاف إلى كل ذلك، الأزمات الإقليمية التي تعيشها كل دولة من دول الشرق الأوسط على حدة، كالأزمة السورية واللبنانية والليبية، وغيرها من الأزمات المستعصية على الحل.
العالم وحالة المخاض العسير
يتضح من خلال قراءة كل هذه المعطيات، بأن العالم اليوم يشهد حالة مخاض عسيرة، فالدول التي كانت مهيمنة حتى الأمس القريب، باتت تُحاول بشتى السبل الإبقاء على هيمنتها على العالم دون إحداث أي تغيير يتماشى مع الوقائع الجديدة، كما أن بعض الدول التي كان يمكن اعتبارها تابعة حتى مطلع القرن الحالي، ترفع رأسها اليوم ساعية إلى الخروج من بيت الطاعة، معتمدة في ذلك على قدراتها العسكرية والاستخباراتية التي تسمح لها اليوم بقول كلمتها في الأمور والملفات العالمية العالقة.
ومن الطبيعي في حالة كهذه، أن يحاول القديم التمسك بالقشة الأخيرة المتبقية لديه، بغض النظر عن الأثمان، وكذلك، من الطبيعي أن يستخدم الجديد كل أوراق قوته في سبيل تحقيق مصالحه ومخططاته على المستوى الإقليمي والدولي.
لذلك، فإن الحديث حول التوجه نحو حرب عالمية ثالثة، هو حديث واقعي في جزء منه، ولكن ما يمنع حدوث هذه الحرب هو معرفة كافة الأطراف بأنه لن يكون هناك غالب ومغلوب فيها، فجميع الأطراف في هذه الحرب ستكون مغلوبة، نظراً لضخامة الترسانة العسكرية التي يتمتع بها كل طرف، إضافةً إلى أن الحديث عن استخدام الأسلحة النووية في هذه الحرب بات حديث جدي وترتفع مؤشراته يوماً بعد يوم.
لذلك، لم يبقَ أمام القوى المتصارعة إلا الاستمرار في توجيه الضربات بين الحين والآخر لبعضها البعض، لمنع كل طرف الطرف الآخر من تنفيذ مخططاته، دون السماح بانزلاق الأمور إلى حرب عالمية شاملة.
ولأن الوضع بات على هذا الشكل، فما يجب أن يكون واضحاً للجميع، بأن الأزمات العالقة، كالتي تعيشها سوريا مثلاً، ستبقى عالقة دون أي حل حقيقي ريثما يتم الانتهاء من المعركة العالمية الدائرة، وذلك لأن الجبهات الداخلية، هي جبهات ثانوية بالنسبة للقوى المتصارعة، فلديها اليوم جبهات أهم من هذه القضايا العالقة في الشرق الأوسط.
تستمر عملية تسجيل النقاط بين الأطراف المتصارعة، وتستمر شعوب المنطقة بدفع الأثمان لحروب لا ناقة لها فيها ولا جمل، والتي فُرضت عليها، ومع كل أسف تدفع فاتورتها الشعوب البريئة.