سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

شنكال.. من ألم الإبادة إلى انتصار الإرادة

تحقيق/ آلان روج –
في الذكرى السنوية الرابعة لمجزرة شنكال، والتي تعتبر أكبر وأبشع المجازر بحق الإنسانية، مرّ خلالها المجتمع الإيزيدي في منطقة شنكال والعراق عموماً بمراحل ومحن عصيبة قبل وبعد المجزرة، إلا أنَّها تمكنت من التغلب على خطر الإبادة بالتنظيم والإرادة، لتحمل في خضم تجربتها هذه مشروعاً ديمقراطياً يكفل حقوق المجتمعات والإثنيات في العراق عموماً ويحل قضاياها وينهي نزاعاتها العرقية والطائفية.
شنكال الجبل وما يحمله من حجر وماء وشجر وما يحيط به من سهل ونهر، وشنكال التي ذكر اسمها في الأسفار القديمة والكتب السماوية وفي رسائل الملوك والأباطرة وكتابات كلِّ مؤرخ مر بالمنطقة عبر العصور، وفي أخبار كل حرب وسلم، لم تكن منسية ومُهمَّشة ثقافياً واجتماعياً إلى هذه الدرجة، إلا بعد تشكيل الدولة العراقية القومية الحديثة بفعل الاستعمار وتصاعد الذهنية القومية نتيجة لنظامها المستبد والإنكاري المتماشي مع مخططات الاستعمار الأجنبي.
تعتبر شنكال أم القصة والحدث التاريخي في الثقافة الكردية وحضارتها عبر التاريخ، نظراً للاستنجاد بها في كلِّ حدثٍ قد حصل من فرح أو ترح في حرب أو نصر، حيث كانت دائماً السند والدعم أو الملجأ لشعوب كردستان من كرد و سريان وأرمن. إلا أن سياسة الإبادة المتكررة عبر العصور على يد الغُزاة الغرباء أخفت الكثير منها، والتي لا تزال إلى يومنا هذا تهدف إلى إبادتها، وإن أمكنهم لأبادوا وطمسوا ذاك الجبل الشاهق الفاصل بين الصحراء ومناطق جزيرة بوطان.
شنكال في التاريخ
من حيث الاستيطان البشري في هذه النقطة البارزة فإنه وبحسب علماء الآثار يعود إلى ما قبل 11 ألف سنة قبل الميلاد، وبخاصة في المنطقة الجنوبية من جبل شنكال، وأكثر النظريات حول أصول سكانها تشير إلى أنَّهم كانوا زاغروسيين، ثم لاحقاً كانت استمراراً لثقافة تل حلف الهورية (أسلاف الكرد) على ضفاف نهر خابور بروج آفا بشمال سوريا قبل الميلاد بـ 6 آلاف سنة، وأثبت العلماء أنَّ حياة قروية مستقرة كانت قد وجدت على حواف جبل شنكال بشكلٍ كبير.
وتعاقبت على شنكال الكثير من الامبراطوريات أهمها: الآشورية والميدية والميتانية – الهورية والرومانية، حيث كانت تلعب دوراً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً مهماً في كل حقبة من تاريخ الحضارات المتعاقبة، باعتبارها كانت نقطة وصل استراتيجية بين سوريا والعراق، وتسيطر على كلِّ الطرق التجارية المارة بين المنطقتين.
كما جعلها أشرف موسى الأيوبي عاصمة له لتعيش شنكال حينها ذروة ازدهارها المعماري والاقتصادي والثقافي في تلك الحقبة، إلى جانب كونها أصبحت مراراً مملكةً مستقلة أو مركزَ دولةٍ مستقلة لعدة فترات قبل الحقبة الإسلامية.
شنكال التي احترقت
ويذكر في الأخبار والأغاني الكردية الفلكلورية القديمة جملة «شنكال التي أحرقت أي شنكالا شه وتي» وهذا الحدث قد انطبع في ذاكرة الكرد لكثرة الحروب والويلات التي ذاقتها شنكال على مر العصور، فقد تكرر تدمير وحرق شنكال عدة مرات وعلى فترات، حيث أحرقت أول مرة على يد الفرس في عهد شابور سنة 260م وعهد هرمز الثاني سنة 302 ـ 309 م، وأكثر الحروب دموية كانت بين الفرس والروم على أرض شنكال سنة 348 حيث هزم الروم وارتكب شابور الثاني مجزرة مروعة بحق شعبها ليقتل معظمهم ويأسر بعضهم إلى فارس، ومن ثم أحرقت ونهبت في عهد الغزو الخوارزمي سنة 628هـ ، تلته هجمات المغول في سنة 633هـ على كردستان والمنطقة لتحرق وتقتل وتشرد أهلها عدة مرات، ثم تكررت في العهد العثماني وبعدها في عهد ديكتاتورية صدام، وكانت آخر الهجمات وتدمير المدينة وحرقها على يد مرتزقة داعش في 3/8/2014م التي شردت وقتلت الآلاف وأحرقت معظم المدينة ودمرت معالمها التاريخية.
في العهد العثماني
يعتبر عهد السلاطين العثمانية من أكثر الفترات الدموية التي مر بها المجتمع الكردي ولا سيما شنكال والإيزيديين، تلك المنطقة التي كانت عصية على سلاطينها والرافضة للتبعية، والأمر الأهم أنه في الفترة العثمانية حارب سلاطينهم الكرد بحجة الدين وكانوا يهدفون إلى تغيير دين الإيزيديين بالقوة ونشر الإسلام بينهم، لذلك ارتكبوا أبشع المجازر في مناطق مثل ولات شيخ و خالتا و شنكال الإيزيدية.
ويؤكد المؤرخون الكرد والإيزيديون منهم على الخصوص، على أن معظم المجازر والإبادات الجماعية التي طالت المجتمع الإيزيدي والسرياني والأرمني في كردستان عموماً كانت في الفترة العثمانية، كما أن معظمها موثقة بالأغاني والملاحم الشعبية التاريخية لمنطقة شنكال.
ما تتميز به شنكال
لكثرة أحداثها التاريخية وما حملته من عواصف حزن أو فرح فإن شنكال وجبالها تتميز بأن كل نقطة منها تحمل اسماً وقصة، فلا يوجد مكان منسيّ أو غير مؤرخ دون قصة.
حتى أنك إذا مررت على سفح الجبل فسوف تلاقي عدة أشجار كبيرة على جانبي الطريق في منطقة سردشتى تعرف بأشجار «القوالا» المقدسة وهم طبقة دينية ممن يطوفون القرى الإيزيدية قادمين من لالش (مركز العبادة الإيزيدية في قضاء شيخان بمحافظة دهوك) ليحلوا المشاكل الاجتماعية ويتلون على مجتمعهم العظات الدينية وتعاليمها حاملين بعض الأمور المقدسة كتقليد، حيث كانت تلك الأشجار مكاناً ليجتمع الشعب حولهم ويتلقوا تعاليم لالش النوراني بخصوص دينهم، بالإضافة إلى أنها تحضن في طيات تاريخها أسطورة سفينة نوح التي حاولت أن ترسوَ عليها قبل أن تحط على جبل الجودي وذكرت في الكتب السماوية، فإنها تحتضن أيضاً أعظم ملحمة في تاريخ الأدب الكردي عن العشق ومآثر الشعب الكردي وهي ملحمة درويشى عفدي وعدولة، كما تتميز بجوها النقي والصافي وإطلالتها الخلابة والنادرة على المنطقة الفراتية وسهول جزيرة بوطان، إلى جانب اشتهارها بزراعة التين والكروم الشنكالية المميزة والتبغ، ناهيك عن عشرات المزارات والقبب اللالشية التاريخية المتناثرة على كامل الجبل والقرى المحيطة بها.
التغيير الديمغرافي في شنكال وتعريبها عبر التاريخ
مثلها مثل المناطق الكردستانية في الأجزاء الأربعة فإنها عانت من التعريب والتغيير الديمغرافي بقوة منذ قرنين وإلى وقتنا هذا، فقد بدأت عمليات التغيير الديمغرافي مع سيطرة العثمانيين على شنكال سنة 1516م، حيث نالت شنكال القسط الأكبر من استبدادهم كون العثمانيين حاربوهم بالدين بقوة من أجل أسلمتهم، لتقوم بعدها سنة 1879م بتقطيع أوصالها من جزيرة بوطان وتتبعها إلى ولاية الموصل.
نهايات القرن الـ 19 وبدايات القرن العشرين بدأت هجرات لبعض العشائر في شبه الجزيرة العربية وبالأخص من نجد والحجاز لتستقر في الربيعة ومحيط جبل شنكال، التي كانت قد أُفرغت بسبب الحصار والهجمات العثمانية وانسحاب أهلها إلى الجبل.
بعد انتهاء الصراع بين الإنكليز والفرنسيين على منطقة شنكال سنة 1921م وإتباع الأخيرة للعراق، الواقعة تحت سيطرة الانتداب البريطاني وتأسيس الدولة العراقية القومية 1932م أُتبع 90% من منطقة شنكال لولاية الموصل وبقي جزء بسيط منه في روج آفا.
بعدها بدأت عملية «بتر» جسد شنكال وتوزيع قراها وأراضيها الزراعية على المناطق العربية الشبه صحراوية مثل قضاء البعاج والقيروان وتل أعفر وإسكان العرب في المناطق التي هُجر منها الكرد الإيزيديون نحو الجبل. لكن التعريب الكبير كان في عهد صدام في سبعينيات القرن الماضي حين قاموا بتوطين العرب بالقوة داخل مدينة شنكال وإفراغ الجبل وحرق أكثر من 150 قريةً وتدميرها وجمع أهلها في تجمُّعات سكنية صناعية شمال وجنوب الجبل وتغيير الأسماء في كل منطقة.
بعد سقوط دكتاتورية صدام حسين في العراق وبروز الدور الكردي في المنطقة كبداية لحل قضيته، حررت كامل المناطق الكردية ومن بينها شنكال ودخلتها قوات البيشمركه سنة 2003م، لتصبح بعدها من بين المناطق الكردية المتنازع عليها بين حكومتي باشور كردستان وبغداد المركزية. وبسبب سياسات السلطة وما تبعها من تهميش وسلب لإرادة المجتمع أُعيد سيناريو الإبادة على شنكال وأهلها مرة أخرى لتنتهي بأكبر عملية إبادة جماعية في تاريخ الإنسانية بالعصر الحديث بتاريخ 3/8/ 2014م.
أكبر مجزرتين في ظل حكومة بغداد وباشور كردستان
كان أهالي قضاء شنكال يأملون خيراً بعد التسويات التي جرت بين الحكومتين في العراق وظنوا أنَّهم بعد توزيع المهام العسكرية والأمنية بين البيشمركه والشرطة الاتحادية العراقية سوف يعيشون بمأمن من الهجمات المتكررة عليهم وانتهاء عهد التعريب والتغيير الديمغرافي والصهر الثقافي والاجتماعي والقتل بسبب الدين الذي عاناه الإيزيديون سابقاً على يد الحكومات المتتالية على العراق.
إلا أنه لم يدم الاستقرار طويلاً حتى ارتكب إرهابيون محليون مجزرةً مروعة في بلدتي سيبا شيخ وتل عزير بقضاء شنكال سنة 2007م بتفجير صهاريج مفخخة وسط تجمعات الأهالي راح ضحيتها المئات من القتلى والجرحى وتدمير معظم البلدة إثر التفجيرات الهائلة، وكان حينها الإيزيديون وبعض الجهات الكردية قد أشاروا
إلى أنَّ المجزرة حصلت بتواطؤ من المسؤولين في الحكومة العراقية وحزب البارزاني في شنكال من أجل انتزاعها كلياً والسيطرة على كامل مواردها.
لماذا شنكال وكيف
مُهِدَ لمخطط المجزرة..؟
لم تكن مرحلة ظهور داعش وتوسعه وهجماته على المناطق الكردية محض صدفة يسعى فيه هذا التنظيم الجديد لإنشاء دولة خلافة مثلما كان يروج لها الآخرين، بل كانت مرتبطة بسلسلة المحاولات التي تهدف إليها الدولة التركية وحلفاؤها في المنطقة منذ 2003م من أجل مشروعهم في إبادة الكرد وبناء العثمانية الجديدة على جماجم شعوب المنطقة الأصليين والسيطرة على خط كركوك وموصل وحلب كبداية للتوسع.
فكانت سنوات 2013-2014م حاملة لأكثر وأشد الهجمات على الشعب الكردي في روج آفا من قبل مرتزقة جبهة النصرة وداعش وأحرار الشام المدعومة بشكل مباشر من قبل الدولة التركية وحلفائها ومنظمات الأخوان المسلمين، والتي امتدت من أقصى حدود عفرين في ريف حلب الشمالي إلى بلدة تل كوجر في أقصى الزاوية الشرقية الشمالية لإقليم الجزيرة، ناهيك عن الحصار المحكم من الأطراف كافة حتى الكردية المناصرة لسياسات أردوغان في إقليم جنوبي كردستان.
وبتوسع انتصارات الكرد، ضمن مضمار ربيع الشعوب المعلن في المنطقة عامة بالتزامن مع انكسارات الدولة التركية في سياساتها المعادية للكرد في سوريا، اتسع معها نطاق هجمات الإرهابيين والمرتزقة، التي تدعمها تركيا، على معظم المناطق الكردية، وكانت شنكال بالنسبة لهم نقطة ضعف كبيرة يمكن بها إرضاء الأطراف المسيطرة عليها وتجميدهم، بالإضافة إلى أن شنكال ستكون بالنسبة لهم الضربة القاضية على الشعب الكردي ينهي فيها ثقافتهم وتاريخهم ويضعهم في حصار خانق أبدي ليقتلهم بها شيئاً فشيئاً، بحكم استراتيجيتها الجغرافية التي تعتبر كدرع عظيم يحمي معظم الحدود في جزئي كردستان الغربي والجنوبي.
حينها عقد اجتماع سري في العاصمة الأردنية عمان في حزيران 2014م حضره ممثلون عن الأتراك وحزب البارزاني وإسرائيل والسعودية وأمريكا، وكانت مسألة التخطيط لسقوط الموصل بيد الإرهابيين قد ذكر فيها، فسيطر داعش بعدها بأسبوع على الموصل وبدأ بالتوسع في المنطقة، بعدها عقد عدة اجتماعات متتالية بين حزب الديمقراطي الكردستاني والحكومة التركية واستخباراتها في باشور لتنسحب بعدها قوات البيشمركه، والذي قدر عددها بـ 18 ألف، من قضاء شنكال بالكامل وتترك مصير أهلها بيد داعش.
إلى جانب ذلك فقد كان امتداد ثورة حركة التحرر الكردستانية في شنكال يهدد تركيا والكتل المحافظة من العرب والكرد في العراق بخاصة آل النجيفي وحزب البارزاني، حيث كانت حركة الحرية والديمقراطية الإيزيدية TEV-DA تعمل وبشكل سري في تنظيم الشعب ذاتياً بعد تفجيرات 2007م بسبب فقدان الشعب الإيزيدي الثقة بالحكومتين، وكانت الحركة تعمل دون الإعلان عن نفسها في البداية وتعاني من عمليات اعتقال ممنهجة وحظر مُشدَّد من حكومة باشور بهدف كبح حركتها داخل المجتمع الإيزيدي وما تحمله من مشروع شعبي يكفل حمايتهم ذاتياً.
يوم 3/آب/2014م المشؤوم زاد عدد الفرمانات إلى 74
بعد سقوط الموصل بيد داعش قام مرتزقتها بالهجوم على بعض القرى الشرقية والجنوبية لجبل شنكال وصولاً إلى بلدة ربيعة المحاذية للحدود مع روج آفا، بهدف محاصرتها كلياً قبل الهجوم، إلا أنها لم تفلح كثيراً لأن وحدات حماية الشعب أمنت حدودها ودخلت بلدة ربيعة بالإضافة إلى تحريرها لبلدة جزعة المحاذية للحدود مع شنكال لتحميها من الخلف، فقامت المرتزقة في ليلة الثالث من شهر آب عام 2014 بهجوم واسع على شنكال، بعد حشد عناصره وانسحاب 18 ألف مقاتل من عناصر البيشمركه والجيش العراقي من القضاء مع سلاحهم الثقيل والخفيف.
حاولت مجموعات متطوعة من الأهالي التصدي بأسلحتهم الخفيفة لهجمات داعش في القرى المحاذية لخطوط داعش مثل كرزرك وسيبا شيخ إلا أن عدم التكافؤ في العدد و السلاح حال دون نتيجة واستشهد على إثرها العشرات من الرجال والشباب ولاذ المدنيون في منتصف تلك الليلة نحو الجبل هرباً من بطش داعش.
وصل البعض إلى الجبل بعد مغامرة الموت سيراً على الأقدام، ومات آخرون في الطريق تعباً أو عطشاً أو جوعاً، و خطف وقتل من بقي في قريته، وسُبي آلاف النساء مع أطفالهن وهن يحاولن الفرار من داعش، ليفقد أكثر من 2000 حياتهم بحسب بعض المعلومات شبه المؤكدة من جهات حقوقية.
وأفادت التقارير الصادرة من مديرية الشؤون الإيزيدية: إنه تم العثور حتى الآن على 43 مقبرةً جماعية في قضاء شنكال، وأن عدد المختطفين يصل إلى أكثر من 6417 بين رجال ونساء وأطفال، مازال مصير معظمهم مجهولاً، بالرغم من تحرير وإنقاذ المئات منهم من قبل وحدات حماية الشعب والمرأة في معاركها ضد داعش في الرقة ومنبج ودير الزور.
هذا وتعتبر مجزرة شنكال، التي تعرف لدى المجتمع الإيزيدي بالفرمان الـ 74، من أكبر المجازر في القرن الحادي والعشرين وأكثرها وحشية بحق الإنسانية والأقليات الدينية، حيث قام المرتزقة بقتل الإيزيديين بطرق وأساليب بشعة وبشكل جماعي، وقاموا باغتصاب الأطفال والنساء وبيعهم في أسواق النخاسة إلى جانب استغلال الأسرى كعبيد لحفر الأنفاق وبذل الأعمال الشاقة أو كدروع بشرية للسيطرة على المناطق أو الحماية من الطيران والهجمات على نقاطهم.