سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

سياسات التضييق المائيّ التركيّة

محمد داوود داوود –
دجلة: ينبع نهر دجلة من تركيا وتغذيه في العراق روافد رئيسة جميعها في الأراضي العراقيّة وطوله من منبعه حتى مصبه في شط العرب 1900 كم منها 485 كم في الأراضي التركيّة و1400 كم تقريباً في الأراضي العراقيّة ويصل صبيبه السنويّ إلى 42 مليار م3 ويشكل حدوداً طبيعيّة بين سوريا وتركيا لمسافة 37 كم وبين سوريا والعراق لمسافة 7 كم وقد أقامت تركيا على نهر دجلة ثلاثة سدود صغيرة، ثم يعبر النهر الأراضي السوريّة مسافة 45 كم وتأتي صعوبة الاستفادة من هذا القسم من النهر بسبب العوامل الطبوغرافيّة فقد أقامت سوريا مشروعاً للري من دجلة يتألف من محطتين للضخّ وقنوات للري وسداً يختزن 718مليون م3 كما أقام العراق على دجلة سد الموصل للري وإنتاج الطاقة الكهربائيّة وإضافة إلى سدٍّ آخر في سامراء وسد ثالث في الكوت قبل أن يصب في شط العرب.
ثالثاً: المشروعات المائيّة التركيّة
يقدّم نهر دجلة والفرات نموذجاً حياً لكل المخاطر التي يمكن أن تتعرض لها دول الممر والمصب (سوريا والعراق) من جرّاء سياسات وبرامج دولة المنبع (تركيا)
ولقد ولدت هذه السياسات والبرامج التركيّة مشكلة جد حادة بدأت في العام 1962م وهي مرشحة لزيادة التأزُّم والتعقيد وتتمثل تلك المشكلة في مشروع جنوب شرق الأناضول «الغاب» الذي تقيمه تركيا على منابع ومجاري نهري دجلة والفرات وقد كانت تركيا تستغل قبل المشروع الجديد 10% من مياه الفرات فارتفعت هذه الكمية بعد إنشاء مشروع «غاب» إلى 53% من أصل صبيب الفرات السنويّ البالغ 31,4مليار م3 وستزداد هذه النسبة بتوسّع المشاريع وزيادة عددها وفي حين تنقص هذه النسبة أكثر في العراق لتصبح 80% ويعني هذا أن تركيا تستهلك من مياه الفرات نسبة جد كبيرة ما من شأنه أن يلحق الضرر المباشر بالجارتين سوريا والعراق وجوهر المشكلة أن تركيا تنوي تعزيز سيادتها على مياه النهرين على الرغم من أنّها يفترض أن تتشارك الثروة المائيّة مع سوريا والعراق أما مواصلة سياسة الاستثمار بالانفراد الكليّ أي ممارسة السيادة المطلقة كما عبّر عنها رئيس الوزراء التركيّ بقوله: «إذا كان هذا المورد الطبيعيّ (أي المياه) في بلادنا فلنا كلّ الحق في استعماله بالطريقة التي نراها مناسبة… ليس لسوريا أو العراق أيّ حق بالمياه التي تنبع من تركيا». وباسم مبدأ السيادة المطلقة أي سيادة دول المنبع على مجاريها المائيّة ونزع التوصيف صفة « الدولية» عن الأنهار المشتركة قطعت تركيا مياه نهر قويق وهو نهر ينبع من تركيا ويمرّ بمدينة حلب وكان يروي سهلها في الخمسينات وتبني تركيا الآن على مجرى نهر الساجور الذي يجتاز الحدود مع سوريا ليصبَّ في نهر الفرات سداً كبيراً ومن المنتظر أن يلقى الساجور مصير قويق ويهدف مشروع «غاب» التركيّ إلى ري 1,7 مليون هكتار وتوليد 26 مليار كيلو واط/ ساعة من الكهرباء سنويّاً ويتضمن بناء 22سداً و19 محطة توليد كهرباء على منابع دجلة والفرات وفروعها وبلغت تكاليفه حين انتهائه عام 2005 حوالي 34 مليار دولار وكلُّ هذا يعني بالنسبة إلى سوريا والعراق أنّ صبيب الفرات قد انخفض من 28 مليار م3 إلى 13مليار م3 أي إلى نقصان كمية 15 مليار م3 أي إلى انخفاضاً إجماليّاً إلى نسبة 46% (40% لسوريا و80% للعراق) وبالرغم من ذلك صرّح الرئيس التركيّ سليمان ديميريل أثناء زيارته للولايات المتحدة 29/3/1996 بأنّ سوريا تحصل على كميات من مياه الفرات تفوق احتياجاتها بعشرة أضعاف.
وعلى هذا النحو تضرّرت الحقوق والمصالح السوريّة والعراقيّة من إقامة السدود التركيّة على مجرى الفرات وظهرت أولى هذه الأضرار بانخفاض الصبيب من 500 م3/ثانية إلى 120م3/ثانية لمدة شهر في مطلع العام 1990م من أجل رفع منسوب المياه خلف سد أتاتورك وفي سوريا توقفت سبع وحدات من أصل ثماني وحدات في محطة الكهرباء سد الطبقة وتضرّرت مساحات واسعة المزروعات الشتويّة وفي العراق كانت الأضرار أشد وقعاً على المزارعين في حوض الفرات وعلى محطة الكهرباء سد القادسية وفي منتصف عام 1997م انخفض تدفق الفرات من 29-30 مليار م3 سنويّاً إلى 13-15مليار م3
في إثر ملاحظة سوريا والعراق ظهور تلوث في مياه دجلة والفرات عقدت اللجنة السوريّة- العراقيّة للمياه اجتماعاً 15/12/1996م في دمشق وتمّ الاتفاق على القيام بتحرك عربيّ ودوليّ للضغط على تركيا بغية التوصل إلى قسمة عادلة ومقبولة لمياه الفرات بين الدول الثلاث وبالرغم من وجود لجنة ثلاثيّة فنيّة من الدول الثلاث بغرض اقتسام عادل لمياه دجلة والفرات لم يتحقق الغرض المطلوب إذ لم تستجب تركيا للطلب السوريّ- العراقيّ بزيادة معدل الصبيب 500 م3/ثانية لنهر الفرات ولم تأخذ بوجهة نظرها القائلة أنّ مشروع غاب عرض مشروعات الري وتوليد الطاقة في سوريا والعراق للضرر والخطر وفي هذا السياق تسعى سوريا والعراق إلى حلّ مسألة اقتسام المياه من خلال الاتفاق على أسس ومعايير تستطيع اللجنة الثلاثيّة على أساسها تحقيق هدفها وهو التوصل إلى قسمة عادلة لمياه النهرين تصاغ من اتفاقية ثلاثيّة وتكون بديلاً للبروتوكول السوريّ- التركيّ 1987م وللاتفاقية السوريّة العراقيّة 1990م وهذا ما عبّر عنه مجلس جامعة الدول العربيّة بقراره الصادر بتاريخ 21/3/1996م ثم بقراراته في دوراته التالية حين دعا الدول الثلاث إلى التفاوض فيما بينها بغية التوصل إلى اتفاق نهائيّ لقسمة عادلة تضمن حقوق سائر الأطراف وفقاً لأحكام وقواعد القانون الدوليّ المنظمة للمياه الدوليّة وتساعد على توطيد علاقات حسن الجوار مع تركيا.
ترى تركيا أنّ نهري دجلة والفرات يشكّلان ثروة وطنيّة خاضعة لسيادة الدولة التركيّة ويعني هذا من جهة نظر تركيا أنّ هذين النهرين ليسا نهرين دوليين وأنّ مياههما مياه عابرة للحدود فلا تنطبق عليهما أحكام القوانين الدوليّة القيود التي تفرضها هذه الأحكام كما أنّ تركيا تحاول التقليل من شأن آثار السلبيّة والأضرار التي سيلحقها مشروع غاب بكل من سوريا والعراق، لا بل أنّه ادّعى إمكانيّة استفادة الأخيرين من هذا المشروع الذي لا تقصد منه تركيا أيّ أهداف سياسيّة وفي هذا الصدد تحدث الرئيس التركيّ الراحل تورغوت أوزال في 18/1/1990م وساق جملة من التبريرات لإقامة المشاريع متجاهلاً الأضرار الناجمة عنه فقال: «إنّ الشائعات المتواترة بشأن إمكانية نشوب صراع بين تركيا وجيرانها بسبب المياه تعبّر عن رؤية خاطئة ومضلّلة ولا يمكن قبول الزعم القائل: إنّ سدَّ أتاتورك سيكون له تأثيرات سلبيّة على سوريا والعراق لأنّه على عكس ذلك سيكون مصدرَ رخاءٍ وازدهارٍ لكلّ من البلدين وتركيا لا ترغب بالتنمية الاقتصاديّة ولماذا لا يتم التعامل مع سد أتاتورك كمشروع يوفر الحماية لملايين السكان في الدول الثلاث من مخاطر الفيضانات كما فعلت السدود التركيّة الأخرى في الماضي.
كما عبر الرئيس التركي سليمان ديميريل عن قلق سوريا والعراق من جراء الاضرار التي ستلحق بهما بسبب المشروع التركيّ فقال في 12/12/1997م: «إنّ تركيا تواصل العمل في مشروع غاب الذي يعمل على الاستغلال الأمثل للثروة المائيّة وإعادة بناء مناطق جنوب شرق تركيا وسيغطي خلال عشر سنوات تكاليفه المقدرة بـ36مليار دولار بالرغم من أنّ هذا المشروع يثير استياء وقلق الحكومتين السوريّة والعراقيّة». وكان ديميريل شدّد في 15/9/1997م على «عدم قبول تركيا إصرار سوريا والعراق على تقسيم مياه الفرات ودجلة إلى ثلاث حصص متساوية وتمسّكها بخطة ثلاثيّة المراحل اقترحتها تركيا من قبل وقال أيضاً : «إنّ تركيا تولي اهتماماً بالغاً لمسألة تجنب أن تؤدي مشروعاتها التنمويّة إلى الإضرار بهذين البلدين وتسمح بمرور كميات كافية من المياه إليهما وليس في نيتها أن تُوقِف المياه عن البلدين اللذين نذهب إليهما حالياً مياه كثيرة من النهرين ولن تكون هناك شكوى من جانب أيّ منها من مسألة المياه في غضون 20-25سنة».