سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

سوق السبت الشعبي؛ قيمة شعبيّة وتجاريّة

تقرير/ آزاد كردي-

روناهي/ منبج – سوق شعبي، يقصده التجار والباعة والمتسوقون لما فيه من تنوّع وأسعار تناسب فقير الحال والميسور على حدٍّ سواء؛ إنّه سوق “السبت الشعبي”.
تزامنت نشأة سوق السبت قديماً بالتوازي تاريخياً واجتماعياً مع الظروف الأولى لنشأة السوق الرئيس أو المسقوف حسب العُرف الشعبي الذي بُني منذ 120 عاماً، ونشأت في البدايات الأولى عدة خانات عثمانية قديمة منها في مدينة منبج: “خان حج حميد بيطار وخان العكاشين”. وتهتم عادةً الخانات ببيع الخيل والجمال والبغال والحبال والأواني والمحاصيل الزراعية ومشتقات الحليب والتين وصناعة اللباد وعربات الجر الخشبية والدواليب والبسط والأدوات الزراعية البدائية المستخدمة بالزراعة والفلكلور الشعبي لزي المرأة من صاية وعباية وهباري والثوب المطرز والمكشكش، أما بالنسبة للرجل فكانت تعرض الجمدانة والبريم، فضلاً إلى وجود تنور للخبز لصاحبه “كالو” حيث كان يستقبل الدقيق من الناس لصناعة الخبز لهم.
 الإرث التاريخي للسوق
وشهدت البدايات الأولى لنشأة السوق إقامته الأولى يوم الجمعة حيث دامت لسنوات طوال غير أن توسع السوق المسقوف بجواره حدا بسوق الجمعة الآخذ بالامتداد والاتساع الأمر الذي تبدو آثاره واضحة في افتتاح محال للأقمشة والذهب وللصياغة أيضاً، ومع ظهور الكهرباء شمل أيضاً قطعاً للأدوات الكهربائية، وهكذا اتسعت الأحياء المجاورة للسوق التي تعد من أقدم أحياء المدينة كحي التبة وحي عينتاب والحمام والجامع الكبير الذي يميز الأخيرين الطراز الحميدي الذي بناهما كلاهما السلطان عبد الحميد، وفيما بعد  تفرعت وانتشرت الأسواق إلى عدة شوارع في المنطقة ذاتها، فنشأت عبّارة الخياطين والأحذية والسلالين ومواد البناء، ونتيجة ازدياد النهضة العمرانية والاستقرار الذي حل في منبج أن تمددت في كل الاتجاهات وأصبح في كل حي من أحيائها يحتوي على سوق تجاري؛ كحي السرب.
ويصف “الكاتب أحمد وصفي زكريا” في كتابه “رحلة أثرية”، أن سوق السبت ينعقد كل أسبوع في الطرف الغربي بالقرب من الملعب البلدي الذي كان يسمى آنذاك “الكولة” إلى جانب بقايا المعبد الأثري أتار غيتس الذي أقيمت على أنقاضه الحديقة العامة”. وازدهر السوق الشعبي لشراء السلع بعد أن ارتاده الكثيرون من سكان الريف خاصة أنه يخصص جانباً منه لتبادل المواشي، وانتقل السوق بعد حقبة السبعينات إلى الطرف الشمالي يبدأ من دوار الكرة الأرضية باتجاه منطقة الصناعة وغربي سوق الهال في أرض تابعة لبلدية الشعب في مدينة منبج وريفها وتباع بالسوق جميع أصناف السلع التجارية والتراثية للألبسة والطيور والأدوات المنزلية والصناعية والخردوات.
 غنىً وتنوّع
وبهذا الصدد، أجرت صحيفتنا “روناهي”؛ استطلاعاً للرأي مع عدد من المواطنين والباعة حول سبب ارتيادهم لسوق السبت الشعبي في مدينة منبج، وقال المواطن عبد الباسط شيخو: “منذ فترة طويلة أقصد سوق السبت لشراء الملابس “البالة” صيفاً وشتاءً حيث تباع قطع ألبسة البالة أرخص بكثير من محلات الألبسة الجديدة التي تشهد ارتفاعاً ملحوظاً مع ارتفاع الدولار ولا أطيق تحمل تكاليفها تزامناً مع عدد أسرتي البالغة سبعة أفراد”.
وأضاف شيخو: “إن دخلي المادي لا يكفي لشراء ألبسة جديدة من أصحاب المتاجر التي في المدينة الذين يبيعون القطعة الواحدة بثلاثة أضعافها بحجة تغطية نفقات المحل وإيجاره، إلى جانب تدهور قيمة الليرة السورية”.
وبدوره قال أحمد الحمادي وهو صاحب بسطة لبيع العطورات في سوق السبت الشعبي: “أقوم بتخفيض أسعار بضائعي لأننا لا ندفع إيجاراً لهذه الأرض التي نعرض فيها البضاعة، فهي تابعة لبلدية الشعب بمنبج التي لا تطلب منا أي إيجار الآن، ويرتاد المواطنون السوق لشراء احتياجاتهم من هنا نظراً لرخص ثمنها مقارنةً بغيرها بفارق سعر يصل إلى نحو 500 ليرة سورية للقطعة الواحدة أحياناً، وهو ما يجذب السكان إليها ولا سيما أصحاب الدخل المحدود”.
وأشار صاحب بسطة لبيع العطورات أحمد الحمادي: “تتوفر في سوق السبت كافة البضائع بكل أنواعها من موادٍ غذائية وألبسة ومستحضرات تجميل وتوابل وأحذية وغيرها من مستلزمات السكان، وقد زاد من نسبة الإقبال إليه؛ التنوع والجودة وفرادته أيضاً على خلاف ما هو عليه في السوق الرئيسي”.
 الجدوى الاقتصادية
لا شك أن النهضة العمرانية والتجمع السكاني أسهما إلى حد كبير في نشوء تضخم سكاني كبير وأديا إلى نشوء السوق الشعبي. ويُقبِل سكان الريف إليه من أسبوع إلى آخر يليه ما جعله إرثاً متوارثاً للسكان من الأجداد إلى الأحفاد، ويعتبر سوق السبت تقليداً شعبياً سائداً فرض وجوده عدة عقود لاتساع المساحات البعيدة بين مركز منبج والأرياف؛ طلباً لتلبية احتياجاتهم المعيشية بما يتسم به من تنوع ورخص في أثمان المقتنيات التي تتناسب مع ذوي الدخل المحدود واتساع مساحات واسعة لعرضها، وأيضاً الأثرياء الذين يُقبِلون على شراء النحاسيات والشرقيات والصمديات والسجاد القديم والتحف القديمة بخلاف السوق الرئيس في وسط منبج.
وباتت تتهيأ لهذه الأسواق المقومات الحقيقية لنجاحها ابتداءً من البنية التحتية؛ كالمكان الثابت والمتسع وتوافد سيارات النقل الخاصة أو العامة ما أفسح المجال لزيادة النشاط الاقتصادي وتبادل السلع بين الريف والمدينة معاً، النقطة الأهم أن الاتساع الكبير الذي شهده سوق السبت طيلة سنوات هيأ لانفصال بعض البضائع والمقتنيات التي كانت تباع بالسوق يوماً ما إلى أسواق منفصلة بحد ذاتها كسوق المواشي الذي يُعقد كل أسبوع في يومي السبت والثلاثاء وسوق للدارجات النارية الذي يُعقد كل يوم ثلاثاء من كل أسبوع في منبج.