سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

سوزان حسين: “المرأة في منبج تاريخ عريق، وحاضر مشرق بالديمقراطية”

روناهي / منبج- كيف مارس الرجل سلطته الذكورية؟ وما هي الطرائق الي سلكها في هذا الأمر؟ وما هو رد المرأة حيال هذا الموضوع؟ وماذا قدمت المرأة للعالم من إسهامات فكرية؟ عن تلك الأسئلة؛ كان لصحيفتنا لقاء مع الرئاسة المشتركة للمجلس التشريعي في مدينة منبج وريفها، سوزان حسين.
في منبج كانت نظرة المجتمع إلى المرأة دونية؛ وكان هناك تهميش شديد بحقها، من قبل السطلة الذكورية التي تحاول فرض سيطرتها على المرأة بسلطوية تامة، لكن مع اشتعال ثورة روج آفا والشمال السوري وانطلاقها، استطاعت المرأة أن تخرج نفسها من هذا القمقم العبودي. حول كل ذلك وللتعرف على واقع المرأة في منبج وريفها؛ التقت صحيفتنا مع الرئاسة المشتركة للمجلس التشريعي في مدينة منبج وريفها سوزان حسين، وكان الحوار على الشكل التالي:
ـ ما الذي همّش المرأة فكرياً خلال مسيرتها التاريخية، وقادها إلى بون بعيد من التطور الفكري؟
لا شك أنّ الحديث عن قولبة المرأة فكرياً على هذا النحو؛ يعيدنا إلى المربع الأول الذي انطلقت منه تلك القضايا المعقدة في الشرق الأوسط. وبالتالي أظهرت الوقائع؛ تحييد المرأة عن مسار الطبيعي؛ القائم على الحياة والخلق والإبداع. إن تصنيف الذهنية السلطوية عند شرائح من الرجال؛ كحركة ثورية قمعية تحت ذرائع عدة باسم العشق والزواج. نجم عنه استهداف الكم الهائل من طاقات المرأة وثرواتها الكامنة. في محاولة من الرجل لرصد السلوك المادي عبر القيم الإنتاجية الممنوحة له من قبل الأعراف الاجتماعية لاستعبادها جسدياً وفكرياً. وإنما سلك الرجل ذلك السبيل لكي يبرر لنفسه الغاية المقصودة من ظاهرة الزواج التي يُراد لها أن تكون محورية ورئيسية عند فكر المرأة؛ كشكل صوري للزواج أصلاً. بحيث يغدو حاجة أساسية ومطلباً مهماً عند المرأة؛ كي تستطيع الاستمرارية في العيش ولولا ذلك، يستحيل التفكير بوجود حياة سليمة لها عند التعمق بذلك، الأمر الذي سهل على الرجل الالتفات إلى المادة؛ كعنصر محرك للوسائل الاقتصادية والاجتماعية، فضلاً من كونه نصّب نفسه وصي الأمر عليها وعلى شؤونها كاملةً. بينما اقتصر تفاعل المرأة في هذا الحقل؛ كهاجس رئيسي. وربما ذلك الهاجس لو تأخر قليلاً، فأن اعتقادها أن قطار القفص الذهبي سيغلق عليها للأبد.
واللافت في الأمر أن الرجل في معترك حاكميته، برّر كثيراً من القضايا لنفسه من أن الموجودات المادية على اختلافها؛ استثمرت من قبله على نحو أناني محض. مستغلاً فيما يبدو الضغط السيوسيولوجي الذي فرضه المجتمع على تفكير المرأة. وأوجد شيئاً من الإقرار التعسفي؛ بأن المرأة في ظل ضعفها وعدم قدرتها على مواكبة متطلبات الحياة المتزايدة كما يجب، فتبقى عالة على المجتمع، كونها تعيش في فترة طفولتها بكنف الأبوة، ومن ثم تعيش في كفالة الزوج. وبالمحصلة هي تعيش بين المطرقة والسنديان.
وإن فرض الاحتمال الأكبر الخروج من الثقب القيمي المادي للإنتاجية، فأن ذلك يقتضي امتثالها لعبودية المال والرجل من مسألة الإنفاق على حدٍ سواء ببعدها الاستبدادي الشديد. وهذه الذرائع تم اختلاقها بالكيفية الذكورية لاعتبارات مغالط فيها تماماً. من هذا السياق العام تم تجريم الكثير من النساء اللواتي طالبن بحقهن بالحياة والوجود، واعتبارهن مارقات ولكن أغلب محاولات العلماء والفلاسفة؛ لإيجاد توازن فكري قياسي؛ ينسجم مع التاريخ المثالي لعظمة تاريخ المرأة، باءت بالفشل، لأن جميع البحوث والدراسات جاءت بحجم القشور بالمجمل.
فإذا تناولنا مسألة اللباس الأنثوي “الفانشيستا والكاجوال”، وارتباطها بالمنظور المادي في دراسة إحصائية كمية، فأن معيار الاختيار والتناسب؛ محوره ذلك اللباس فحسب. بينما يتناسى هؤلاء عظمة الفكر النسوي. وهذا اللغط الساذج؛ إنما ولد من رحم الحداثة الرأسمالية التي جملتها ظاهرياً فقط. ولم تفتش عن جوانب المرأة الفكرية، وتخليصها من العبودية المادية، بل كبّلتها أكثر. نحن كما أسلفنا أن التموضع الأبوي والأسري؛ أتاح لهذه الظاهرة أن تتغلغل في السياق العام؛ لحياة المرأة بالاتجاه العكسي بدلاً من إفساح المجال لبلورتها بالشكل الصحيح من قبلهما. وإنما ساهم ذلك بزيادة الخلل الفكري الذي أوجد القضايا ذات الجدل العقيم؛ مع كافة شرائح المجتمع دون البحث، والوصول لنتائج إيجابية؛ تعمل على الانتهاء من تلك الظاهرة السلبية.
ـ كيف تمكن الرجل من فرض سلطته على المرأة، وكيف تناول قضية المرأة؟
لابد من محاسبة نظام الدولتية إذ شرّع منذ بداية نشأته؛ الأنظمة والقوانين الاجتماعية الوضعية؛ القائمة على قاعدة اللاأخلاقية؛ مستفيداً من تمكن الرجل بنفس الاتجاه من رصد كامل قواه لتفكيك المجتمع الأمومي. مما مكنه فيما بعد من تثبيت الأمور؛ لصالحه تحت زعامة القائد الديني، والقائد العسكري. اللذين لعبا ومثّلا ظاهرة السلطوية؛ بأقذع صورها، فتمكّنا من قتلها فكرياً، كما أتاح ذلك النظر للموضوع من خلال سياقه العام بأنه ذو المظهر العبودي الأول المشرع آنذاك. فانفجر من ذلك النمط الشكلاني؛ أعقد القضايا عبودية للمرأة، مع بون واسع مقارنةً مع المجتمعات الأخرى، وإن وجدت فيها العبودية، فهي ليست بذات الأطر نفسها، وإنما مع فارق كبير في العدالة الأسرية التي استطاعت المرأة في تلك المجتمعات أن تتحرر من نيرها. ولابد القول إن أغلب مسائل الشرق الأوسط التي كبلته مع تواتر المجتمعات غدت تراكمية بالأصل، ومن الصعوبة اجتزاء إحدى القضايا بمعزل عن البقية؛ لأن الرجل أدخلها دفعة واحدة بقصد النيل من صمود المرأة ومقاومتها؛ فوجّه في حربه لها وابلاً من الاتهامات العبثية جزافاً سواءً أكان ذلك بعلمه أم لا. فأن الكثير من هذه القضايا المحورية تحدث عنها القائد أوجلان في كثير من كتبه القيمة، وأبرز دور مفهوم الدولة في زيادة المشاكل؛ مبرزاً لها الحلول المناسبة. وتعد أبرز المشاكل المطروحة للنقاش دائماً حسب رأي القائد آبو الهوة الشاسعة فيما يخص مبادئ العدالة والمساواة في القضايا الأسرية بين المرأة والرجل عموماً وقد تناولها في كتبه التي تتحدث عن علم الجنولوجيا.
إن عدم التطرق لتلك المسائل من قبل الباحثين والمفكرين؛ أدى بطبيعة الحال إلى عدّ المجتمع لها من قبيل الرواسب التاريخية؛ المسلم بها بالمطلق، واعتبارها حقيقة بذاتها. وما محاولة التكهن بما في طياتها من إشكاليات متعددة تبقى ناقصة بالمجمل العام. لأن قلة من الباحثين من أنصف المرأة في نتاجهم الفكري؛ كما فعل القائد أوجلان، وعليه من الضرورة بمكان؛ إيجاد الحلول المراد لها من قبل المرأة نفسها، والانتصار لإرادتها الحرة؛ بحيث تقوم هي بإفراد القضايا الصعاب، ومن ثم تقييم أخطاءها؛ بتجرد شفافيِّ، وإلا ستبقى المرأة مقيدة؛ ببؤرة الفكر الذكوري.
ـ ما الطرق التي سلكها الرجل في سبيل تطويق المرأة فكرياً؟
إن تناول فكر المرأة بمعزل عن قدراتها وطاقاتها الحيوية الخلاقة، عزل المرأة اجتماعياً، وحجّرها ضمن نطاق الجدران الأربع، وذلك تمهيداً للسيطرة على ثرواتها الباطنية الثرية، بما تملكه من خصائص ومميزات خاصة، وربما في المحصلة العامة قد لا يملك الرجل بطبيعة الحال ذات الصفات باعتبار أن الفارق يكمن في الناحية البيولوجية والإيكولوجية. لكن قراءة متأنية للتاريخ؛ يوضح السذاجة التي أوقع الرجل نفسه فيها. فمن جهة تحت مسمى العشق؛ أنتج الرجل هالة نورانية للمرأة ذات تأثير كبير. فكتب وألف ونظم بها، ومن جهة أخرى أحاطها بكثير من الممارسات الفوقية والسلطوية في مفارقة غريبة لهذا الأمر.
اندفع الرجل تحت تأثير قوى دينية واجتماعية وعشائرية؛ تأطرت بهدف واحد لإسقاط رمزية المرأة، فكان ذلك سبباً في أن تفتح له مسالك وطرائق في يسر؛ ليؤسس عليها فيما بعد مملكته الكبرى بمنأى عن الاعتبارات الشكلية. فأوهم الزوج نفسه بأنه على علاقة وطيدة مع المرأة إذ ارتضاها له، فنشأت الحياة الندية بينهما. لكن هذا لا يعني أن تلك الحياة قامت بأسس بنيوية ثابتة فما أكثر المرات التي هدمها الرجل خوفاً على نفسه من أن تصحو المرأة من سباتها، فينقلب السحر على الساحر. والسؤال المطروح هنا، هل استفاد الرجل من ذلك الحراك السلطوي العنيف خلال فترة مخاض الدولة السومرية؟ بل على العكس فمنذ وقت طويل استفاد الرجل من منجزات المرأة في ميدان الفكر، وإنما كان إرضاء لرغباته ونزواته هو، فسلبها ذلك الأمر، وعوضاً عنه، قابلها بتمرد سلطوي رهيب في منتهى البشاعة والقسوة. فزادت من تردي حال المرأة اجتماعياً، لذا لا زلنا نشاهد مظاهر التخلف، والجهل، والأمية، وزواج البكر، والتعنيف الأسري، وغيرها. فأثّر ذلك على الرجل قبل المرأة اجتماعياً.
إن الأساليب القيمية الإنتاجية، والوسائل المتبعة في ترويض الرجل لكافة الماديات من ممتلكات بما فيها الميراث، قد خضعت كما يبدو للسطوة والتحكم؛ إرضاءً فقط لأنانية الرجل، واحتكاره لسلطة المادة، وجشعه لها. موظفاً إياها لكبح ارتقاء الفكر النسوي، فصيرت فيما بعد على شكل امتيازات يتمتع بها الرجل، وإن لم تكن في بداياتها سوى شكل صوري صغير، تطور في مراحل لاحقة؛ ليغدو هذا الشكل اعتبارياً مراعياً لنسق الاستيلاء على شؤونها الخاصة، متخذاً من المرأة خصماً عنيداً له، وقد استطاع الرجل أن يجرد المرأة قبل ذلك من حرية الرأي. بينما كانت المرأة في كل مرة، تتنازل عن شيء ما من مكانتها المرموقة لصالح تسلط الذكورة.
ـ هل ساهمت المرأة في منبج بإسهامات فكرية على مستوى العالم؟
تتألف رمزية المرأة قبل تلك الحال بطبيعة قدسية، اتسمت خلال التاريخ الطويل بالحياة والخصوبة؛ باعتبارها أنها تحمل مزايا شبيهة من حيث الخلق والتكوين بالآلهة، فلم يألفها الرجل من قبل، مع أنه دائم البحث عن النصف الآخر من التفاحة التي قضمها هو منذ بادئ الأمر، كما تقول الفلسفة الوجودية.
بينما كانت المرأة حرياً بها؛ أن تناقشه بهذا الأمر، فاتخذت من الصمت حلاً معاق لم ينتج عنه سواء حالة الإنكار من قبله لتلك المفاهيم. بل ذهب أبعد من ذلك إلى إنكار موقفها من الرضاعة، فترتب على ذلك الأثر ضغينة واضحة، حكمت سلوكه بهذا الاتجاه الفيزيائي، من أن لكل شيء ردة فعل طبيعية.
مثلت المرأة في منبج الألهة أنانا كنموذج أول، إذ تم الكشف عن الكثير من اللقى الطينية في أماكن مختلفة من باشور كردستان وشمال سوريا، وخاصةً في مدينة منبج. فقد كشفت الدراسات والأبحاث عن زيارة الإسكندر المقدوني لمدينة منبج بصحبة الفيلسوف أرسطو الذي كان له عظيم الأثر في نشر شعائر المثيولوجيا، وما تحمله من قيم خلاقة للشعب الروماني، ونقلها للمشرق عبر مدينة منبج. فتم تمثيل الإله زيوس في الغرب بالإله حدد وزوجته أتار غتيس، وقد يسميها البعض عشتار في مناطق سوريا وعلى رأسها مدينة منبج، بينما تسمى في مناطق العراق بأنانا، وقد حملت خواص التكاثر والإنجاب والحياة والخصوبة. فألهمت الكثير من الشعراء في كتابة ملحمة أنكي وأنانا، والكثير من ملاحم السومريين. كما ذكرها الكاتب، الدكتور فاضل عبد الواحد علي في كتابه عشتار ومأساة تموز، إضافةً إلى كتاب لغز عشتار للكاتب الكبير فراس مشوح. فضلاً عن كتاب الديانة السورية القديمة للكاتب د. محمود الحمود. فذكروا جمالها واحتفوا بحفلة زفافها، فضلاً عن القرابين التي كانت تقدم في الرام، أي البحيرة المخصصة لهيرا بوليس في منبج، وهي حالياً بالقرب من الملعب البلدي، إلى جانب ما تهبه لهم كما أسلفنا سابقاً من الاعتقاد بأنها تزودهم بالبركة والرزق والجمال.
ولو ذكرنا ما قدمته المرأة في منبج من دور فكري مميز، سنذكر النموذج الثاني للملكة تيودورا تلك المرأة التي تميزت بفضائل أخلاقية عديدة، فبرز دورها من تأثيرها العالمي على مجريات أعظم دولة آنذاك في أوربا؛ وهي الدولة الرومانية. لكن ما من شك أن حنكتها وفطنتها، يبرهن بالدليل القاطع ما تتمتع به المرأة من فكر راقٍ، كان أثره واضحاً في المحافظة على شأن الدولة الرومانية، ووقوفها مع زوجها إذ منحته الثقة، لكي يستمر لمناطق شاسعة من العالم.
الملكة تيودورا كما وصفها الكاتب عبد الستار البدري في كتابه “تيودورا وجوستنيان”، من أنها كانت العقل المدبر في مكافحة تمرد ثورة النيكا في وقت عصيب مر به زوجها الملك.
 فنظمت إدارة البلد بالشكل البناء، وأسست قانون إداري؛ عرف فيما بعد بقانون جوستنيان. كما تجلى دورها في فك العبودية عن نساء القصر في ذلك الحين. ولابد من الذكر أن قصتها، وردت أيضاً في العديد من الكتب الكبيرة مثل كتاب الخالدون أو بما يعرف بكتاب ألف شخصية خالدة وغيرها.
 أما كتاب التاريخ السري فقد حاول مؤلفه بروكوبيوس أن يشهر بتيودورا، ويضعها في موقف لا يليق بعظمتها الكبيرة، فقد جعلها راقصة لسيرك، وأنها كانت أمة عند رجل قبل أن ترحل إلى ليبيا لفترة من الوقت؛ لتعود إلى القسطنطينية مرة أخرى، فيراها الملك فيعجب بجمالها المبهر، ثم يأخذها معه إلى روما.
ولذا ندعو للرد على هذه المغالطات بحق التشويه الخلقي؛ المتعمد للملكة العظيمة تيودورا من قبل الحاقدين والمتعصبين من إرثنا العطر، وخاصةً أن والدها كان أحد المتنسكين للديانة المسيحية في مدينة منبج، وهي والدة الملك فيليب.