سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

سوريا ستعود بحلةٍ جديدة مع الديمقراطيّة واللامركزيّة

نوري سعيد –
تعود فكرة تغيير المنطقة إلى مرحلة سابقة فيما طُرح من قبل الإدارة الأمريكيّة لفكرة الشرق الأوسط الجديد، وكان من المعلوم أنّ أحد أهم أهدافها ضمانُ أمن إسرائيل، وبالتالي فالحديثُ عن نظريةِ المؤامرة والخطط الموضوعة حول المنطقة ليس بجديد، وتمّ تداول نظرية الفوضى الخلاقة سبيلاً لتنفيذ المخطط، وتتمحور القضية حول الدول المشاركة بالمشروع وأدوات التنفيذ. وربما كانت المشاركة التركيّة صاحبة نظرية صفر مشاكل مع الجيران متوقعة، أما أن تشارك إيران في التنفيذ من حيث تشاء أو لا تشاء فلم يكن بالحسبان. إلا أنّ الربيع العربيّ كان ضرورة لتلبية المطالب الشعبيّة. أخذ تنفيذُ المخطط أو ما تمَّ تداوله بالمؤامرة طابعَ الحربِ الكونيّة، فروسيا والولايات المتحدة الأمريكيّة قوتان تتبادلان كثيراً من مواقف التناقض في السياسة الدوليّة والتنافس على بسط النفوذ، وبذلك اختلفتا حول أوكرانيا وقضايا الشرق الأوسط ومسائل أخرى أكثر كالموقف من سوريا وإيران، ومع اندلاع الأزمة السوريّة تحوّلت البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات من قبل كلّ الأطراف، ومع زيادة التدخل الخارجيّ زاد تعقيد الأزمة، وبالتالي فلا حلّ للأزمة السوريّ’ إلا بخروج كلّ هذه الأطراف الخارجيّة وهذه ما تطالب به شعوب سوريا وكلّ مكوّناتها، ويأتي الردُّ من روسيا وإيران بأنّهما وجودهما مستوفٍ للشروط الشرعيّة بموجب طلبٍ رسميّ من النظام حتى تثبيت بقاء النظام، في حين تربط واشنطن بقاءها بزوال مرتزقة داعش نهائيّاً والحلّ السياسيّ. أما موقف أنقرة فمختلفٌ إذ قام على ابتزاز كلّ الأطراف لضمان صمتها، فيما صرّح أردوغان أكثر من مرّة أن قواته المحتلة لن تخرج من سوريا إلا بعد خروج القوى الأخرى، وبعد إنهاء وجود قوات سوريا الديمقراطيّة التي تضمّ وحدات حماية الشعب والمرأة. وعليه إذا كان طرف يبرّر وجوده في سوريا بحجّة ابتدعها لنفسه، فمعنى ذلك أنّ العالم قد تحوّل إلى غابة يأكل فيها القوي الضعيف، فما مبرر وجود الأمم المتحدة إذن؟ وما هي مهمة المبعوث الأمميّ ديمستورا في المنطقة وماذا يفعل؟ّ! في الوقت نفسه يؤكّد كلّ المحللين السياسيين على أنّ حل الأزمة السوريّة مرتبطٌ لدرجة كبيرة بالتوافق الأمريكيّ الروسيّ، وهنا نسأل: ماذا لو لم يتم التوافق، هل معنى ذلك تأجيل الحلّ ووضعه على الرف إلى ما شاء الله؟!
إننا السوريون من ندفع فاتورة النزاع بين الأطراف المتصارعة على ترابنا من دمائنا وممتلكاتنا، ما عدا عمليات النزوح والهجرة والجوع والفقر، ومع ذلك لا يتحرك ضمير هؤلاء المتآمرين الذين يبررون وجودهم بأنّهم آتون لخلاص الشعب السوريّ من الإرهاب، والحقيقة أنّ ما يجري على الأرض هو دمارٌ بكلّ معنى الكلمة وليس خلاصاً! وبلدنا ينزف فيما السوريون عاجزون بعد مضي أكثر من سبع سنوات على الأزمة عن عقد لقاء يجمعهم والتحاور وجهاً لوجه، ما يعني أنّنا أيضاً أنّهم يتحملون جانباً من وزر ما يحدث. ومن هنا لابد أن نثبت للعالم أنّنا أهلٌ بالانتماء لسوريا، ونتجاوز عن بعض التحفظات الأوليّة ونطرحها على طاولة الحوار الوطنيّ، حيث بالإمكان الاتفاق على صيغة حلّ من خلال مدّ جسور الثقة، انطلاقاً من تجربة سنين الحرب حيث كان دمار سوريا هو دمار جميعاً، ولا يخصّ طرفاً دون آخر، وأنّه في المستوى الوطنيّ لا صيغة لغالب ومغلوب بل هي غير مقبولة، والمهم أن ينتصر الخيار الوطنيّ، لأنّنا في النهاية كلنا سوريون، وعلينا أن نعترف أن سوريا متعددة الأعراق والمذاهب والأديان، ولا يمكن أن يكون لفئة أو مكوّن بعينه حقُّ التمتع بالحقوق فيما تُمنع عن آخرين بحجج واهية، بل يجب الإقرار للجميع بحقوقهم المشروعة على نحو متساوٍ. وهنا لا مجال لوصاية أو هيمنة طرفٍ علة مفاصل الدولة ومؤسساتها قومية أو مذهباً أو حزباً سياسيّاً، وتجربة هيمنة الحزب الواحد بدأت منذ عام 1963م وجلبت الكوارث والويلات، ولننظر إلى حالة سوريا اليوم، تركيا تحتل مناطق غرب الفرات (جرابلس والباب عفرين) وإيران تريد إقامة ضاحية جنوبيّة في دمشق على غرار تلك التي في بيروت. لا نعتقد أنّ النخوة السوريّة الأبية اضمحلت من الوجود رغم كلّ الأسى ولعل الأزمة وآلامها تحرض كثيراً من السوريين ليرجعهم أنفسهم، ولينظروا لأيّ بلدٍ دُمّر، على أنّه سوريا أيقونة المنطقة، وليس من المبالغة أنّه من العار أن يظهر السوريون بمظهر العاجز عن الوصول معاً من خلال حوار سوريّ سوريّ إلى صيغة حلٍّ لمعضلتنا، ومن المعيب أن يستقوي كلّ طرف بجهة خارجيّة، أو ينتظر حلاً من الخارج. وبهذا الصدد يمكن النظر بإيجابية إلى دعوة دمشق لمجلس سوريا الديمقراطية وحزب سوريا المستقبل، واعتبارها خطوة أولى على طريق الحوار، وتُنتظر الجديّة في الخطوات التالية، وقد آن الأوان أن يتفهم الجميع الدور الوطنيّ الذي تقوم به قسد، وإثباتها الأكيد على أنّها قوات وطنيّة غير مرتبطة بأجندات خارجيّة، ولا يجوز مقارنتها بأطراف أخرى كالائتلاف الذي لاهم له سوى استلام السلطة والمرتبط بتركيا ويتواجد على أرضها، رغم أنّ تركيا تحتل أراضٍ سوريّة، إيجابيّة الدعوة من قبل النظام لا تكفي والمطلوب المضي قدماً في بناء سوريا ديمقراطيّة لا مركزيّة، وقد وصف بشار الجعفريّ على هامش أستانه10 اللقاء بأنّه كان إيجابيّاً، ورغم أهمية الخطوة، إلا أنّ المطلوب أن تترجم عمليّاً وألا تدخل في خانة كسب الوقت، لأنّ معركة إدلب باتت وشيكة وعلى الأبواب، ويتم تداول مشاركة قوات سوريا الديمقراطيّة الباسلة في هذه المعركة المصيريّة، إذ ليس المطلوب إلحاق الهزيمة بمرتزقة داعش والنصرة، بل إخراج المحتل التركيّ من غرب الفرات بما في ذلك عفرين الجريحة.
الثقة وطيدة بأنّ سوريا المجد لم تغبِ وستعود بحلةٍ جديدة مع الديمقراطية واللامركزية على يد الشرفاء من أحفاد سلطان الأطرش وصالح العلي ويوسف العظمة وابراهيم هنانو والخوري وسعد الله الجابري، ولن يخيب الأمل طالما بقي فينا عرق ينبض بالحياة وأُصبعٌ قادرة أن تضغط على الزناد في وجه كلّ من يريد الإساءة إلى وطننا.