سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

سوريا الأولى عالمياً بغلاء أسعار عقاراتها والناس تموت جوعاً!

أثار تصدّر سوريا المرتبة الأولى عربياً وعالمياً في غلاء أسعار عقاراتها جدلاً واسعاً بين الناس، في الوقت الذي تعاني فيه المنطقة من ندرة في مقومات العيش، فما أسباب هذا الغلاء وهل من حلول لوضع حد لهذه الأسعار التي تفوق الخيال؟
جاءت سوريا في المرتبة الأولى عالميّاً وعربيّاً من حيث غلاء أسعار عقاراتها التي وصلت إلى أرقام جنونية مقارنةً بدخل المواطن السوري، لتصبح البلد الأغلى للعيش على مستوى العالم.
وبحسب تصنيف أجراه مؤشر “نومبيو- Numbeo” للإحصاءات، وهي قاعدة بيانات عالمية مصدرها الحشد من أسعار المستهلك المبلغ عنها، كانت سوريا في المرتبة الأولى من حيث الدولة الأغلى بأسعار عقاراتها، متفوقة بذلك على نيويورك وطوكيو ولندن وباريس.
ويأتي هذا في وقت تكاد تنعدم فيه القدرة الشرائية لدى سكان المنطقة بسبب غلاء الأسعار والدخل المحدود قياساً بالمصاريف، إذ يبلغ متوسط دخل الفرد في مناطق سيطرة حكومة دمشق ما بين 20 إلى 50 دولاراً كحد أقصى، فيما قد يتراوح سعر شقة سكنية في تلك المناطق ما بين 70000 إلى 200000 دولار، في حين يبلغ دخل الفرد في مناطق الإدارة الذاتية بشمال وشرق سوريا نحو 100 دولار كحد أقصى فيما يتراوح سعر شقة سكنية فيها ما بين 24000 إلى 50000 دولار.
ولاقى هذا التصنيف جدلاً واسعاً على مواقع التواصل الافتراضي بين مستخف بالخبر ومستغرب، حيث كتب أحد رواد موقع فيسبوك في تعليق له: “لازم تكون الأسعار أرخص من هيك بأضعاف لأن الخدمات ضعيفة وسيئة”، في إشارة منه إلى الواقع المعيشي المتردي الذي تعيشه البلاد مقارنةً بغلاء الأسعار.
في حين يتساءل آخر معلقاً: “مع أنو مافي كهرباء ولا مي ولا غاز ولا خبز ولا شغل ولا سياحة ولا صناعة في بس غلا. لو في هل شغلات يعني شو كان الموقف” أي يشير إلى أنه لا شيء متوفر وأسعار العقارات بهذا الارتفاع، ويتساءل: إن كانت الخدمات متوفرة فكم ستكون أسعارها.
فيما كتب غيره مستهزئاً: “قال بيع بيتك بالشام وروح اشتري برج بالخليج”.
ولا يمكن فصل ارتفاع أسعار العقارات عن الحرب والحصار الذي تعيشه سوريا منذ أكثر من عقد، حيث أدت هذه الحرب إلى تدمير أكثر من نصف المناطق الصالحة للعيش، لتخلّف أزمة سكن خانقة وارتفاعاً كبيراً في أسعار العقارات بالمناطق المتبقية.
إلى جانب الأزمة الاقتصادية نتيجة تدهور الليرة أمام الدولار الأميركي والعقوبات المفروضة على حكومة دمشق والتي قيدت عملية إعادة الإعمار الحكومي، هذه الأسباب كلها جعلت من العقارات سوقاً رائجاً للتجار من أجل التحكم بالناس بناءً على رغباتهم.

ما الذي جعل سوريا أغلى منطقة في العالم؟
ويرى الباحث الاقتصادي والمدير التنفيذي لمنصة “اقتصادي”، يونس كريم، أن ارتفاع أسعار العقارات يعود لعدة أسباب بعضها تقني وبعضها اقتصادي قائلاً: “إن ارتفاع أسعار العقارات تأتي من عدة أسباب؛ منها تقني ومنها اقتصادي، التقني كعدم توفر مواد البناء والأماكن الصالحة للبناء، فالمناطق المحيطة بمراكز المدن هي مناطق أشباح وتكثر فيها الحواجز الأمنية والتشبيح والسرقة، بينما مراكز المدن هي المناطق الأكثر أماناً واستقراراً وبالتالي هذا الأمر دفع إلى ارتفاع أسعار العقارات في تلك المناطق نتيجة زيادة الطلب على العرض”.
ويتابع كريم: “النقطة الثانية هي أن أمراء الحرب الجدد وهم من مناطق مهمشة تقريباً، أرادوا إثبات وجودهم بمراكز المدن فبدأوا بشراء العقارات منها بالإضافة إلى قيامهم بعملية غسيل الأموال لشرعنة أموالهم”.
ويرى كريم أن النقطة الثالثة التي أدت لارتفاع اسعار العقارات يعود “لانحصار السوق التجاري بمراكز المدن، وبالتالي شكّل هذا الأمر ضغطاً كبيراً على سوق العقارات ودفع إلى ارتفاع جنوني لأسعارها نتيجة انحسار الكمية المتوفرة من الأراضي”.
مضيفاً: “كثير من الأشخاص بدأوا يستحوذون على الأرياف القريبة من المدن للانطلاق بإعادة الإعمار، هذا الأمر قاد إلى تحويل تلك الأموال إلى سوق العقارات”.
ولفت كريم إلى القوانين التي أصدرتها حكومة دمشق حول العقارات قائلاً: “ساعدت القوانين التي أصدرها النظام وخاصةً البنك المركزي على تنشيط سوق العقارات، منها المرسوم رقم ٣ الذي منع التعامل بالدولار، إلى جانب تحديد لوائح المواد المستوردة وبالتالي بدأ الناس يتجهون إلى العقارات. كما أن تذبذب وانخفاض الليرة السورية جعل الدولار هو الأمان والمحفز والحامي لقيمة الأملاك أو ما يدّخره المواطن السوري”.
لا قانون يحكم سوق العقارات
ولفت الباحث الاقتصادي إلى أن انتشار المشاريع الفخمة- وإن كانت على نطاق محدد وضيق- دفعت إلى ارتفاع أسعار العقارات إلى جانب عدم وجود قانون يحكم سوق العقارات في المنطقة.
وأضاف: “لا يوجد قانون يحكم أو ينظم سوق العقارات، وإنما ترك الأمر إلى تقييم الأشخاص ومراكز الخبرة الأمر الذي أدى إلى رفع قيمة العقارات بشكل مبالغ فيه، ثم جاء القانون العقاري الذي أصدره النظام والذي رفع سوق العقارات الرائجة أضعاف ما هو متداول في السوق، وهذا أيضاً أدى إلى رفع سوق العقارات أكثر من ذي قبل”.
وكانت حكومة دمشق قد أقرت في 25 آذار 2021، قانون “ضريبة البيوع العقارية”، الذي يعتمد على استيفاء الضريبة على العقارات المباعة وفق قيمتها الرائجة، بدلاً من القيمة المعتمدة في السجلات المالية، ما أدى إلى ارتفاع حاد في أسعارها وركود سوق العقارات.
إلى جانب ذلك يرى الباحث الاقتصادي أنه “من أحد الأسباب التي رفعت أيضاً من سوق العقارات هو حوالات الأشخاص المهاجرين والموجودين بالخليج العربي للشراء بسوريا، حيث بدأوا يبحثون عن شراء عقارات لهم في المنطقة”، إذ بات بيع العقارات سوقاً رائجاً للتجار والأثرياء من المغتربين خارج البلاد للحفاظ على أموالهم في الداخل عن طريق تحويلها إلى أصول عقارية.
تأثير غير مباشر
وحول تأثير العقوبات المفروضة على حكومة دمشق وعلاقتها بارتفاع أسعار العقارات يقول كريم: “العقوبات لها تأثير غير مباشر على سوق العقارات ذلك؛ لأنه بات صعباً وجود بنوك تقوم بعمليات الاستيراد والتصدير وتنشيط الاستيراد من جهة والقوانين التي أصدرها النظام من جهة أخرى وضغط أمراء الحرب”.
ويؤكد كريم أن “اللجوء للمحافظة على قيمة العملة نحو العقارات كانت الوسيلة التي لجأ إليها التجار الذين بدأت تضيق عليهم إمكانات الاستيراد نتيجة العقوبات وعدم وجود حوالات مالية إلى جانب التضييق الحكومي نحو العقارات كمخزن ومحافظ على قيمة مدخراتهم ورأس مالهم”.
بيوت بلا مقومات بأسعار خيالية
وتوجد الكثير من البيوت التي لا تتوافر فيها مقومات المعيشة اللازمة من ماء وكهرباء إلا أن أسعارها خيالية والإقبال عليها كبير وبشكلٍ خاص في المناطق التي يسودها الاستقرار، ويقول أنس كريم “إن ذلك يعود إلى عدة نقاط، النقطة الأولى هو أن الطلب أكبر من العرض، فالأماكن الصالحة للسكن كمنطقة جغرافية وليس المنزل، مثلاً بمنطقة المزة 86 فرضاً هي منطقة لا يُسكن فيها لكنها بقلب العاصمة دمشق وبقلب الأماكن السكنية”.
ويضيف كريم: “مناطق الأرياف كلها خضعت للتدمير وأصبحت مدينة أشباح والأغلب بها حواجز أمنية وإغلاقات وطرقات صعبة وبالتالي أصبحت مراكز المدن رغم عدم توافر الشروط اللازمة أو الشروط الصحية أو الشروط الإنسانية للسكن إلا أن أسعارها بقيت مرتفعة”.
ويتابع: “من الأسباب المهمة لارتفاع أسعار العقارات في سوريا عموماً هو تجارة المخدرات وتجارة الممنوعات والتهريب والتعفيش والأموال القذرة لأمراء الحرب وكل من حصل على ربح غير شرعي خلال هذه الحرب، فكانت العقارات هي السوق الأفضل للتهرب من إظهار هذه الأموال لإخفائها، كما أن الكثير من الأثرياء العرب والطامعين للاستثمار بسوريا بدأوا يتجهون نحو العقارات لتثبيت أماكن لهم في حالة انطلاق إعادة إعمار سوريا”.
التغيير الديمغرافي
وأدت التدخلات الإقليمية والدولية وسياسات حكومة دمشق المتواطئة مع مطالب هذه الأطراف مقابل السلطة إلى خلق تغيير ديمغرافي في سوريا، من خلال استهداف مناطق معينة بغية تهجير أبنائها وتوطين آخرين، وغيرها من الأساليب الطامحة للتغيير الديمغرافي.
ويقول الباحث الاقتصادي في هذا الصدد: “التغيير الديمغرافي كان تركيز القصف على أماكن، فيلجأ الناس إما إلى مناطق أبعد أو مناطق أقرب إلى مركز المدينة، فعلى سبيل المثال، أهل حمص تمت هجرتهم إما باتجاه حماة وحلب أو باتجاه دمشق، لم يكن هناك تغيير ديمغرافي بحيث ينقلوا مدينة إلى مدينة أخرى، كان هناك عملية تهجير”.
ويوضح كريم أن “التغيير الديمغرافي كان عن طريق التهجير وليس عن طريق الجذب، وهاتان السياستان متعاكستان وبالتالي ارتفاع أسعار العقارات نتيجة المعارك نتيجة استخدام النظام للبراميل المتفجرة وتفجير العقارات والبيوت والمدن كاملة” وهو ما أدى إلى هجرة أبناء المنطقة نحو مراكز المدن أو المنطقة الأكثر أماناً نسبياً”.
ويتابع كريم: “نحن الآن نتكلم عن 60% من المناطق المدمرة وبالتالي من الطبيعي أن ترتفع أسعار العقارات في المناطق المتبقية منها والصالحة للسكن، إذ ارتفع الطلب في تلك المناطق إلى 150% عن العرض بالنسبة للسكان”.
ويوضح: “الآن أصبح 150% من السكان يعيشون بالمكان المخصص لـ 40% وهذا أمر صعب، وبالتالي ارتفعت الأسعار، خاصةً لأنه لم يقابلها توسع سكني أو توسع بالأبنية والسكن الصالح للناس وهذه من أحد الأسباب المهمة، لذلك بقيت الأسعار مرتفعة جداً عن أسعار العقارات”.
لا حلول إسعافية
ومع الأوضاع التي يشهدها سوق العقارات يرى المدير التنفيذي لمنصة “اقتصادي”، يونس كريم، أن “الحل اللازم للحد من أزمة العقارات معقد ومكلف جداً على الحكومة، أياً كانت الحكومة؛ لأن الحل يبدأ بإقامة مشاريع إعادة إعمار حقيقية تبدأ بتخطيط وتنظيم المدن وهذا يحتاج فترة طويلة”.
ويوضح كريم أنه “لا توجد حلول إسعافيه وإنما هي حلول استراتيجية تبدأ فعلاً من إعادة التركيز على مراكز المدن التي هي أقل مناطق الدمار وإعادة إصلاحها وتنظيمها”.
ونوّه كريم أن الآلية المثلى لإعادة الإعمار يجب أن تبدأ “انطلاقاً من المنطقة الأقل إلى الأكثر تضرراً وليس العكس، لأن هذا الأمر سيحقق الاستقرار نوعاً ما بالمناطق التي بها سكان والتي تحتاج إلى ترميم بسيط ليُترك المجال أكثر للتخطيط والتنظيم للأماكن المدمرة ومن ثم العودة إلى مراكز المدن”.
وكالة هاوار