سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

سوبارتو بلاد الحوريين ـ3

ابراهيم عباس ابراهيم –

إمبراطورية ميتاني:
  في حوالي منتصف الألف الثاني ق.م تمكن الحوريون من تأسيس إمبراطورية قوية عرفت باسم حوري – ميتاني Mittani  عاصمتها وَشّوكّاني Waššukkani ، والتي ما تزال مجهولة الموقع، وإن كان الاعتقاد السائد أنها تل الفخيرية على بعد2 كم من رأس العين بالقرب من الطريق الواصلة بينها وبين الحسكة، ونقبت في التل بعثة أمريكية بإدارة “مك إيفن”، وتم التأكد أن التل هو سيكاني وربما يكون وَشّوكاني قد تحول إلى سيكاني لاحقاً. أما اسم ميتاني فقد ورد لأول مرّة في نص يعود إلى عهد الفرعون المصري تحوتمس الأول (1510 – 1528 ق.م) بصيغة Mayttani. ولا يزال تفسير معنى الاسم مجهولاً.
من الصعوبة رسم حدود ميتاني، ولكن من الممكن التعرف على مناطق نفوذها، فقد وصل الميتانيون إلى البحر المتوسط في الغرب وقد أكدت التنقيبات الأثرية في ألالاخ Alalah ( تل عطشانة على نهر العاصي في لواء أسكندرونة) ما يؤكد هذا الوجود حيث أن ملك ألالاخ إدريمي Idrimi كان خاضعاً للميتانيين ويظهر ذلك من خلال الكتابة التي دونت على تمثاله.
انتشر الميتانيون بكثافة في مناطق أوغاريت Ugarit (رأس شمرا على بعد 11 كم شمالي اللاذقية) بغرض التجارة على الأغلب، حيث كانوا كثيري العدد في أوغاريت ووجدت لهم آثار كثيرة منها تمثالان صغيران وخنجر. وتمكنت ميتاني من إخضاع حلب، حيث هناك كتابة تعود إلى تيليبينو Telipenu  أحد ملوك الحثيين يعترف بأن حلب أصبحت من ممتلكات ميتاني. وكانت كركميش Karkamiš (جرابلس على الفرات) أحد المراكز الهامة لحكام ميتاني في شمال سوريا، وكانت تُحكم مباشرة من قبل الملك الميتاني، كما امتد نفوذ ميتاني في الشمال حتى وان، وفي الجنوب حتى قطنة (تل المشرفة على بعد حوالي 18  كم إلى الشمال الشرقي من حمص)، وفي الشرق حتى جبال زاغروس، وذلك بعد هزيمة الآشوريين حوالي 1450 ق.م على يد ملك ميتاني سَوشْتَتر Sauštatar. وتعتبر نوزي Nuzi (يورگان تبه – على بعد 20كم جنوب غرب كركوك) من أهم المراكز السياسية للميتانيين مع مملكة أرَّبْخا Arrabha (كركوك)، وأكدت التنقيبات الأثرية في تل براك أن الموقع كان أحد المدن الرئيسية لإمبراطورية ميتاني. كما أن التنقيبات في المناطق المختلفة من “الجزيرة السورية” أكدت خضوع هذه المنطقة كاملة للسيطرة الميتانية وجاءت النتائج من مناطق ومواقع مختلفة.
نهاية الحوريين:
  خاضت ميتاني حروباً كثيرة مع المصريين، والآشوريين، والحثيين، ثم أنشأت لاحقاً علاقات دبلوماسية ومصاهرات مع فراعنة مصر، توطدت أكثر في عهد أمنحوتب الثالث (1367 – 1405 ق.م)، ومن أشهر الأميرات الميتانيات اللواتي تزوجن من فراعنة مصر تدوخيبا Taduhiph  والتي عرفت باسمها المصري نفرتيتي، وهي ابنة الملك تُشراتا Tušratta  الذي حكم حوالي 1350ق.م. وفي تلك الفترة عرف المصريون سوبرتو باسم “نهارينا”  كما عرفوا سوريا مع المناطق الخاضعة للميتانيين باسم بلاد خورو بحكم السيادة الحورية على تلك المناطق، وترد هذه التسمية في الرسالة المعروفة برسالة ميتاني والمرسلة من تُشراتا ملك ميتاني إلى أمنحوتب الثالث فرعون مصر، كما عرفت اللغة الحورية عند المصريين بـ (خُروخ huruh). كذلك وردت في النصوص الحثية بصيغة خُرليلي المشتقة من خُرلا hurla  أي حوريين. وبدءاً من عهد أمنحوتب الرابع (أخناتون) (1347-1364ق.م) بدأت العلاقات تسوء بين مصر وميتاني بسبب انشغال أخناتون بإصلاحه الديني وضعف ميتاني بسبب نزاعاتها الداخلية أمام تصاعد قوة الحثيين، وبالتالي رغبة مصر في كسب القوة الحثية الجديدة كحليفة لها عوضاً عن ميتاني الضعيفة، هذه القوة التي تقدمت وسيطرت على مناطق واسعة من ميتاني، كما استغل الآشوريون الوضع وتحالفوا مع الحثيين، وهاجموا معاً ملك الميتانيين أرْتَتَما الثاني Artatama II، وتغلبوا عليه بعد أن دمروا وَشّوكاني، وتراجع الميتانيون إلى منطقة تئيدو Teidu (تل الحميدية إلى الجنوب من قامشلو نحو 20كم) حيث أغار عليهم جيش الملك الآشوري (أدد نيراري الأول Adad Nirari I 1275 – 1307 ق.م) الذي لاحقهم حتى مناطق ديار بكر وقضى عليهم وكانت نهاية مملكة ميتاني.

المراجع العربية والمترجمة إلى العربية:
1ـ أنطون مورتغات، تاريخ الشرق الأدنى القديم، ترجمة: توفيق سليمان، علي أبو عساف، قاسم طوير.
2ـ جيرنوت فيلهلم، الحوريون تاريخهم وحضارتهم، ترجمة: فاروق إسماعيل، ط1، دار جدل، حلب 2000 م.
3ـ فاروق إسماعيل، “الحوريون في بلاد آبوم خلال العصر البابلي القديم”، مجلة النقوش والرسوم الصخرية، العدد الأول 2007 م.
4ـ هورست كلينغل، تاريخ سورية السياسي 3000 – 300 ق.م، ترجمة: سيف الدين دياب، ط1، دار المتنبي، دمشق 1998 م.
5ـوثائق الآثار السورية- الجزيرة السورية التراث الحضاري والصلات المتبادلة، وقائع المؤتمر الدولي (دير الزور25 -22  نيسان 1996م).