سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

سعيٌ أمريكيّ لإنهاءِ الدور الإقليميّ

رامان آزاد –

من الواضح دخول الأزمة السوريّة مرحلة جديدة، وبدء الحديث عن إنهاء الدور الإقليميّ (التركيّ والإيرانيّ). ولعلَّ بعضَ المؤشرات إيجابيّ يمكن البناء عليه لحلّ الأزمة، وبعضه الآخر سلبيّ وفي مقدمه الاحتلال التركيّ لمناطق سوريّة وبقايا الإرهاب واستمرار التنافس الدوليّ، فيما يستمرُّ اللغط حول تفسيراتِ الانسحابِ الأمريكيّ وأسلوبه.
سندمّر اقتصاد تركيا
ثمّة حادثتان تتفاعلان بوقت واحدٍ، والإشكال تتعلق بأطر التفسير والتأويل، وهما التهديد التركيّ بشنِّ عمليةٍ عسكريّةٍ شرق الفرات والثاني قرار واشنطن بسحب قواتها من تلك المنطقة، وتحاولُ أنقرة ربط الحادثتين باتجاه واحد لتعتبرَ القرارَ الأمريكيّ بمثابة الضوء الأخضر لبدء العملية العسكريّة، فيما تصرُّ واشنطن على معنى معاكسٍ تماماً لتطلبَ من أنقرة ضمانَ أمانِ القواتِ الحليفة ما بعد الانسحاب. وأدّى تناقضُ المواقف إلى سجالٍ دبلوماسيّ وتصعيدٍ سياسيّ وصل لحد رفض أردوغان مقابلة مستشار الأمن القوميّ الأمريكيّ جون بولتون.
قرارُ الانسحاب الأمريكيّ من سوريا جاء غامضاً لدرجة كبيرة رغم تصريحات كثيرةٍ سبقته كمقدمةٍ له وأخرى تلته كشرحٍ له. إذ؛ يُفترض أنَّ الأمريكيّ تدخلَ في سوريا لمحاربة الإرهاب، ويقرّر المغادرة فيما التركيّ يقودُ جحافلَ إرهابيّة ويقف على الحدود استعداداً لبدء العدوان، والأغرب أن يُوصي أنقرة بحماية الكرد بعد المغادرة. والكلُّ يعلم استعداد تركيا لفبركةِ أيّ حجّةٍ للعدوانِ.
آخر مستجداتِ هذا السجال تغريدةُ الرئيس الأمريكيّ ترامب على تويتر الأحد, أعلن فيها بدءِ انسحابِ قواتِ بلاده من سوريا وقال: “بدأ الانسحاب الذي طال انتظاره من سوريا سنواصل الضرباتِ بقوةٍ ضد ما تبقى من داعش، ومن عدّةِ اتجاهاتٍ من قاعدة مجاورة في حال عودته”.
أما بالنسبة لعقدةِ المنشار في التفاهم الأمريكيّ التركيّ واختلاف وجهات النظر حول الموقف من الحلفاء وتحديداً الكرد، قال ترامب بلهجة التهديد: “سندمّر اقتصاد تركيا فيما لو ضربوا الكرد”. وبذلك يذكّر ترامب المسؤولين الأتراك بسلاح العقوبات الاقتصادية وأضاف: “سننشئ منطقة آمنة بعمق 20 ميلاً “, وهنا التصريح ضبابيّ، فالمنطقة الآمنة لم تُحدد على حساب من ستكون ولا حدود الإجراءات ولا ممولها! ولعل ترامب أراد مسايرةَ انقرة ويجعل موقفَه متوازناً فقال: “لا نريدُ أن يثيرَ الكردُ تركيا”.
ومضى يقول: “روسيا وإيران وسوريا أكبرُ المستفيدين من السياسةِ الأمريكيّة طويلةِ الأمد لتدمير “داعش” بسوريا، ونحن استفدنا أيضاً. ولكن؛ حان الوقت الآن لإعادة قواتنا إلى الوطن، ووقف الحروب التي لا تنتهي”.
الرئيس التركيّ أردوغان انتقد مباشرةً جون بولتون الأسبوع الماضي, لقوله إنَّ الانسحاب الأمريكيّ مرهونٌ بتعهدِ تركيا بعدم مهاجمة المقاتلين الكرد المدعومين من الولايات المتحدة بسوريا بمجرّدِ مغادرة القوات، فقال: “ارتكب بولتون خطأ فادحاً. إذا كان يعتقد ذلك فسيكون في خطأ جسيم”.
وفي إعادة للاختيار الافتراضيّ ردَّ المتحدثُ باسم الرئاسة التركيّة إبراهيم قالين على تغريدة ترامب قائلاً: “السيد دونالد ترمب لا يمكن أن يكون “الإرهابيون” شركاءك وحلفاءك، تتوقع تركيا من الولايات المتحدة أن تحترمَ شراكتنا الاستراتيجيّة ولا تريد أن يتم حجبها عن طريق الدعاية الإرهابيّة”.
ونقلت رويترز قول وزير الخارجية الأمريكيّ مايك بومبيو يوم الأربعاء خلال زيارته لبغداد: “إنّه لن تكون هناك أيّ معوقات أمام انسحاب القوات الأمريكيّة من سوريا وذلك رغم التهديدات التركيّة ضد حلفاء واشنطن الكرد هناك”, وتعهد بضمان توفير الحماية للكرد. وحين سئل في هولير عما إذا كان موقف أردوغان بشأن حماية الكرد يعرّض الانسحابَ للخطر قال بومبيو: “لا؛ نحن نجري محادثات معهم وفي الوقت نفسه نتحدث عن كيفية تنفيذ هذا بطريقة تحمي قواتنا”. وأضاف: “من المهم أن نفعل كلَّ ما في وسعنا لضمان حماية تلك العناصر التي تحارب معنا، وأردوغان قدّم تعهداتٍ وهو يعي ذلك”.
أنقرة والتهديد بالعدوان
تسودُ أوساطَ المراقبين، قناعةٌ راسخةٌ، بأنَّ تركيا ليست جادّةً بمحاربة مرتزقة “داعش”، بل تقصدُ عمليّاً محاربة (وحدات الحماية وقوات سوريا الديمقراطيّة)، والصحيحُ أنّها لم تدخل بمواجهة حقيقيّة مع “مرتزقة داعش”، وأما التهديدُ بالعدوانِ والقيامِ بعملياتٍ عسكريّة؛ فقد أضحى من الطقوسِ التحضيريّة للانتخابات في تركيا، استناداً لعقدة الخوفِ ونظريةِ المؤامرةِ التي تكفلُ بتحويل أصوات الناخبين لصالح العدالة والتنمية في صناديق الاقتراع، وكذلك استثمار العامل القوميّ والدينيّ، وبخاصة أنّ العدالة والتنمية سيخوض الانتخابات البلديّة القادمة لوحده بعد فكّ الشراكة مع الحركة القوميّة.
ثمّة مسألة تلفت الانتباه وهي أنَّ أنقرة تعتبر مجرّد الوجود الكرديّ على حدودها تهديداً إرهابيّاً، وإذا أخذنا بالاعتبار أن هذا الوجود طبيعيّ وله عمقٌ تاريخيّ، إذاً فأنقرة تخطط لوجودٍ غير محدودٍ زمنيّاً، ما يعني تسويق ما تقول عنه مخاوف أمنيّة لتبرير الاحتلال في سياق مخطط التوسع على حساب السيادة السوريّة.
وليس من المتوقع حالياً أن توافق موسكو أو واشنطن على إطلاق اليد التركيّة بمنطقة شرق الفرات والسماح بالعدوان، فأنقرة ليست محلَّ ثقة الطرفين رغم التنافس لكسبِ ودّها، وإرضائها بتصريحات المجاملة وعدم إنكار مخاوفها الأمنيّة، والجوهريّ في شرق الفرات هو المساحة الكبيرة والثروات الباطنيّة، وليس من المرجّح السماح لتركيا بالوصول إلى هذه المنطقة، وربما تكون عودة الدول العربيّة إلى دمشق ذات صلة وثيقة بالمخطط التركيّ فتكون ردَّ فعل إزاءه.
ما الذي يحدث في إدلب؟
كانت إدلبُ هدفَ العمليةِ العسكريةِ المباشرة بعد المنطقة الجنوبيّة وفق المخطط الروسيّ، وما حدث أخذ صيغة التبادل ما بين الشمال والجنوب بين النفوذ الروسيّ والأمريكيّ، اعتباراً من العدوان على عفرين ووقف العملية العسكريّة بإدلب. ولذلك؛ فإنَّ استئناف العملية يحتاجُ لتفاهماتٍ جديدةٍ. ومن الأتارب بريف حلب الغربيّ غادر نحو ألف مسلح بينهم قادة في “الجيش الوطنيّ للتحرير” الموالي للنظام التركيّ، بعد سيطرة مرتزقة هيئة تحرير الشام عليها، وكانت وجهتهم مدينة “عفرين” المحتلة. وإذا كانت واشنطن قد اعترضت بشدّةٍ على العمليّة العسكريّة الروسيّة بإدلب، فإنّ انطلاقها  يعني تغيير معطيات التوافق.
اندلعتِ المعارك في بلدة دارة عزة بين مرتزقة هيئة تحرير الشام ونور الزنكيّ وانتهت بهزيمة الزنكي الذي حلَّ نفسه وتوجّهِ عناصره لعفرين، وعُقد اتفاقٌ الخميس 10/1/2019 بين “هيئة تحرير الشام” ومسلحي “صقور الشام” و”حركة أحرار الشام”، المنضويين ضمن “الجبهة الوطنية للتحرير” الموالية لتركيا، يقضي بمنحِ “حكومة الإنقاذ” التابعة للنصرة السلطة على كاملِ محافظة إدلب. علماً أنّ “حركة أحرار الشام” التي كانت تضمُّ 12 فصيلاً وتنتشر بريف إدلب الجنوبي ومنطقة الغاب وشمال حماه بادرت إلى حلِّ تنظيمها؛ وبالتالي فالنتيجة النهائيّة سيطرة مرتزقة تحرير الشام (القاعدة) على كامل إدلب.
وإذا كان التوجّه شمالاً أحد طقوس المصالحة برعاية روسيّة مع الباصات الخضراء فإنّه هذه المرة يختلف، إذ أنّ حوالي 1000ــ1500 مرتزق تابعين لـ”حركة أحرار الشام الإسلاميّة” يستعدون لمغادرة ريف حماة الشمالي باتجاه المناطق الخاضعة لسيطرة “لجبهة الوطنية للتحرير” الموالية للنظام التركيّ شمال حلب مناطق (درع الفرات وغصن الزيتون)، بعد تسليم أسلحتهم الثقيلة لهيئة تحرير الشام بعد رفض شروط بقائهم في مقراتهم ومواقعهم بريف حماة، مع الاحتفاظ بالأسلحة، دون أن يرتبطوا مع التنظيم.
وإذ يُرجّح أنّ ما يحدث مقدمة تنفيذ اتفاق تركيّ روسيّ، ورفع الغطاء التركيّ عن إدلب والإقرار عمليّاً بفشل تطبيق اتفاق سوتشي المتضمن إقامة منطقة عازلة وتسليم السلاح الثقيل، ستحاول أنقرة تطويق متغيرات إدلب ومنع عملية عسكريّ فيها، فيما تتوجه عناصر الفصائل التي حلّت نفسها إلى عفرين ليتعزّزَ فيها وجود الفصائل الموالية لأنقرة، بانتظار مساومة جديدة مقابل ضمانات تُقدّم لتركيا بمنعِ الوجودِ الكرديّ على الحدود ولحينها ستعتمدُ أنقرة سياسة التضييق على الأهالي والتغيير الديمغرافيّ بالمنطقة وبخاصة بالقرى الحدوديّة، واستقدام المزيد من العناصر التركمانيّة.
حديثُ الرئيس التركيّ عن جيشٍ جديدٍ إنّما يعني تشكيلاتٍ عسكريّة لفصائل المرتزقة بعد إعادة صياغتها وتوحيد قيادتها، ذلك لأنّ تعددَ القياداتِ أعاقَ خطط أنقرة، وبعد ذلك ستحاولُ أنقرة فرضَ هذا الكيان طرفاً مفاوضاً في الكفة المقابلة لقواتِ سوريا الديمقراطيّة بكلِّ مكوناتها وترفع سقف مطالبها وتصعّد الموقف السياسيّ للحصول على شرعيّة الوجود في الشريط الحدوديّ، فيما من المتوقع أنّ تعيدَ النصرة أيضاً صياغة نفسها، وقد قامت بذلك مراراً بتعليماتٍ مباشرة من أنقرة أيضاً.
عينٌ على إيران
لم تتوقف واشنطن عن التهديد وتوجيه الإنذارات لإيران، وقد ربطت توافقها مع روسيا بتقديم موسكو المساعدة لتحديدِ النفوذِ الإيرانيّ في سوريا، واليوم توجّه واشنطن الرسائل مباشرة إلى الشعب الإيرانيّ، فقد قال وزير الخارجيّة الأمريكيّ بومبيو: “يجب أن يعلمَ الشعب الإيرانيّ أن تدخّلَ النظام في شؤون الدول الأخرى غير مقبول، وعلى الشعبِ الإيرانيّ أن يدرك أننا نريد له الحياة الكريمة، ونريد أن نسمع أصوات الشعب الإيرانيّ”، وأضاف: “إنّ قمة بولندا ستتطرق لقضايا عدّة على رأسها الملف الإيرانيّ”. واقعاً تصريحات الوزير بومبيو هي رسائلٌ لتيارات محدّدةٍ في الشارع الإيرانيّ لتتحركَ ضدَّ النظام، وهي مؤشراتٌ للخطةِ الأمريكيّة الواقعيّة بالمنطقة، فيما الانسحاب الضبابيّ ما هو إلا إعادة انتشار إقليميّ.
ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكيّة الأحد نقلاً عن مسؤولين حاليين وسابقين لم تكشف عنهم، أنّ رئيس مجلس الأمن القوميّ جون بولتون طلب من البنتاغون تقديم خياراتٍ عسكريّة إلى البيت الأبيض لتوجيه ضرباتٍ عسكريّة إلى إيران، وأنّ المجلس بصدد دراسة الخياراتِ. ولعل خيار العقوبات الاقتصاديّة الخانقة سيكون متاحاً وتستهدف وزارة المالية.
واشنطن لم تتنازل عن مصالحها بالمنطقة، ولازال أمنُ إسرائيل أولويةَ سياستها، والحرب على إيران مطروحة إلا أنّها مؤجّلة، وفي هذا الإطار أُبرمت صفقاتُ السلاحِ الضخمةِ لدولِ لخليج، بعد تثبيتُ إيرانَ العدوَ الأول لدول الخليج، والحرب إن وقعت ستكون مسبقةَ الدفع، وكانت لبنان في حرب تموز 2006 أحد ميادينها، وقد تكونُ سوريا ميدانها الثاني. فواشنطن في عهد ترامب غير مستعدة لتأمين الحماية المجانية لأحدٍ من حلفائها. وهذا التطوّرُ لن يُحرجَ أنقرة أبداً، بل ربما يُكسبها، لتخرجَ إلى دائرة الضوء وتواصل سياستها.
الحقيقة أنّ واشنطن تعتبر كلّ الشرق الأوسط ميداناً لمصالحها، والمسألة لا تُختزل بشرق الفرات، وإعلان الانسحاب لا يمكن تعميمه، فهو عملية إعادة انتشار إقليميّ، بمعنى أنّ واشنطن ليست في وارد الانكفاء عن المنطقة، والمفارقة أنّها لم تتلقَّ تهديدات جدّيّة أو تُستهدف قواعدها العسكريّة في سوريا لتُقدّم على قرار الانسحاب نتيجة استحالة البقاء، وبالتالي فالقرارُ هو مناورة بالمستويين السياسيّ والعسكريّ، وظاهر التناقض الأمريكيّ التركيّ ليس كلَّ الحقيقة.
حوار الإدارة الذاتيّة مع دمشق
تنطلق الإدارة الذاتيّة في حوارها مع دمشق ليس كخيارٍ سياسيّ تمليه الظروف نتيجة قرار الانسحاب الأمريكيّ وتطورات الميدان، بل كضرورة وطنيّة لحلِّ الأزمة، والسؤال المطروح على الدوام ما هو الحوار الوطنيّ؟ وقد سبق أن دخلت في حوار غير مشروط قبل القرار الأمريكيّ. ومؤخراً نقلت وكالة رويترز للأخبار عن مسؤول سوريّ اليوم الأحد “إن الحكومة تأمل في “تكثيف” الحوار مع الجماعات الكرديّة السوريّة”، مشيراً إلى دعم المحادثات التي يأمل الكرد أن تؤدّي إلى اتفاق سياسيّ بين طرفين رئيسيين في الصراع.
وقال أيمن سوسان معاون وزير الخارجيّة السوريّ للصحفيين في دمشق: “نتمنى تكثيف هذا الحوار، الكثير من تصريحات الكرد كانت إيجابية فيما يتعلق بالحرص على وحدة سوريا”. وأضاف: “نحن واثقون أنّه بالحوار نستطيع معالجة بعض المطالب، وهذا الحوار يضمن ذلك مادام أنّه يستند إلى الالتزام بوحدة سوريا أرضاً وشعباً”.
ومن جانبهم؛ دعا الجانب الكرديّ موسكو لتقومَ بدور الوساطة لمحادثات بين الادارة الذاتية والحكومة السوريّة في دمشق, بالتزامن مع التهديدات التركيّة باجتياح منطقة شرق الفرات؛ وذلك بالنظر إلى المسألة من وجهة المسؤوليّة الجماعيّة وعلاقتها بالسيادة الوطنيّة.