سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

سري كانيه قصة المقاومة والنضال للبقاء..

إعداد/ هايستان أحمد-

سري كانيه تلك المدينة المُتربعة على مساحة 23كم مربع، وهي جنّةٌ من جنان الأرض في روج آفا كردستان، فهي تجمع بين التاريخ الذي يمتدّ ستة آلاف عامٍ في أغوار الزّمن، والطبيعة الخلابة التي كانت تمتلئ بالعيون الصافية كالزجاج، ومياه العيون الكبريتية التي تستخدم كعلاجٍ طبيعيٍ للعديد من الأمراض الجلدية.
تقع مدينة سري كانيه ضمن محافظة الحسكة وتتميز بموقعها الاستراتيجي. وتبعد مسافة 85كم شمالاً عن مدينة الحسكة و90 كم غرب مدينة قامشلو.
وهي النقطة التي يعبر منها نهر الخابور إلى أراضي روج آفا كوردستان، ومجاورة للحدود التركية.
يعيش في سريه كانيه بالإضافة إلى الكرد وهم السكان الأصليين ومؤسسو المدينة خليط من العرب والسريان والأرمن والشيشان والتركمان, وتشكل بذلك فسيفساء سكانية اجتماعية متنوعة.
يُقدّر عدد سكان المدينة الأصليين بحدود 80000 نسمة بالإضافة إلى الآلاف من النازحين والمهجّرين من مناطق مختلفة من سوريا.
تاريخ المدينة عبر الزمن:
قَسمت رأس العين معاهدة / لوزان / عام 1923 / إلى شطرين. حيث وقع الشطر الواقع شمال خط سكة الحديد داخل باكور كردستان. وسميت / بجيلان بينار/ يعني غزال الربيع.
ولمدينة سري كانيه (رأس العين) أسماء كثيرة وليس فقط هذين الاسمين, فقد كانت تسمى بـ (اش وكاني أو واشوكاني في العهد الميتاني والتي تعني بالحرف الواحد الطاحونة والنبع باللغة الكوردية) وسميت في العهد الآرامي باسم كابارا نسبة إلى شيخ الآرامي” كابارابن قاديو”. وفي عهد بيت باضاني سميت أيضاً بـ “سي كاني” أي الثلاثين نبعاً وكان البعض يقول بأن عددها كانت يتناسب مع عدد أيام السنة وهي /360-365/نبعاً وسميت أيضاً بـ “غوزانا” في العهد الآشوري، و”رازيناوثاديوس” بولس في العهود الرومانية المختلفة وأطلق عليها اسم “راشو عينو” في العهد المسيحي السرياني” وقطف الزهور” و”عين الورد” حيث تم إطلاق الاسم الأخير من قبل القبائل العربية” بني تغلب .”ولها تاريخ عريق، وكانت من ضمن الحضارات الأولى في منطقة روج آفا.
يرجع تاريخ سري كانيه إلى العهد الحجري ثم العهد السومري والآرامي. والعهد الآشوري والحثي والميدي. واستمرت مملكة ميديا إلى أن انضمت إلى العهد الفارسي. ومن ثم العهد الروماني ثم الخلافة الأموية والعباسية. كما دللت الاكتشافات وعمليات التنقيب خصوصاً في تل الفخيرية الواقع ضمن مدينة سري كانيه. وكذلك الاكتشافات في تل حلف وبقية التلال الأثرية. اكتسبت سري كانيه شهرة واسعة في العهد الآرامي والآشوري .
اتخذها الميتانيون عاصمة لهم عام 1500 ق. م, ثم زحف الآشوريون على الدولة الميتانية واستولوا عليها ودمروا عاصمتها واشوكاني إلا انهم لم يستقروا بسبب الحروب بينهم وبين الحثيين الأمر الذي مهّد لظهور الدولة الآرامية التي أسسها الملك كابارا ويعتقد أن اسم نهر الخابور جاء من اسم هذا الملك.
في القرن العاشر ق. م قام تيفلات تلاصر الأول ملك آشور بغزو الدولة الآرامية ودمرها, ومنذ ذلك الحين أصبحت سريه كانيه وعموم منطقة الجزيرة السورية مقاطعة آشورية حتى انهيار هذه الدولة على يد الفرس ثم استولى عليها اليونانيون ثم الرومان وكانت المنطقة ميدان صراع بين الفرس والروم إلى أن استولى عليها الفرس عام 602 في عهد الإمبراطور فوكاس.
يذكر بأن مدينة سري كانيه هي الوحيدة التي قاومت الفتح الإسلامي، ودخلها الصليبيون بقيادة جوسلان كما تعرضت للغزو المغولي إبان حكم تيمور لنك الذي دمرها تدميراً شديداً.
تحدث الإدريسي في كتابه نزهة المشتاق عن ينابيع سريه كانيه قائلاً: ” رأس العين” أي سري كانيه “مدينة كبيرة فيها مياه نحو من ثلاثمائة عين عليها شباك حديد تحفظ ما يسقط فيها، ومن هذه المياه ينشأ معظم نهر الخابور الذي يصب في قرية البصيرة”.
قال ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان عنها: “هي مدينة مشهورة من مدن الجزيرة بين حران ونصيبين ودنيسر، وفيها عيون كثيرة عجيبة صافية وتجتمع كلها في موضع فتشكل نهر الخابور وأشهر هذه العيون أربع: عين الآس وعين الصرار وعين الرياحية وعين الهاشمية.
يقول الباحث الأثري الألماني فون أوبنهايم الذي ترأس حملة التنقيب في سري كانيه عام 1911من خلال تحليله للمكتشفات الأثرية في سري كانيه إنه كان هناك تبادل تجاري نشيط بين الشمال والجنوب، أي بين سوبارتو وسومر، اكتشف أوبنهايم مرفأً نهرياً كانت المراكب تنحدر فيه نحو الجنوب إلى الخابور ثم الفرات وتتابع أخيراً إلى جنوب العراق.
يعمل معظم سكانها بالزراعة المروية والتي تعتبر المورد الرئيسي للسكان, بالإضافة إلى التجارة والرعي في القرى المجاورة, ويتبع لمنطقة سري كانيه العديد من البلديات والنواحي والقرى والتجمعات السكانية الصغيرة وهي “علّوك، مبروكه، الأسدية، السفح، مختلة، المناجير.
كان من الزراعات الرائدة  زراعة الرز في منطقة سري كانيه والتي قام بها لأول مرة عائلة أصفر نجار.
الأماكن الأثرية:
تمتلك هذه المدينة الكثير من المعالم الأثرية ومنها تل حلف وتل الفخيرية وأماكن أخرى كثيرة، وتشتهر مدينة سري كانيه بينابيعها الكثيرة وفي واقع الأمر إن تلك المسميات للعيون التي ذكرها ياقوت الحموي غير مستخدمة حالياً ولا يوجد في رأس العين من يعرف مواقع العيون المسماة في كتاب الحموي. بل هناك أسماء أخرى لعيون ظلت طوال ستة آلاف عام موجودة إلى أن كان العام 1994 حيث راحت العيون تعلن بأسى أن المياه بدأت تقل. ومن أسماء هذه العيون: (عين الزرقاءـ عين البانوس ـ عين الحصان ـ عين سالوبا)
من أشهر الينابيع هو ما يعرف بـ نبع الكبريت وهو نبع مياه طبيعية معدنية تتميز بلونها الأزرق وتبلغ درجة حرارة هذا النبع 27 درجة مئوية. أما غزارته فقد بلغت حوالي 20 م مكعب / ثا وهي عبارة عن مياه معدنية طبيعية تحتوي على معدن الكبريت ويمكن شم رائحة الكبريت من مسافة بعيدة ولكن للأسف تراجع منسوب مياه النبع في السنوات الأخيرة مما دفع الجهات المعنية باستخدام مضخات خاصة لاستخراج مياه النبع من الباطن وصبها في مجرى نهر الخابور.
نهر الخابور: ينبع من منطقة سري كانيه من حوالي ثلاثمئة عين, يتجه شرقاً إلى الحسكة ثم يجري جنوباً ليصب في نهر الفرات عند البصيرة / قرقيسيا في محافظة دير الزور بعدما اجتاز الحسكة مسافة 440كم و يشكل ضمن مجراه جزرا نهرية (الحوائج) تستثمر كمنتزهات وأراضي خصبة للزراعة. نزل منسوب النهر كثيراً في السنوات العشرة الأخيرة بسبب جفاف الينابيع التي تغذيه وبسبب سوء استخدام مياهه وقلة الأمطار.
تاريخ المدينة مع النضال والمقاومة:
 في آذار 2004، انتفض أهالي سري كانيه كما باقي المدن والمناطق الكُردية، دعماً لتظاهرات أبناء مدينة قامشلو فيما سميت بانتفاضة روج آفا, نتج عن ذلك الى إراقة دماء كردية بريئة في المدينة وسجن الكثير من الناشطين الكرد وتم نهب وتخريب الممتلكات العائدة إليهم.
في عام 2011 تعرضت المدينة الى غزو عنيف من قبل الإرهابيين, وقصفت بعض شوارع المدينة بالطائرات, وجرت مواجهات ومعارك عنيفة استمرت لشهور بين القوات الكردية والمرتزقة مما أدى ذلك إلى تهجير قسم كبير من أهالي المدينة وتخريب وتحطيم الممتلكات الخاصة والعامة والبنية التحتية للمدينة، وتم تحريرها على يد وحدات حماية الشعب.
قدمت المدينة في مقاومة الكرامة ضد الجيش التركي المحتل الكثير من الشهداء دفاعاً عنها في وجه المرتزقة،  واضطر الأهالي إلى النزوح القسري لمدن وبلدات قريبة في إقليم الجزيرة بعد اشتداد القصف المدفعي و الجوي على المدينة، وأقيمت عدة مخيمات للجوء، لعل انتظارهم للعودة لا يكون طويلاً، وأملهم في وحدة صف كردي وقوات سوريا الديمقراطية، وهيئات دولية اممية، تعيد الأرض والبلاد لأهلها بعد أن تكشفت كل النوايا الخبيثة للعدوان التركي الذي  يرمي إلى إبادة كل ما يمت بصلة إلى الكرد، لكن إرادة واشو كاني ستنتصر في النهاية وتضحك ينابيعها من جديد.