سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

زلّة أردوغان

فارس بن حزام –

مثل كل القادة الديكتاتوريين، أوقعت الثرثرة الرئيس أردوغان في زلة كلامية لافتة، ولأن الحماسة والصراخ قاسمان مشتركان لدى هؤلاء؛ تتكرر الأخطاء والزلات والاعترافات الضمنية والادعاءات، وفي الحالة التركية، وجد الرئيس نفسه معترفاً بما آلت إليه الأمور في بلاده، عندما قال ما نصه حرفياً: “لا يزال البعض يحنون إلى حدوث ربيع تركي، في حين تحول كل مكان جلبوا له الربيع إلى شتاء حالك”. ومعروف أن استخدام مصطلح “ربيع” وقع على بلدان عانت أوضاعاً سياسية واقتصادية سيئة، وهنا، دان الرئيس نفسه، وأطلق النار على قدمه، وربما الإرباك نتيجة الانتخابات البلدية مازال مستمراً، فتحدث عقله الباطن بالإنابة عنه، والزلة لم تتوقف عند “الربيع”، بل امتدت إلى الشتاء المظلم، وهنا إقرار آخر بنتيجة التغيير السلبي في 2011.
ولكن لنعد قليلاً إلى ذاك العام، عندما تغيرت الأوضاع في خمس دول، ماذا كان وضع تركيا تجاه الحراك الواسع؟ لقد وقفت بكل قوة مع التغيير، والرئيس أردوغان نفسه كان الأكثر حماسة لرؤية تقدم “الإخوان” إلى الصفوف الأولى، وما أن هدأت الأوضاع قليلاً، حتى زار مصر وليبيا وتونس في أيلول 2011، ورسم لزيارته مساراً شعبياً، أكثر من كونها سياسية، فمن كان يخاطب الرئيس في جملته عن “الربيع التركي” و”الشتاء الحالك”؟ إن كان قصده السعودية والإمارات، فموقفهما معروف مما جرى في مصر وتونس وليبيا واليمن، وإن كان يعني قطر، فـ”الإمبراطورية” تفاخر بتغييرها الأنظمة، وإن كان يتحدث عن بلاده، فهي شريكة في كل تلك التحولات التي حدثت في العالم، إذا ما استثنينا سوريا.
ولذا، إذا ما اعتبره الرئيس التركي “ربيعاً”، فهو شريك فيه بدعمه الصريح، وإذا ما اعتبره “شتاءً”، فأتباعه من جماعة “الإخوان” حولوا “الربيع” إلى ساحات قتال وإرهاب، وكل ذلك تحت رعايته وقيامه بإرسال السلاح، واستضافة المطلوبين، وتزويدهم منصات سياسية وإعلامية، وكانت العلاقة ولا زالت في أوجها مع المجاميع المرتزقة والإرهابية، حيث كانت جميع الطرق سالكة لهؤلاء عبر الأراضي التركية ومطاراتها.
 فيما كان قد قدم نصيحةً لحلفائه إخوان مصر، بعدم الاستفراد بالسلطة وهو أول من خرق هذا البند عندما غير النظام البرلماني إلى رئاسي. لكن؛ أتباع المرشد لم يأخذوا بنصيحة “سلطانهم” اليتيمة، فبطروا واستبدوا، وشكلوا جمعية دستور كانت لهم فيها الغلبة، وتسلط الإسلاميون، وتململ المصريون، وتحرك الجيش، فأسقط النظام الإخواني في مصر.
وكيف بحاكم مستبد أن ينصح الآخرين وهو ذاته يضرب شمالاً ويميناً عرض الحائط، كل قوانين الديمقراطية ليصبح الحاكم الأوحد، وطبق في تركيا عكس الأقوال التي تحدث عنها، فاستحوذ على كل شيء وأصبح يدير تركيا كما لو كانت دولة في عهد السلاطين، وكانت النتائج هزيمته في الانتخابات البلدية، وتراجع اقتصاد تركيا وخسارة الليرة التركية الكثير من قيمتها، وقد تحمل الأيام القادمة مفاجآت كثيرة.