سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

زعماؤنا أشد خطورة من كورونا

محمد أرسلان (كاتب)-

اعتدنا أن نعايد بعضنا بالخير والسعادة في نهاية كل عام وبداية العام الجديد على أن يكون كله سعادة وأمل وفرح، وأن يقرب الله البعيد ويتخلص من الغربة القاتلة التي تفرق بين الأهل والأصدقاء، ونحن في الربع من القرن الحادي والعشرين وما نعيشه من حروب وويلات وأمراض وأوبئة، تغيرت معها بعض عاداتنا بعض الشيء وكذلك ستتغير ثقافاتنا وتعاملنا.
عام جديد ندخله وربما سيكون بثقافة وعادات جديدة يفرض علينا التحول وقبوله كواقع وحقيقة، وكل ذلك يتم بدافع قوة خارجية موضوعية تفرض علينا ما يريدون وكيف علينا أن نكون، وهذا ليس بجديد بكل تأكيد وهو تكرار لما حدث قبل قرن من الزمن خلال الحربين الكونيتين الأولى والثانية، حينها أيضًا فُرض علينا الكثير من العادات والثقافات الجديدة والدخيلة علينا، رفضناها في بداية الأمر ولكننا تعايشنا معها رويدًا رويدًا حتى باتت جزءًا من شخصيتنا التي لم نعد نعيش من دونها، أو بالأحرى صرنا نقدسها وكأنها الحقيقة المطلقة.
صارعنا الاستعمار الخارجي الذي سعى لتقسيم المنطقة وتفتيتها وفق أطماعه وأجنداته الاستغلالية، حيث وضعوا لنا دستوراً نسير على هُداه وشكلوا لنا برلماناتنا وحكوماتنا وحتى تم تعيين البعض من زعمائنا ليكونوا زعماءنا الخالدين، ورسموا راياتنا وأعلامنا التي باتت جزءًا مهمًا من كياننا، وفي النهاية رسموا لنا حدودًا مقدسة نعتوه بالوطن، كل ذلك تم حفره داخل شخصيتنا تارة عنوة وأخرى برضانا بعد أن تم إقناعنا بأن الحرية لن نعيشها إلا من خلال تلك المصطلحات التي تحولت إلى سجن يضيق علينا وأصبحنا أسرى له.
قرن من الزمن ونحن نعيش في سجن كبير اسمه الأمة القومية والأمة الدينية اللتان تحولتا إلى شعار اقتدينا به بكل هيجان وحماسة لتحرير ما سلب منا من أرض مقدسة، وشغلونا بهذه البقعة من الأرض على أنها أرض الميعاد، وجعلونا ننسى أو أننا تناسينا أن الحرية تبدأ من الذات وعلينا أن نحرر أنفسنا من تلك المصطلحات الدخيلة على عقولنا قبل التفكير بتحرير الأرض، نسينا تحرير الإنسان الذي هو عماد الحياة ومعناها، تمسكنا بالحياة وتركنا المعنى والجوهر، وبذلك صارت حياتنا دون معنى وهدف وجوهر.
الآن وبعد قرن من الزمن يريدون إعادة نفس السيناريو ثانية بمصطلحات هي نفسها ولكن بعد أن وضعوا عليها مئات الأقنعة ليخفوا حقيقتهم لنعيش الوهم ثانية، عقد من الزمن يمر على ما سمي بالربيع العربي ونكرر ذاتنا وغباءنا وكأن الفردوس المفقود هو مستقبلنا، منذ الثورة العربية الكبرى 1916 وحتى الربيع العربي 2010، لم نفهم اللعبة بعد ونكررها بمزيد من الضحايا والقرابين من أجل عيون الزعماء الخالدين والملهمين الذين يسوقوننا نحو مسلخ الشتات والمجهول ليعيشوا هم على وهم سلطة ليست لهم بالأساس.
عام جديد ندخله بعد صراع دامٍ مع فيروس كورونا والشعوب والمجتمعات تعمل جهدها لتجنبه رغم المعاناة التي يعيشونها بالأساس، بتنا نحارب على كثير من الجبهات في آنٍ واحد فقط من أجل أن نحلم بيوم نعيشه بكرامة، حتى أصبح كورونا أخف وطأةً من زعمائنا الذين يفتكون بالإنسان وكل ذلك تحت مسمى السيادة والوطن والدولة والقضاء على الإمبريالية وأذنابها.
بعد عام من كورونا اعتدنا على كيفية التأقلم مع هذا الفيروس كي نحمي أنفسنا من تداعياته المرضية الصعبة، ولكن رغم ذلك تكيفنا مع التعايش معه بعد أقل من عام، وذلك باتخاذ بعض الاحتياطات اللازمة الواجب اتخاذها وبعض التغييرات في سلوكياتنا وعاداتنا وثقافاتنا، لكن في نهاية الأمر هناك حالة من الإدراك لتجنب هذا الفيروس، لكن الشيء الذي لم نعتد عليه حتى الآن هو أننا لم نتأقلم مع زعمائنا رغم مرور عقود على اعتلائهم عرش السلطة ورغم كل المصطلحات الرنانة والشعارات التي يطلقونها.
لم يعد الزعماء مقدسين رغم كل ما يشيعونه ويقولونه بأنهم يحاربون المؤامرات الكونية التي تضرب الدولة والزعيم، لأننا نرى كيف أن الوطن استُبيح تحت مسمى صراع آلهة السلطة والمال والفساد والسرقات، نرى كيف أنَّ الجميع يستغل الشعب في حروبه العبثية من أجل السلطة وكذلك من أجل كورونا.
سوريا التي كانت مهد الحضارة وكذلك العراق اللذين نشرا العلم والمعرفة؛ كيف تحولا لوطن يعيث فيه فاسدو الوطن والكرامة فسادًا وظلمًا وقتلًا وتهجيرًا من أجل سلطتهم، حتى أننا تكيفنا بالعيش مع كورونا خلال عام واحد فقط، لكننا لم نتأقلم ولم نتكيف العيش مع زعمائنا رغم مرور عقود على اعتلائهم عروشهم السلطوية، تعلمنا وبإرادتنا كيف نحمي أنفسنا من كورونا، لكننا لم نتعلم حتى الآن كيف نحمي ذاتنا من الزعماء والرؤساء والمرتزقة.
أردوغان الذي لا يقل عن أقرانه إرهابًا وظلمًا بما يقوم به من قتل وتهجير وتدمير للبلاد والعباد واستغلال الدين والقومية، بات يشكل تهديدًا كبيرا على الإنسان في عموم المنطقة من مشرقها لمغربها، حتى كورونا الذي يرهبوننا به لا يشكل ذاك التهديد على الوجود الإنساني من الناحية النفسية والمجتمعية والاقتصادية، أنه أسوأ من كورونا بمرات عدة.
معظم قوى الهيمنة تفكر في كيفية التخلص من كورونا، وذلك باكتشاف اللقاح والمصل المضاد له كي يتاجروا به على حساب الشعوب، لم يفكروا حتى وقتنا الراهن في كيفية التخلص من كورونا زعاماتنا الذين لا يقلون خطوة وتهديداً على الإنسان والبشرية.