سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

دير الزور… عروس مدن الفرات

عبد الرحمن محمد –
التسمية:
على ضفاف الفرات وتحت تلة اصطناعية عرفت بـ «الدير العتيق» مازال الكثير من التاريخ مدفوناً، وما يظهر منه يُعرف بمدينة «دير الزور» التي عرفت عبر التاريخ بأسماء عدة، فكانت «لاقا» في عهد مملكة ماري الآمورية في الألف الثاني قبل الميلاد، ثم «آزدرا» في عهد الرومان، وكانت ضمن حكم فيدرالي إبان حكم زنوبيا لتدمر، ومن تسمياتها «دير بصير»، وأسماها العرب «الفراض» وتعني المرفأ النهري، وكذلك سميت بـ « دير الرمان، والدير، ودير البصير، جديرة، و دير الرحبة، ودير الشعار» وفي العهد العثماني غلب عليها اسم دير الزور الذي يعيده البعض لـ «زأرة» الأسود التي كانت في المنطقة فيما يعيدها آخرون إلى «ازورار» النهر وانعطافه عند موقع المدينة.
الموقع والبيئة الجغرافية والمناخ
في محيط صحراوي، وعلى نهر الفرات شريان سورية تقع مدينه دير الزور كبرى مدن الشرق السوري وأبرزها، وتبدو كواحة خضراء خصيبة، وصخور جصية وحجر كلسي بازلتي في بعض مناطقها، حيث آثار بركانين خمدت منذ عصور في منطقتي تل بروك وتل عياش، وتبعد مسافة 450كم شمال شرق دمشق وكذلك مسافة 320كم شرق مدينة حلب.
الغطاء النباتي والبيئة السائدة هي بيئة ونباتات البادية، ومنها النباتات المعمرة والحولية كالصفصاف والشيح والخزامى وغيرها، والقصب النامي على ضفاف النهر، وفيما يساهم النهر في تغيير كبير في مناخ المدينة إلا أنَّ ما يحيط بها مناخ صحراوي قاسٍ نوعاً ما بسبب تفاوت درجات الحرارة بين الليل والنهار وكذلك بين الصيف والشتاء، وكذلك فإن عدداً من الحيوانات النهرية والصحراوية يتواجد فيها رغم أنَّ الكثير منها انقرض كالفهود والأسود والغزلان، ومازالت بعض الضواري تعيش في بعض مناطقها إضافة لبعض الطيور كالصقور والنسور والهدهد والحجل والدوري.
دير الزور …. عبق التاريخ ومثال الوطنية
كانت دير الزور إبان الحكم العثماني في المنطقة شوكة في عيون السلطنة، وكانت أولى الانتفاضات المميزة ثورة عام 1858م التي عمت أغلب مناطق الفرات، ومن ثم كان تمرد عام 1865م وقمعها وتحويل المدينة إلى قائمقامية، واُنشئت فيها دار السرايا، وثكنة عسكرية ومشفى وسوقاً وقدم إليها بعض السكان من مدن أورفا وغيرها، وبعد ثلاثة أعوام تحولت دير الزور إلى متصرفية ترتبط مباشرة بالصدر الأعظم، وازدهرت في تلك الفترة التي امتدت حوالي النصف قرن، وكانت تشمل مناطق الرقة والحسكة، وشهدت المتصرفية افتتاح المدارس وحملات تشجير، وازدهاراً عمرانياً شمل المباني وافتتاح الشوارع، حتى نشوب الحرب العالمية الأولى ومن ثم بدأت حملة «مذابح السيفو» من قبل السلطنة ضد الأرمن والآشوريين والسريان، والتي كانت قمتها في أيار 1915م وكانت دير الزور ملاذاً لمئات الآلاف منهم مع ذلك طالهم القتل والإبادة، واليوم تعرف دير الزور كمحج ومكان ذي طابع خاص بالنسبة للأرمن، بعد أن أعلنها الكاثوليكوس آرام الأول عام 2002 م محجاً للأرمن. كما أنَّها تضم كنيسة ومتحفاً خاصاً بهم.
بعد أن وضعت الحرب أوزارها، وانسحب العثمانيون من دير الزور كان لابدَّ من رادع للجم الفوضى العامة، وكانت المبادرة من الشخصية الوطنية «الحاج فاضل العبود» الذي كان رئيساً للبلدية وبحكم علاقاته وتواصله استطاع كسب تحالف العشائر معه وكبح جماح الفوضى وتشكيل حكومة مدنية لضبط أمور الأمن والشؤون المدنية، عُرفت فيما بعد بـ حكومة الحاج فاضل.
استغلت بريطانيا الفراغ الحاصل واستطاعت احتلال دير الزور في 11كانون الثاني1919م. ولكنها لم تستطع البقاء فيها سوى أقل من عام بفضل المقاومة ورفض الاحتلال الإنكليزي رغم أنَّها حاولت كسب ودِّ المواطنين وافتتحت المدارس وعملت على إنعاش الحياة الاقتصادية والاهتمام بالأمور البلدية وخرجت من الدير في 27 كانون الاول 1919م.
وكما كان الحال مع العثمانيين كان مع الفرنسيين فمنذ دخول فرنسا الدير في تشرين الثاني 1921م. اندلعت الاحتجاجات والمظاهرات في وجهها، واعتقلت فرنسا «الحاج فاضل العبود» وأودعته سجن القلعة في حلب، وتكرَّر اعتقاله بالإضافة إلى عددٍ من الشخصيات المعروفة، وتشكَّلت أولى المجموعات الثورية لمقاومة المستعمر الفرنسي. وكانت الضربات الموجعة ومنها قتل ضباط فرنسيين في منطقة عين البو جمعة، على طريق دير الزور الرقة، لتقوم فرنسا بقصف القرى بالطائرات وارتكبت مجازر وحشية بحق الأهالي في ذلك الوقت.
كما كانت المحاكمات الفرنسية بحق الثوار والتي انتهت بنفي عائلات العديد منهم، والحكم بالإعدام رمياً بالرصاص على المناضل «محمود العياش» ومجموعة مناضلين آخرين في 15 أيلول 1925م. كذلك اغتيال المجاهد عياش الحاج المنفي إلى جبلة هناك، وكان لدير الزور حضورها ودورها في إضرابات عام1936م، وكانت ثورة القمح ختام التظاهرات حتى نيل سوريا استقلالها عام 1946م.
الموارد الاقتصادية في دير الزور
أهملت المدينة اقتصاديا في فترات متقطعة وكان لهجرة الأرمن إليها انتعاشاً سكانياً للمدينة وازدياد الكثافة البشرية والتقدم في المهن والأشغال اليدوية والحرفية، وفي الوقت الذي كانت فيه متصرفية شهدت بعض التقدُّم والاهتمام، كما أنَّها شهدت افتتاح أول مصرف عام 1930م. ومنذ بداية الخمسينات عرفت زراعة القطن واستعمال المحركات في الري، وكان لاكتشاف البترول والغاز في حقول قريبة منها التأثير الكبير في الانتعاش الاقتصادي، كذلك اكتشاف الملح، وإقامة العديد من الشركات والمؤسسات المحلية والأجنبية فيها، فانتعشت الأسواق المحلية المتميزة وراجت التجارة والأسواق الصناعية والحرفية والزراعية، والصناعات الخفيفة والتحويلية، بالإضافة الى تنظيم الزراعة بعد انتظام جريان مياه نهر الفرات عقب إقامة سد الفرات، بالإضافة إلى تطور الزراعات الأخرى والثروة الحيوانية وتربية المواشي والأبقار والدواجن.
معالم ثقافية من دير الزور
كان الجسر المعلق الذي بُني عام 1925م. إبان الانتداب الفرنسي، كدلالة رمزية عرفت بها دير الزور، وكان كعلامة فارقة في هويتها الحديثة، والذي تعرَّض للتدمير وكذلك تمثال الشاعر الكبير محمد الفراتي الذي دمر أيضاً، إضافة إلى التاريخ العريق للمنطقة والتي تعود لما يقارب من الألف التاسعة قبل الميلاد، وعرفت على مدى التاريخ بممالك كان لها شأنها الكبير فيما حولها ومنها مملكة ماري، آثار حلبية وزلبية وكذلك موقع دورا أوروبوس الأثري، وكذلك الأسواق الشعبية الواسعة المغطاة وبأرضياتها المرصوفة بالحجارة، ودار الكتب الوطنية ومتحف المدينة، والمقاهي والمتنزهات في محيط النهر ومناطق سياحية اخرى.
المصادر:
ويكيبيديا- الموسوعة الحرة .
موقع اكتشف سوريا.