سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

دولة الاحتلال وتوليفتها الإرهابية… تاريخٌ حافلٌ بالمآسي

حمزة حرب_

بعد أن حولت القوى الدولية والإقليمية حراك الشعب السوري إلى أزمة معقدة مستعصية على الحل وبروز المرتزقة، وأمراء الحرب الذين اقتاتوا على آلام المدنيين ومعاناتهم فاليوم بفعل دولة الاحتلال التركي، لم يعد هناك من يمثل حراك الشعب السوري في المناطق المحتلة من عفرين، إلى إدلب، وجرابلس، وإعزاز وسري كانيه وغيرها من المدن والبلدات بعد تحول المنطقة، لبؤرة إرهابية وبنادق مأجورة تلبي تطلعات دولة الاحتلال داخل سوريا وخارجها من أذربيجان إلى ليبيا وصولاً إلى النيجر، ومن تبقى داخل الأراضي السورية المحتلة يخوض معاركه وفق شريعة الغاب بين المجموعات المرتزقة للهيمنة على الموارد المالية والحواجز التي تدر عليهم الإتاوات والمغانم في منطقة تعتبر آمنة بامتياز للمرتزقة الإرهابيين وعلى رأسهم متزعمو مرتزقة داعش.
توليفة إرهابية للارتزاق
دولة الاحتلال التركي ولتنفيذ أجنداتها استعانت بأدواتٍ لها على الأرض ووضعتهم في بوتقتها الخاصة لخلق توليفة إرهابيةٍ مرتزقة، وحرف مسار الحراك الشعبي في سوريا وذلك بإهمال الشخصيات الفاعلة، والتي تمتلك أدوات وآليات قيادة المجتمع، وتسليط الضوء على شذاذ الآفاق وتصدرهم المشهد القائم اليوم كما هو الحال في المناطق المحتلة.
فتحت عباءة الاحتلال وبشرعنة ما يسمى بالائتلاف الأخواني، وبعض قيادات ما يسمى بالمجلس الوطني الكردي، الذي ظل يقتل المدنيين ويسبى النساء ويختطف الأطفال ويتاجر بمصائر الشعوب ويحافظ على متزعمي مرتزقة داعش وعلى رأسهم الإرهابي أبو بكر البغدادي الذي قتل داخل مناطق سيطرة المرتزقة.
ومن أبرز تشكيلات المرتزقة القابعين تحت عباءة دولة الاحتلال هم:
أحرار الشرقية الإرهابي ومتزعمه المرتزق أحمد إحسان فياض الهايس، الملقب بـ”أبو حاتم شقرا”، وهو قاتل الأمينة العام لحزب سوريا المستقبل هفرين خلف، وهذا التشكيل الإرهابي، الذي أُسِّس عام 2016 بعد أن حصل على تمويل خليجي بلغت قيمته نحو 500 ألف يورو. لكن؛ لم تمر بضعة أشهر على عملياتها العسكرية ضد قوات حكومة دمشق، حتى بدأ الفساد يظهر داخل صفوف المرتزقة وأصبح العديد من القادة المقربين من شقرا أداة ضد المدنيين في المنطقة، وبدأ فرض الأتاوات ونهب الأموال، وابتزاز التجار وبعد أن توقف الدعم الخليجي رمى شقرا نفسه ومرتزقته في أحضان دولة الاحتلال التركي وصولاً إلى العام 2019 إبان احتلال سري كانيه وكري سبي/ تل أبيض.
مرتزقة الحمزات أو فرقة الحمزة: وهي مرتزقة دربتهم دولة الاحتلال وأعلنت عن تأسيسها عام 2016 وانضمت إليها جماعة مرتزقة تركمانية تدعى “لواء سمرقند” نسبة إلى مدينة سمرقند في أوزبكستان هذه المجموعة كانت إحدى أولى الجماعات التركية، التي دخلت لاحتلال مدينة جرابلس السورية عام 2017 من بوابة قرقميش برفقة دولة الاحتلال التركي وسيطرت على المدينة بتعاون مع مرتزقة داعش التي كانت تسيطر على المدينة حينها وهناك تقارير تؤكد أن معظم عناصر مرتزقة داعش وقادتها انضووا داخل صفوف مرتزقة الحمزات.
فيلق الشام تشكل عام 2014 وهو عبارة عن تجمع لمرتزقة متطرفين مقربين من جماعة الأخوان المسلمين في حلب، وإدلب، وحمص، وحماة، إلى جانب مرتزقة حركة نور الدين الزنكي التي تعد واحدة من أهم المجموعات المدعومة من قبل دولة الاحتلال التركي والتي تشكلت في ريف حلب أواخر عام 2011 لتتحالف فيما بعد مع مرتزقة هيئة تحرير الشام الإرهابية، قبل أن تنشب خلافات بينهما وتتحول إلى مواجهات عسكرية انتهت بانفصالها عن الهيئة.
حركة أحرار الشام: فهي إحدى المجموعات السلفية التي نشأت في السنوات الأولى من الأزمة السورية وذلك باتحاد أربع مجموعات مرتزقة جهادية هي “كتائب أحرار الشام، وحركة الفجر الإسلامية، وجماعة الطليعة الإسلامية وكتائب الإيمان” وتعتمد هذه المجموعة في تمويلها على تركيا، ودول الخليج، وشبكات راديكالية إقليمية.
أما مرتزقة الجبهة الشامية فهي اتحاد لمجموعات سلفية راديكالية من مدينة حلب وهي كتائب نور الدين الزنكي، وبقايا لواء التوحيد، وجيش المجاهدين، والجبهة الإسلامية، وتجمع “فاستقم كما أمرت، وجبهة الأصالة والتنمية، وبقايا حركة حزم ومئات المجموعات المرتزقة الأخرى”.
معظم هذه التشكيلات الإرهابية جمعتها دولة الاحتلال التركي ضمن توليفة خاصة أطلقت عليها اسم “الجيش الوطني” وذلك ضمن محاولة المحتل التركي للتلاعب بالمصطلحات ومحاولة إضفاء نوعٍ من الغطاء الشرعي على هذه الشرذمة التي تفتقد لأدنى معايير الوطنية.
العصا الغليظة لدولة الاحتلال التركي
عام 2012 أعلنت مرتزقة جبهة النصرة في سوريا، والتي كانت جزءًا من مرتزقة داعش وجناحها في سوريا لكن سرعان ما تعالت طموحات متزعمها الإرهابي أبو محمد الجولاني في تشكيل إمارته المستقلة المبايعة لـ “تنظيم القاعدة الإرهابي” ومتزعمها أيمن الظواهري عام 2013 لتصبح الذراع السوري للتنظيم الإرهابي.
عام 2016 وكحيلة للهروب من العقوبات الأمريكية التي فرضت على مرتزقة الجبهة تم دمجها مع عدة مجموعات مرتزقة وتحويل اسمها إلى “جبهة فتح الشام” وكل ذلك برعاية وتخطيط من دولة الاحتلال التركي، لتتقاتل هذه المجموعات فيما بينها وتتنازع على السلطة والتي نتج عنها في نهاية المطاف انسلاخ لمرتزقة النصرة وانضمامها لمجموعات مرتزقة أخرى وتشكيل هيئة تحرير الشام الإرهابية عام 2017 ولا زالت تحت هذه الراية وبزعامة المرتزق أبو محمد الجولاني أيضاً وإلى يومنا الحاضر.
لكن بنظر المجتمع الدولي وحكومة دمشق وحلفائها لم يشفع لمرتزقة الهيئة الإرهابية تغيير جلدها بين الفينة والأخرى، ولا زالت محشورة في زاوية التنظيمات الإرهابية على الرغم من عديد المحاولات لمتزعمها بتسويق نفسه على أنه معتدل وفق توجيهاتٍ من دولة الاحتلال التركي لتسويقه إلى المجتمع الدولي إلا أنها باءت بالفشل وبقيت الهيئة تنظيماً راديكالياً إرهابياً يعمل بمهمة الارتزاق وخنجراً مسموماً في جسد السوريين وتطلعاتهم.
فدولة الاحتلال التركي ترى في مرتزقة الهيئة العصا الغليظة، التي تؤدب بها شرذمة مرتزقتها وشذاذ آفاقها التي جمعتهم من كل حدبٍ وصوب، فكلما حاول فصيل أن يغرد خارج السرب يرى أنه يبقى لقمة سائغة للهيئة الإرهابية، وهذا الواقع فرضته توافقات وصفقات أبرمت تحت سقف خيمة ما سمي بأستانا على حساب من هجروا قسراً من أراضيهم في عفرين وسري كانيه وكري سبي إلى جانب إدلب وجرابلس ومارع والباب.
انتهاكاتٌ وجرائم موصوفة
من أبرز الجرائم الموصوفة والتي تنتهك كل الأعراف والقوانين الدولية هي أشراف المرتزق أبو حاتم شقرا متزعم مرتزقة أحرار الشرقية، إبان احتلال كري سبي وسري كانيه على عملية اغتيال للسياسية الكردية والأمنية العامة لحزب سوريا المستقبل الشهيدة “هفرين خلف” واثنين من مرافقيها بالقرب من قرية “الارتوازية “الواقعة على الطريق الدولي M4 شمال الرقة.
ووفق الكثير من الأدلة والوثائق، فإن مرتزقة أحرار الشرقية مسؤولة عن اختطاف أكثر من 200 شخص من المدنيين الكرد في عفرين المحتلة بغرض طلب الفدى المالية، إلى جانب احتجاز أكثر من 150 شخصاً من مدينة سري كانيه المحتلة للهدف ذاته، وغالبيتهم من المارين على طريق (M4) كما وثقت تقارير حقوقية عن تورط أبو شقرا عن عمليات تهريب لمتزعمين بمرتزقة داعش الإرهابي بمبالغ تتراوح بين 50 ألف إلى 100 ألف دولار أمريكي.
وهذه الجرائم هي ديدن مرتزقة الاحتلال التركي، وأن اختلفت مسمياتهم وعلى رأسهم مرتزقة لواء السلطان مراد الذي يمثل غالبية الجماعات التركمانية المرتزقة في ريف حلب الشمالي ومدينة حلب وكانت نتاج اندماج مجموعات مرتزقة “السلطان محمد الفاتح” في ريف حلب ومرتزقة “زكي تركماني” ومرتزقة “أشبال العقيدة ” مع مرتزقة “السلطان مراد” لتصبح المجموعة الأبرز التي شكلتها دولة الاحتلال وقدمت لها التمويل العسكري واللوجستي.
فإلى جانب الانتهاكات التي ترقى لتكون جرائم حربٍ وجرائم ضد الإنسانية لا زالت هذه المجموعات ترتكب أفظع الجرائم بحق السكان الأصليين في المناطق المحتلة وعلى رأسها عفرين التي يعيش من تبقى من سكانها الأصليين تحت وطأة الظلم والجرائم والبطش والممارسات اللاإنسانية التي تنتهك كل معايير الإنسانية ومعظم هذه الانتهاكات توثقها منظمة حقوق الإنسان عفرين – سوريا التي تحدثت عن جرائم الاحتلال ومرتزقته الإرهابية خلال السنوات الست الماضية أفضت عن استشهاد أكثر من 706 مدنيين، إلى جانب العشرات من حالات الانتحار بسبب القهر والظلم، علاوة على 397 عملية اعتداء على المدنيين لأسباب مختلفة.
أما النساء العفرينيات فلم يسلمن من هذه الانتهاكات، إذ باتت سجون المرتزقة الموزّعة على المدينة وريفها تعجّ بالمئات منهن، فخلال تلك المدّة اختُطف أكثر من 9008 مدنيين، بينهم 1100 امرأة، و600 طفل ولا يزال مصير ثُلثهم مجهولاً.
كما استولت المرتزقة على أكثر من 1189 منزلاً ومحلاً تجارياً وأرضاً زراعية تعود ملكيتها لمن هجر قسراً من المدينة المحتلة، و312 حالة بيع لمنازل هؤلاء المهجرين، والاستيلاء على الممتلكات العامة، والتي تُقدّر بسبعة آلاف محل تجاري وعشرة آلاف منزل، وذلك بحسب منظمة حقوق الإنسان عفرين – سوريا.
وكل ذلك يأتي في ظل ممارسات دولة الاحتلال التركي بتتريك هوية عفرين وعموم المناطق المحتلة وتغيير أسماء القرى والبلدات والمناطق والمرافق العامة إلى أسماء تركية وفرضت التدريس باللغة التركية وفرض التداول بالعملة التركية ومن المفارقات أن هؤلاء المرتزقة يطلقون على المناطق المحتلة باسم المناطق المحررة وهم لا يملكون من الحرية تقرير حركتهم اليومية.
بنادق مأجورة
ووسط كل هذا الارتهان لدولة الاحتلال التركي التي حولتهم لمرتزقة وبنادق مأجورة برواتب وهمية وصلت أحياناً إلى 2000 دولارٍ امريكي، حيث تكشف وثائق رسمية عن إرسال دولة الاحتلال ما مجموعه 12835 مرتزقاً من المجموعات المرتزقة الإرهابية موزعين وفق ما يلي: 1910 مرتزقين من مرتزقة السلطان مراد الإرهابي، 1810 مرتزقين من الحمزات الإرهابي،430 مرتزقاً من لواء صقور الشمال الإرهابي، 1170مرتزقاً من فرقة المعتصم، 790 مرتزقاً من فيلق الرحمن، 600 مرتزق من أحرار الشرقي، 585 مرتزقاً من جيش الإسلام، 400 مرتزق من لواء الوقاص، 350 مرتزقاً من لواء سمرقند، 365 مرتزقاً من فيلق الشام، 80 مرتزقاً من هيئة تحرير الشام، 1200 مرتزق من فرقة سليمان شاه، 150مرتزقاً من لواء المعتصم بالله، 150 مرتزقاً من الفرقة التاسعة، 978 مرتزقاً من فيلق الماجد، وجميع هذه المجموعات المرتزقة هي قوام ما شكلته تركيا من تشكيلٍ إرهابيٍ مرتزق أطلقت عليه اسم “الجيش الوطني”، والذي يفتقد لأدنى معايير الوطنية السورية ويقاتل لتحقيق أطماع دولة الاحتلال في الداخل والخارج.
حملات الارتزاق لم تقتصر على ليبيا فقط، بل طالت أذربيجان والصومال واليمن وصولاً إلى نيجيريا مؤخراً بعد أن تم إغراؤهم بمبالغ مالية كبيرة من أجل المشاركة في النزاعات هناك، وفق عقود ارتزاقٍ نظامية مدتها ستة أشهر، مقابل راتبٍ شهري بلغ 1500 دولار أمريكي، مع تعويض يصل إلى 35 ألف دولار أمريكي في حال الإصابة، و60 ألف دولار أمريكي لعائلتهم في حال الوفاة، حيث سارع أكثر من 800 مرتزق يتبع لفرقة السلطان سليمان شاه أو العمشات للتوقيع على عقود الارتزاق الخارجي هذه والاستعداد للانخراط في حرب نيجيريا، فدولة الاحتلال تتفنن في إيجاد الأكاذيب وتسويقها لإغراء العناصر المرتزقة عبر أدواتها وهم قادة مرتزقة الجيش الوطني السوري للتعتيم الإعلامي، حيث تتمثل الأولوية في تحقيق مصالحها الخارجية على حساب الأوضاع الإنسانية والاستقرار داخل سوريا.
مستقبل قاتم 
واقع المناطق المحتلة مأساوي ويفتقد لأدنى معايير الإنسانية والأمان والحياة الكريمة لذا يعتبر مستقبل هذه المجموعات المرتزقة الإرهابية التي أضاعت البوصلة وارتهنت لدولة الاحتلال التركي هي الاضمحلال والاندثار.
فإما سيقضى عليها نتيجة حالة التنافس والصراع الداخلي أو توضع على طاولة البازار السياسية وفق مقايضاتٍ يكون عرابها دولة الاحتلال التركي ووقودها شرذمة المجموعات الإرهابية والمرتزقة.
أما عن هيئة تحرير الشام الإرهابية والتي وصفها خبراء بأنها ” قاعدية الفكر، داعشية التنفيذ” لأنها فرعٌ من تنظيم القاعدة يتبع نمط داعش في السيطرة والبطش.
فما نتابعه من تظاهراتٍ عارمة في مناطق سيطرتها ما هي إلا تهيئة الظروف للتخلص منها بقرارٍ إقليميٍ ودولي ويرجح أنه تم عقد الصفقة في آستانا 21 وقدمتهم دولة الاحتلال قرباناً لموسكو وطهران، مقابل الحفاظ على مصالحها ومحاولة توسيع رقعة احتلالها.
مراقبون يرون أن هذه المعطيات تلقي على كاهل المدنيين السوريين عبئاً كبيراً يتطلب إعادة النظر في مستقبل بلادهم بعيداً عن هذه التنظيمات الإرهابية الراديكالية ذات التاريخ الدموي الحافل والتي لم تحقق للشعب السوري إلى مزيد من المآسي والكوارث وإضاعة بوصلة حراكه الشعبي العادل.