سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

دور الكرد في حماية المنطقة من التقسيم ـ2ـ

محمد علي أرسلان – القاهرة_

هناك الكثير من الأسئلة الفلسفية، التي يمكن طرحها، ولكن نكتفي بالمهمة منها؛ لأنها تُغني عن الأسئلة الأخرى بالوقت نفسه، وهي التي أوضحت لنا بعض الشيء ما نعيشه الآن، ومجمل هذه الأسئلة بشكل عام، تعتمد منطقين على الأكثر، وهما الزمان والمكان، واللذان لهما أهمية كبيرة، لا يمكن الاستغناء عنهما في أي عمل نقوم به، لأن (الزمكان) من أحد أهم قوانين الديالكتيك، والتطور الطبيعي والمجتمعي، ومن دونه سيكون المجتمع مشلولاً، لا فائدة مرجوة منه.
وعلى الطرف الآخر، كانت هناك حالة من اليقظة الكردية، التي كانت منذ قرن من الزمن في حالة من السبات، والاضطهاد، والتقسيم، والتشريد، نتيجة السياسات، التي اتبعتها النظم الحاكمة عليهم تحت مسميات شتى، فقد لاقى الكرد في القرن العشرين أنواع المظالم، والقتل، والجوع، والتهجير كلها من موطنه، الذي عاش فيه آلاف السنين، فتم تشريده وجعله لاجئاً، وهو في وطنه؛ نتيجة السياسات القوموية الشوفينية، والإقصائية المتبعة من جهة واحدة، وهي النظم الحاكمة الاستبدادية.
وحاولت بعض من الجهات اللعب على هذا الوتر الكردي، تحت مسمّيات عدة منها “حقّهم في تقرير مصيرهم، وحقوق الإنسان، والمعايير الإنسانية”، والتي ما هي في النتيجة إلا أدوات في يد القوى الرأسمالية والغربية، تستخدمها متى ما أرادت مصالحها ذلك، وتخرس عنها حينما تتعرض مصالحها للتهديد.
حاولت وتحاول بعض الأطراف الغربية اللعب على الوتر القوموي الكردي، وحقنهم بمشاعر الانفصال والحنين؛ لتشكيل الدولة القومية المستقلة، وأن هذه المحاولات، ما زالت مستمرة في دغدغة العاطفة البسيطة للشعب الكردي، وبعدها تقوم هذه الأطراف نفسها، بتأليب الشعوب على بعضها، وافتعال الاقتتال الداخلي فيما بينها، تحت مسمّى الحفاظ على السيادة الوطنية.
هي اللعبة نفسها، التي قامت بها الدول الغربية والرأسمالية، التي لعبتها على الشعب السوداني، وفي النتيجة، تم تقسيم السودان إلى شمالي وجنوبي، والآن تعمل هذه القوى نفسها، على تقسيم الجنوب ثانية، وإخراج دارفور، وتقسيم المقسّم، وإعادة دوران رحى الحرب والدمار في بلد هو بالأساس مدمر، يبحث عن لقمة العيش، وكسرة الخبز في أروقة المنظمات الإنسانية والأمم المتحدة، وهنا تكون الطامة الكبرى، واللعبة القذرة، التي رُسمت، ونُفِّذت بأيدي الشعب نفسه، والتي ستكون البلاء عليه قبل غيره.
هي اللعبة نفسها، يريدون لعبها على الكرد بعواطفهم القوموية، وجعلهم يحلمون بوطنهم القوموي المقدس، وزج الكرد في أتون حرب شرسة لا تعرف الرحمة، وبعد ذلك يقسمون المقسّم، ويشتتون ما هو مشتّت بالأصل، أدرك الكرد هذه اللعبة، التي ابتدأت بها القوى الغربية الرأسمالية في بداية القرن العشرين، ويحاولون تكرارها بالأساليب نفسها مع تغيير في الأسماء، وتحديثها وفق مصطلحات، وتطور العلوم في القرن الحادي والعشرين. فمشروع الشرق الأوسط الكبير أو الجديد، الذي طرحته القوى الغربية والرأسمالية، ما هو إلا مشروع لإنقاذ نفسهم من حالة التضخم، والأزمة الفكرية، والبنيوية، والمالية، التي تعيشها الرأسمالية؛ نتيجة تكديس الإنتاج، والبحث عن سوق لتسويقه، وما إشعال الحروب في المنطقة إلا للبحث عن حل لأزمتها الداخلية، التي تعيشها تلك القوى.
وهنا وبهذا المعنى فقد يظهر الدواء الناجع للداء، الذي تعانيه شعوب المنطقة، هو التكاتف والتلاحم، وعدم الانجرار وراء السمّ، الذي دسته القوى الرأسمالية في عسل تشكيل الدولة القوموية على أساس الأقليات، والإثنيات والمذاهب، الدور الذي يلعبه الكرد في الوقت الحاضر في محاربتهم القوى الإرهابية المتمثلة في داعش، وباقي التنظيمات الإرهابية الأخرى المتشددة، وهذا يعدّ مهمًا لشعوب المنطقة كلها، لأنهم بالوقت نفسه، يقضون على هذا السرطان، الذي فتك بقيم، وأخلاقيات، وثقافة المجتمع، وحاول بكل ما لديه من أفكار خبيثة أن ينهي التلاحم المجتمعي.
فالتنظيمات الإرهابية المدعومة من تركيا، وبعض الدول الإقليمية، تحاول نشر ثقافة السيطرة والهيمنة على المنطقة كلها، تحت مسمى الإسلام عبر أدواتهم المعروفة، إلا أن الكرد حطموا هذا السيناريو، ولقّنوا الإرهابيين، ومن يدعمهم الكثير من الدروس والعبر، وأن أجنداتهم لن ترى النور، فحينما يحارب الكرد تركيا الداعمة للإرهاب، فهذا يعني أن الكرد يحاربون نيابة عن شعوب المنطقة، لأن تركيا حاولت، ولا تزال أن تفرض نفسها على أنها حامي المنطقة، وأن أردوغان هو خليفة المسلمين، والسلطان الوحيد في المنطقة.
وما محاولات تركيا في الوقت الحاضر، في تدخلها واحتلالها لبعض المناطق في شمالي سوريا، والعراق، إلا محاولة يائسة منها؛ لتمرير أجنداتها في تحقيق الحلم العثماني في المنطقة، فلا يهمها مصلحة الشعب السوري بتاتاً، وهي من حاولت، وتحاول تقسيم سوريا تحت حجة محاربة الكرد؛ لمنع التقسيم، مع أن الشعب الكردي في سوريا، أعلن منذ بداية الأزمة في سوريا، أنه ضد التقسيم، وأنه يرغب في العيش ضمن سوريا الموحدة، الواحدة، وأنه لن يرضى بأي شكل من الأشكال تقسيم سوريا، هذه هي عقيدة الكرد في سوريا، وليس تقرباً سياسياً بل هو مبدأ، يحاول الكرد بكل قوة، الحفاظ عليه، ومحاربة كل من تسول له نفسه، بالاعتماد على القوى الخارجية، تنفيذ أجنداتها.
ولربما أعطى الكرد أجوبة على بعض أسئلة الفلسفة، وفق منظورهم، والتي جعلت منها قوة، بعدما كانوا منسيين في مناطقهم، ولا يعلم أحد عنهم، ولكن في فترة وجيزة جداً، تمكنوا من إثبات وجودهم، أولاً، بفكرهم، وبالمشروع الذي يؤمنون به، على أنه الحل الأمثل للقضايا والمشاكل، التي تعاني منها المنطقة، فعرفوا ما هو هدفهم بعد دراسة دقيقة لتاريخهم، ولتاريخ المنطقة، ومجتمعاتها، وشعوبها بالوقت نفسه، كذلك أدركوا أنهم ليسوا الوحيدين في المنطقة، بل ثمة شعوب، وثقافات، وديانات مختلفة، متعايشون معهم، فلا يمكن بناء الحضارة بالاقتتال، بل اعتماد مبدأ أخوة الشعوب، والعيش المشترك، وتيقّنوا أن القوة والوحدة، هما أساس العيش المشترك بين شعوب المنطقة، والأهم من ذلك كله أنهم أعطوا جوابًا، لمعرفة الصديق من العدو، وميّزوا بينهم على أساس مبدأ أخلاقي، بعيدٍ عن المصالح، التي غرقت بها أنظمة المنطقة.
 فمحاربة الكرد لم تكن عن عبث، بل هي نتيجة قراءة معمقة، وحالة فكرية قوية، تمنح الإرادة والإصرار للإنسان؛ كي يُكمل دربه في المقاومة، التي هي أساس الحياة، فمحاربتهم للنظام التركي وللتنظيمات الإرهابية، إن كان في العراق وتركيا، أو في سوريا، تصبُّ في خانة محاربة الإرهاب أينما كان، وأن الكرد يكملون هدف تلك الدول والشعوب المحارة للإرهاب، خاصة في مصر، لأن الطرفين يحاربان الإرهاب نفسه، والمدعوم من الجهات نفسها، لهذا يمكننا اعتبار الكرد الآن هم في الخندق الأول، لحماية المنطقة من التقسيم ومحاربة الإرهاب، لأن الحفاظ على وحدة سوريا والعراق، هي الخطوة الأولى للحفاظ على المنطقة، وعلى مصر بالذات.
والكرد مقتنعون، أن عمقهم الاستراتيجي موجود بين شعوب الشرق الأوسط، من العرب، والكرد، والتركمان، والأرمن، والسريان، والآشوريين، على أساس بناء نظام جديد، يحتضن الكل، وهذا النظام لا يمكن أن يقوم إلا على أساس الأمة الديمقراطية، التي هي البديل الحقيقي للتشكيلات الدينية والقوموية، التي لا تحوي، ولا تعترف في داخلها إلا بقومية أو دين واحد.
فالشرق الأوسط هو الحضن الكبير، الذي يجمع شعوبه كافة، وبمقدورهم العيش سوياً، وفق مبدأ وحدة الأضداد والوحدة في التنوع، وليس في أحضان القوى الغربية الرأسمالية، التي لا همَّ لها سوى مصالحها.
ولنفترض جدلاً عدم وجود الكرد في الشمال السوري، فهل من الممكن أن توجد سوريا حتى الآن؟ مع أن المرتزقة المدعومين من تركيا، كانوا يسيطرون على أكثر من 80% من الجغرافية السورية، وهل كانت ستتدخل أمريكا في المنطقة وكذلك روسيا؟ أم أن المعادلة كانت ستكون مختلفة جداً، وحتى المصالحات، التي تمت ظاهرياً روسيا/ أمريكا ضمنياً، ما بين روسيا وتركيا، كانتا على حساب المناطق، التي رفض الكرد تسليمها لتركيا، وحتى الآن السيناريو نفسه يعاد ويرغبون في تنفيذه. ولكن هي لعبة الأمم والسياسة، التي افتقدت إلى الأخلاق على حساب المصالح.