سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

داعش.. البدايات والذهنية والتمويل التركي

انبثق داعش في العراق من رحِم تنظيم القاعدة مستفيداً من الأوضاع التي مرت بها المنطقة والتدخل الأمريكي في العراق والتفرقة الطائفية التي سعت أطراف إقليمية إلى تغذيتها. ومرّ بالعديد من المراحل حتى وصل إلى داعش وتولى قيادته العديد من عناصر القاعدة الذين حاربوا في أفغانستان حتى تولاه أبو بكر البغدادي.
خالف داعش كل التوقعات وأصبح خلال فترة قصيرة تنظيماً يخشاه العالم أجمع. والسؤال الذي يطرح نفسه، من أين ظهر داعش وما الفكر الذي يعتنقه ومن تولى زعامته حتى وصل إلى الشكل الذي عرفناه في الوقت الحالي. وفي هذا الملف سنتطرق إلى مراحل تطور داعش وزعماءه وفكره.
البداية ومناطق النشاط
منذ تأسيسه عام 2003 على يد القيادي في القاعدة أبو مصعب الزرقاوي، غيّر داعش اسمه عدة مرات، إذ تشكل في البداية تحت اسم “جماعة التوحيد والجهاد”، وذلك في أيلول من عام 2003، بعد التدخل الأمريكي في العراق اعتباراً من 19 آذار 2003، وحارب الزرقاوي القوات الأمريكية في العراق، كما شن هجمات على الشيعة في البلاد وهذا كان سبب الخلاف بينه وبين قادات القاعدة وخصوصاً أسامة بن لادن، إذ أن قادات القاعدة كانوا يخشون أن يرتد الهجوم على الشيعة بشكل سلبي عليهم.
وبغية تقوية “تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين”، جمع أبو مصعب الزرقاوي بقية المجموعات المسلحة التي كانت تنشط في المحافظات العراقية السنية “الأنبار، نينوى، كركوك، صلاح الدين، وأجزاء من بابل، ديالى وبغداد”، وكانت تتخذ من بعقوبة عاصمة لها، وشكل ما يسمى “مجلس شورى المجاهدين في العراق”.
من هو المؤسس الحقيقي؟
بحسب الكاتب المتخصص في قضايا الإرهاب ومؤلف كتاب “داعش داخل جيش الإرهاب”، حسان حسان، الذي كتب مقالاً لمجلة The Atlantic الأمريكية، فإن هناك رجلاً عراقياً كان بمثابة القوة الخفية التي تقف وراء تشكل داعش. عُرِف باسمه الحركي أبو علي الأنباري، وليس الزرقاوي. إذ إنَّ الأنباري، كان الرجل الثاني في تنظيم القاعدة بالعراق بعد الزرقاوي، هو من يُنسَب له وضع نهج داعش بدرجة لا يضاهيه فيها أحد، وكانت سلطته أكثر منهجية وأطول أمداً وأعمق عن سلطة الزرقاوي.
وفي السيرة الذاتية لأبو علي الأنباري يورد ابنهُ عبد الله أنَّ السيرة الذاتية استندت إلى 16 عاماً من العمل بشكل وثيق مع والده، إضافة إلى مذكرات احتفظ بها الأنباري، وروايات مباشرة من زملاء الأنباري في داعش. ويقول الكاتب حسان حسان: «إلى جانب السيرة الذاتية التي قدمها عبدالله، اعتمد في هذا المقال على سلسلة من المحاضرات التي قدمها الأنباري في عامي 2014 و2015، وملاحظاتي من مقابلات أجريتها مع أعضاء داعش ومعارضين سوريين». ومن من الواضح أنَّ الزرقاوي هو من تأثر على الأرجح بالأنباري وليس العكس، حسبما خلص الكاتب.
من هو عبد الرحمن الأنباري؟
ولد الأنباري في شمال العراق عام 1959 لعائلة تركية، ونشأ وسط أجواءٍ متدينة. ودرس الشريعة في معهد بمدينة تلعفر شمالي العراق. وتخرج في جامعة بغداد عام 1982، بشهادة في الدراسات الإسلامية، وارتاد الجامعة مع زعيم داعش الحالي أبو بكر البغدادي. وخدم في الجيش العراقي مدة سبع سنوات وشارك في الحرب الإيرانية العراقية واكتسب القدرات العسكرية، وبعد إنهاء خدمته قام بتدريس الشريعة في بلدة صغيرة متعددة الأديان والأعراق تُسمَى مجمع برزان.
وفي التسعينيات عاد إلى تعفر وانضم إلى منظمات جهادية كردية “أنصار الإسلام” وعندما قَدم أبو مصعب الزرقاوي إلى شمالي العراق من أفغانستان في ربيع عام 2002، التقى به الأنباري بعد شهر من ذلك في بغداد. وبعد ذلك بدأ الأنباري بالاستعداد للتمرد من حيث التمويل والرجال والأسلحة واستفاد من أبو مسلم التركماني العقيد في جيش صدام حسين، إذ أصبح التركماني الرجل الثالث في قيادة داعش بالعراق لاحقاً.
ومع إعلان الزرقاوي المبايعة للقاعدة، أصبح الأنباري نائباً للزرقاوي، وتوجه الأنباري إلى باكستان عام 2005 وعند عودته وتشكيل ما يسمى مجلس شورى المجاهدين في العراق في كانون الثاني 2006 تولى الأنباري رئاسة هذا المجلس واستخدم اسمه الجديد عبد الله رشيد البغدادي.
ومع تولي أبو بكر البغدادي زعامة داعش، كلف الأنباري بالتواصل مع القاعدة تحت اسم أبو صهيب العراقي، كما تولى مهمة الترويج الأيديولوجي لداعش وبإشرافه تم الحكم على الطيار الأردني معاذ الكساسبة بالموت حرقاً.
وفي وقت لاحق، عَيَّن البغدادي الأنباري المسؤول المالي في المجموعة، وهي وظيفة انطوت على إجراء رحلات مستمرة بين العراق وسوريا. وفي آ1ذار 2016، وفي إحدى تلك الرحلات المتكررة، قُتِلَ الأنباري بالقرب من مدينة الشدادي السورية، على طول الحدود مع العراق. ووفقاً للسيرة الذاتية، شنَّ الجنود الأمريكيون غارةً في محاولة لقتله، لكنَّه فجَّر نفسه بحزام انتحاري. وفي 7 حزيران 2006 قتل أبو مصعب الزرقاوي في بعقوبة.
دولة العراق الإسلامية
بعد عدة أشهر من مقتل أبو مصعب الزرقاوي وتحديداً في 13 تشرين الأول من عام 2006، أعلنَ مجلس شورى المجاهدين عن تأسيس دولة العراق الإسلامية، وتمّ تعيين أبو عمر البغدادي “حامد داود محمد خليل الزاوي” في منصب أمير المنظمة الجديدة. واختير خلفاً لأبو مصعب الزرقاوي تحت اسم أبو عبد الله الراشد البغدادي في تولي قيادة دولة العراق الإسلامية.
وبعد ذلك بشهر أعلن أبو أيوب المصري ” عبد المنعم عز الدين البدوي” زعيم مجلس شورى المجاهدين عن حلّ المجلس لصالح دولة العراق الإسلامية. وفي نيسان من عام 2007؛ حصلَ أبو أيوب المصري (المعروف أيضاً باسم أبو حمزة المهاجر) على رتبة وزير حرب داخل دولة العراق الإسلامية. وبعد مقتل أبو عمر البغدادي وأبو أيوب المصري معاً في نيسان عام 2010، أعلن “مجلس شورى المجاهدين” لاحقاً عن تولي أبو بكر البغدادي إمارة دولة العراق الإسلامية.
من أين يستمد داعش فكره؟!
يعد كل من عالم الدين البارز أحمد بن حنبل (780 إلى 855) الذي أسس أحد المذاهب السنية الأربعة في الفقه الإسلامي، والإمام ابن تيمية الذي جاء بعد خمسة قرون من بن حنبل، ولقي حتفه في السجن بدمشق، الأبوين الروحيين لمن جاء بعدهم من مفكرين وما ظهرت من حركات، عرفت لاحقًا باسم “المذهب السلفي”، الذي يدعو للعودة إلى منهج السلف الصالح.
وثمة رجلٌ استحضر الفكر السلفي إلى القرن العشرين هو المفكر المصري سيد قطب المولود عام 1906 بصعيد مصر الذي أعدمته السلطات المصرية عام 1966 بعد إدانته بالتآمر مع الإخوان المسلمين لاغتيال جمال عبد الناصر. فقد عمل قطب على توفير جسر بين فكر محمد بن عبد الوهاب وأسلافه وبين جيل جديد من الجهاديين، ممهدًا السبيل لظهور تنظيم القاعدة وكل ما تلاها فيما بعد.
ويرى سيد قطب، أن الجهاد ضد الغرب وعملائه في المنطقة هو السبيل الوحيد لاستعادة العالم الإسلامي، وكان هذا في جوهره، نوعاً من القبول لفكرة “التكفير”، التي لا تسوغ قتل مسلم فحسب، بل تجعل قتله فرضًا يثاب فاعله.
وقال هشام الهاشمي الخبير العراقي في الحركات الإسلامية، موجزًا جذور داعش وغيره من المجموعات التي سبقته: “إنهم يستندون إلى أمرين: عقيدة تكفيرية يستمدونها من كتابات محمد بن عبد الوهاب، ومنهجيًا، الطريق الذي رسمه سيد قطب”.
من هو أبو بكر البغدادي؟
هو إبراهيم عواد إبراهيم علي البدري السامرائي، ولد عام 1971 في أسرة بمدينة سامراء العراقية ودرس في الجامعة الإسلامية في بغداد، وحصل منها على البكالوريوس في الدراسات القرآنية، وبعدها على الماجستير عام 1999، وبعد ذلك على شهادة الدكتوراه عام 2007. وانضم لجماعة الإخوان المسلمين، وتعرف بمن يتبنون نهج العنف في الإخوان المسلمين.
بعد مرور أشهر على الغزو الأمريكي للعراق عام 2003؛ ساعد البغدادي في تأسيس جماعة “جيش أهل السنة والجماعة”، عام 2003، ولكن القوات الأمريكية ألقت القبض عليه في شباط 2004، بمدينة الفلوجة، ونقلته إلى سجن بوكا في محيط مدينة أم قصر، وظل هناك مدة 10 أشهر. خلال تواجده في السجن تميز بسرعة تنقله بين المجموعات المتنافسة الموجودة في السجن، وبعد الإفراج عنه في كانون الأول عام 2004 تواصل البغدادي مع العديد منهم.
ارتقى البغدادي سريعاً في الدولة الإسلامية في العراق، إذ عُين رئيساً للجنة الشريعة، واختير عضواً في مجلس الشورى عندما كان أبو عمر البغدادي يقود الدولة الإسلامية في العراق، كما اختير بعد ذلك عضواً في لجنة التنسيق في تنظيم القاعدة في العراق، والتي كانت تشرف على الاتصال بقادة التنظيم في العراق. وبعد مقتل أبو عمر البغدادي عام 2010، اختار مجلس الشورى أبو بكر البغدادي أميراً جديداً.
تفجيرات دموية استهدفت الإيزيديين والشيعة
في شهر آب 2003، سقط 83 قتيلاً بينهم رجل الدين الشيعي محمد باقر الحكيم بانفجار سيارة مفخخة أمام الحضرة الحيدرية في النجف. وفي آذار 2004، قتل 170 شخصاً في هجمات متزامنة في كربلاء ومسجد في بغداد، أما في شهر شباط فقتل 105 أشخاص في هجوم انتحاري مزدوج استهدف قيادات الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني في هولير خلال عيد الأضحى.
وفي شهر شباط من عام 2005 قتل 118 شخصاً في تفجير انتحاري بالحلة كبرى مدن محافظة بابل، وفي أيلول من العام نفسه؛ قتل 128 شخصاً في 11 تفجيراً ضد أحياء شيعية في بغداد. وفي تشرين الأول من عام 2006 قتل 202 أشخاص على الأقل في انفجار أربع سيارات مفخخة وقصف بقنابل هاون في مدينة الصدر. أما في عام 2007 فقتل ما يزيد عن 1213 شخصاً في تفجيرات عديدة، كان أبرزها مقتل أكثر من 400 شخص في شهر آب، في تفجير 4 شاحنات استهدفت الإيزيديين في محافظة نينوى وهي من بين أعنف الهجمات التي تعرضت لها العراق.
وفي آب وتشرين الأول من 2009، قتل 259 شخصاً بانفجار أربع شاحنات مفخخة استهدفت مبانٍ حكومية في بغداد بينها وزراتي المالية والخارجية.
أبو بكر البغدادي والانتقال إلى سوريا

عندما وصل أبو بكر البغدادي إلى زعامة داعش كانت أمريكا تعتقد أنها قضت على تهديد داعش نهائياً بعد أن كانت استهدفت معظم قادات الصف الأول في العراق، وتتحدث المعلومات بأنه لم يبقَ من عناصر داعش سوى 700 شخص مشتتين لا يستطيعون التواصل، حتى أن بعض قادات داعش قالوا عن تلك المرحلة بأنهم لم يكونوا قادرين على الوقوف في مكان واحد مدة ربع ساعة فقط نظراً لاستهداف أماكنهم. ولكن؛ مع بدء ما يسمى الربيع العربي وانتقالها إلى سوريا، وجد داعش فرصة كبيرة للانتقال إلى سوريا مع بداية ما سمي بالربيع العربي، خصوصاً مع تدخل القوى الإقليمية مثل تركيا وقطر وتقديمها الدعم للمجموعات المرتزقة التابعة للإخوان المسلمين وغيرها من المجموعات، فأرسل أبو بكر البغدادي الأوامر لأحد نشطاءه التابعين له في سوريا من أجل تشكيل فرع لتنظيم القاعدة في سوريا والذي عرف لاحقاً باسم جبهة النصرة وتطور لاحقاً إلى هيئة تحرير الشام التي تسيطر حالياً على إدلب حيث توجد 12 نقطة مراقبة تركية.
وسرعان ما حصل التنظيم الجديد على الدعم المباشر من تركيا من خلال شراء النفط منه وتزويده بالسلاح ما سمح له بالسيطرة على بعض المناطق والتوغل ضمن المجموعات المسلحة الأخرى وتوسيع قاعدته، وبذلك ذاع صيت جبهة النصرة، ولكن المفارقة فأن ما تسمى المعارضة السورية التي كانت تتخذ من تركيا مقراً لها ادعت بأن جبهة النصرة تمثل الثورية السورية وهي غير تابعة للقاعدة وكذلك وصفتهم تركيا إلى أن باتت مجبرة تحت الضغوط الدولية لتصنيفها ضمن التنظيمات الإرهابية.
ومع بروز خلافات بين أبو محمد الجولاني زعيم جبهة النصرة وأبو بكر البغدادي، أعلن الأخير في 9 نيسان  2013 وبرسالة صوتية تم بثها عن طريق شبكة “شموخ الإسلام 56″، عن دمج جبهة النصرة مع دولة العراق الإسلامية تحت مسمى الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش”، وحارب الطرفان جنباً إلى جنب في كثير من الأماكن السورية، ولكن توجهت جبهة النصرة إلى الداخل السوري للتوسع في تلك المنطقة بينما ظل داعش في المناطق الشمالية والشرقية من سوريا ولم يتداخل الطرفان إلا نادراً.
وفي 31 كانون الأول من عام 2013 دخل داعش مدينة الفلوجة وسيطر عليها في 4 كانون الثاني 2014 وعلى أجزاء واسعة من الرمادي الواقعتين في محافظة الأنبار ذات الغالبية السنية. وبعد ذلك بدأ بالسيطرة على المناطق الريفية البعيدة في كل من سوريا والعراق.