سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

داعش… الإرهاب القادم من البادية

حلب/ رامان آزاد ـ

نموذجٌ جديدٌ من العملياتِ العسكريّةِ يتبعه مرتزقة “داعش” بالتركيزِ فقط على شنِّ الهجماتِ المفاجئةِ، على طرق البادية، والاغتيالات، والاختفاء، دون الاحتفاظ بالأرض، وتوالت خلال الأسبوعين الماضيين، العمليات التي أودت بحياة العشرات من عناصر قوات النظام، ما رفع مستوى التهديد الإرهابيّ، وتتزامن الهجمات الإرهابيّة مع العدوان التركيّ على بلدة عين عيسى، لتعطي دلالات أبعد للأحداث.
تحذير فرنسيّ
أعربت وزيرة الدفاع الفرنسيّة، فلورانس بارلي، في مؤتمر صحفيّ في 11/1/2021 عن قلقها من عودة ظهور “داعش” الإرهابي في سوريا والعراق، وقالت إنّ فرنسا تعتبر داعش لا يزال موجوداً، ويمكن الحديث عن شكلٍ من أشكالِ عودة ظهوره في سوريا والعراق. وأضافت فلورانس أنّه “منذ سقوط بلدة الباغوز في وادي الفرات حيث كان المعقل الأخير لداعش يمكن أن نلاحظ أنّه يستعيد قوته في سوريا، ويعيد بناء صفوفه في العراق أيضاً”، لافتة إلى أنّه “لم يتم اجتثاثه في بلاد الشام. لذا نحن لا نزال هناك عبر مهمات تدريبيّة وعبر مقاتلاتنا”، وعددها أربع طائرات من طراز رافال تشارك في مهمات التحالف الدولي لمكافحة داعش بقيادة الولايات المتحدة.
الواقع إن تاريخ 23/3/2019 كان إعلاناً للهزيمة الجغرافيّة لمرتزقة داعش، في الباغوز، آخره معاقله وأنفاقه، ولكن العشرات من مرتزقته اتجهت إلى البادية، وآخرون قصدوا الحدود التركيّة، ويبدو أنّهم أنهوا إعادة تنظيم أنفسهم من جديد وبما يتناسب مع المعطيات الجديدة. وإذ كانت عمليات المرتزقة في البادية تلفت انتباه الدول والحكومة، إلا أنّ العناصر الذين أعادت أنقرة صياغتهم ونظّمتهم في صفوف ما يسمّى “الجيش الوطنيّ” يتم تجاهلهم.
هجماتٌ متتالية
ميدانيّاً تواصل خلايا داعش الإرهابيّة شنَّ هجماتها العنيفة على مواقع قوات النظام السوريّ في بادية دير الزور وينصبُ الكمائن مستهدفاً تحركات قوات النظام بريف حماة، وقد شنّ في 11/1/2021 هجوماً على مواقع قوات النظام ومليشيا لواء القدس الفلسطينيّ في بادية دير الزور الجنوبيّة. ما أسفر عن مقتل ثمانية عناصر على الأقل، وجرح 11 آخرين، بعضهم بحالة خطرة، بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، وأضاف المرصد أنَّ قواتِ النظام ولواء القدس أرسلا تعزيزات إلى المنطقة وبدأت حملة تمشيط بحثاً عن خلايا داعش. واستُقدمت تعزيزات عسكريّة كبيرة ونُشرت على طريق أثريا – خناصر بريف حماة الشرقي، على خلفية تكثيف خلايا داعش الإرهابي هجماتهم على مواقع النظام وحافلات الجنود.
وفي اليوم نفسه عثر على سيارة نوع “بيك آب” محترقة قرب “حقل صفيان” النفطيّ الخاضع لقوات النظام جنوب الطبقة بريف الرقة الغربيّ، ومن المحتمل أنَّ خلايا داعش اختطفت من كان في السيارة واقتادتهم لجهة مجهولة، بعد حرق السيارة.
وكانت عبوة ناسفة قد انفجرت في 10/1/1/2021، بسيارة عسكرية، تقلُّ عناصر من قوات النظام، أثناء مرورها قرب “حقل صفيان” النفطي بالريف الغربي لمحافظة الرقة، ما أدى لإصابة عنصرين بجراح خطيرة. ورصد المرصد السوريّ لحقوق الإنسان، يوم الأحد 10/1/2021، هجوماً عنيفاً لعناصر داعش على مواقع عسكريّة لقوات النظام بمنطقة الرهجان بريف محافظة حماة الشرقي، ومساءً وقعت اشتباكات عنيفة حاولت قوات النظام صد هجوم داعش.
وفي 9/1/2021 قُتل سبعة عناصر موالين للنظام في هجوم للتنظيم في دير الزور. ولا يزال مصير نحو 15 عنصراً من قوات النظام السوري، بينهم ضباط، مجهولاً، حيث فقد الاتصال بهم منذ يوم الجمعة الماضي 8/1/2021، خلال هجوم لمرتزقة داعش، على محوري الرهجان والشاكوسية شرقي حماة، حيث كانوا يستقلون باص مبيت بالمنطقة، وعثر على الباص بعدها محروقاً ولم يعرف مصير الضباط والعناصر. ولم ينشر الإعلام الرسمي السوري أي معلومات عن هذه الحادثة.
كما قتل 15 شخصاً في 4/1/2021 معظمهم من العسكريين في كمين استهدف حافلات عسكريّة في بادية حماة. وعشية رأس السنة استهدف داعش حافلة لقوات النظام ما أودى بحياة 39 عنصراً بينهم ثمانية، وتبنى داعش الهجوم. وتؤكد العمليات المتتالية ضمن البادية السورية عودة قوية لداعش إلى الواجهة السوريّة.
ومع ازدياد وتيرة هجمات مرتزقة داعش، تحوّلت البادية السوريّة إلى مسرح لاشتباكاتٍ بين المرتزقة وقوات النظام المدعومة روسياً، لتصبح طرق البادية مهددة بالمخاطر، ووثق المرصد منذ 24/3/2019، مقتل نحو 1200 عنصر من قوات النظام وأكثر من 630 متشدداً جراء تلك المعارك. وجاءت أولى أيام العام الجديد 2021 مثقلة بالحوادث، ويتتالى تنفيذ داعش للكمائن والهجمات وتنفيذ التفجيرات وخطف عناصر من قوات النظام والمليشيات الموالية لها، ويلحق بهم خسائر بشريّة وماديّة فادحة، ولا يهدف داعش من عملياته للسيطرة على مواقع ونقاط بل يكتفي بتوجيه ضربات كبيرة للنظام السوري وحلفائه.
غارات جويّة
لازال السجال الميدانيّ مستمراً حول الوجود الإيرانيّ في المناطق القريبة من الحدود العراقيّة وتحديداً في منطقة البو كمال، حيث تتمركز القوات الإيرانيّة والميليشيات الموالية لها، وتعمل على إعادة تمركزها وتغيير مواقعها لتجنب الغارات الجويّة التي يرجّح أنّ التحالف الدوليّ هو من ينفذها، كما أنّ الطيران الإسرائيليّ أيضاً يستهدف من وقت لآخر الأهداف الإيرانيّة. ومع زيادة الهجمات الإرهابيّة لداعش في المنطقة استهدف الطيران الروسيّ أطراف البادية ومواقع في محافظة الرقة.
مساء الثلاثاء 12/1/2021 تناوبت ثلاث طائرات حربيّة روسيّة، على قصف البادية السورية، تزامناً مع هجوم لعناصر داعش على مواقع للقوات الرديفة للنظام في بادية غانم العلي والبو حمد بريف الرقة الشرقي. كما قصفت الطائرات الحربيّة بادية السخنة بريف حمص الشرقيّ. ونفذت الطائرات الروسيّة أكثر من 40 ضربة جوية في مناطق متعددة بالبادية السورية، خلال يوم واحد، وبعد الظهر جدد الطيران غاراته على مواقع قوات تابعة لإيران في بادية البوكمال بريف دير الزور الشرقي، حيت تتمركز مجموعات لمليشيا الحرس الثوري الإيراني وميليشيات موالية لإيران من جنسيات سوريّة.
وكانت منطقة البوكمال قد شهدت أربعَ غاراتٍ صباح اليوم نفسه واستهدفت فيها مقرات ومواقع لمليشيا الحرس الثوريّ الإيرانيّ في بادية البوكمال، ولم ترد معلومات عن حجم الخسائر البشريّة والماديّة.
في 7/1/2021 قتل أربعة أشخاص وجرح آخرون باستهداف طائرة مسيّرة سيارة تابعة للحشد الشعبيّ العراقيّ، أثناء محاولتها دخول الأراضي السورية، من معبر حدوديّ مع العراق، غير رسميّ، قرب مدينة البوكمال. وأفادت مصادر المرصد السوري لحقوق الإنسان، الاثنين، بأن ميليشيا “فاطميون” الأفغانيّة أفرغت حمولة أسلحة من أربع شاحنات كبيرة “مخصصة لنقلِ الخضار والفواكه”. ووفقاً للمصادر، فإن الشاحنات كانت محملة بصواريخ إيرانية الصنع، جاءت عن طريق العراق، وأفرغت تلك الشحنات بمستودعات تجارية استأجرتها من مدنيين بمنطقة كوع بن أسود الواقع بين مدينة الميادين وبلدة محكان بريف دير الزور الشرقي. وقد بلغت حصيلة الخسائر البشرية خلال الفترة الممتدة من 24/3/2019، وحتى الآن، 1189 من قوات النظام والميليشيات الموالية لها من السوريين وغير السوريين، بما فيهم اثنان من الروس على الأقل، بالإضافة إلى 145 من المليشيات الموالية لإيران من جنسيات غير سوريّة، قُتلوا جميعاً خلال هجمات وتفجيرات وكمائن نفذها مرتزقة داعش، في غرب الفرات وبادية دير الزور والرقة وحمص والسويداء. وقد وثّق المرصد السوري استشهاد أربعة مدنيين عاملين في حقول الغاز و11 من الرعاة بالإضافة لمواطنة وطفلة ورجلين في هجمات داعش، كما وثّق “المرصد” كذلك مقتل 633 مرتزقاً من “داعش”، خلال الفترة ذاتها خلال الهجمات والقصف.
سلسلة اغتيالات
قالت مصادر محليّة أنّ مجهولين اقتحموا صباح الاثنين 11/1/2021 منزل الشيخ الحاج طليوش الشتات الصالح الظاهر (أبو أحمد) أحد وجهاء قبيلة العكيدات في قريته، حوايج ذيبان الواقعة يريف دير الزور الشرقي، واغتالوه وابنَه محمود أبو ياسين الذي كان يعمل كمسؤول عن الكهرباء في قرية الحوايج وشخصاً ثالثاً اسمه فايز الهادي.
وسبق اغتيال الهفل مقتل شيخ عشيرة البو رحمة، إحدى عشائر قبيلة البكارة، علي الويس، جراء إطلاق النار عليه من مجهولين بالقرب من منزله في أول أيام عيد الأضحى.
يُذكر أن مجهولين استهدفوا في 2/8/2020 سيارة كانت تقل الشيخ إبراهيم خليل جدعان الهفل، شيخ عشيرة العكيدات، ما أدى إلى استشهاد الشيخ المطشر حمود جدعان الهفل الذي كان يرافقه بذات السيارة وسائقه، وإصابة الشيخ ابراهيم الهفل. والهجوم نفذه مسلحون يستقلون ثلاث دراجات نارية، بالقرب من بلدة ذيبان بريف دير الزور، حيث كان الهفل متوجهاً إلى بلدة غرانيج.
إضافةً إلى اغتيال أحد رموز عشيرة العفادلة الشيخ بشير فيصل الهويدي، وشيخ عشيرة البو عساف الشيخ عبيد الخلف الحسان وعملية اغتيال شخصية معروفة من عشيرة العكيدات، “سليمان الكسار”، الذي تبنى “داعش” اغتياله.
فيما تكثر النظريات حول استهداف الشخصيات العشائريّة، فإنّ السؤال يبقى مطروحاً حول الجهة الفاعلة، ومن المستفيد من العبث بأمن المنطقة، وإيجاد أسباب الفتنة؟
استهدف مسلحون مجهولون يستقلون دراجة ناريّة، مساء الإثنين، ثلاثة أشخاص داخل سيارة “بك آب” قرب المركز الثقافيّ في مدينة البصيرة بريف دير الزور الشرقي، ما أدى إلى مقتلهم جميعاً فوراً.
وبلغ عدد ضحايا الاغتيالات منذ تموز 2018/ 645 شخصاً. بينهم (228 مدنياً، من بينهم 17 طفل و11 مواطنة بريف دير الزور الشرقي وريف الحسكة ومدينة الرقة وريفها ومنطقة منبج، إضافة لاغتيال 413 مقاتلاً من قوات سوريا الديمقراطية بينهم قادة محليون، بالإضافة إلى أربعة من عناصر التحالف الدوليّ).
الاغتيالات التي تحدث من وقت لآخر، لا تنحصر باستهداف الشخصيات ووجهاء العشائر، بل تهدف إلى ما هو أبعد من ذلك بضربِ البيئةِ الأمنيّةِ وتحريضِ عواملِ الفتنة، وتأتي في توقيتٍ حسّاسٍ بالتزامنِ مع العدوانِ التركيّ على بلدة عين عيسى. ويبقى السؤالُ المطروحُ من المستفيدِ من عملياتِ الاغتيال؟
من المؤكد أنّه ليس من قبيل الصدفة هذا التزامن بين هجمات مرتزقة داعش بهذه الدرجة من العنف، مع العدوان التركيّ على بلدة عين عيسى، ومعلوم أنّ العدوان التركيّ في 9/10/2019 على تل أبيض/ كري سبي سري كانيه، جاء ليمد طوق النجاة لبقايا المرتزقة، ويوفر مساحة تعوّضهم عن الهزيمة الجغرافيّة، والأمر يتطلب مزيداً من الوعي والحذر لمواجهة المخاطر القائمة، وقد شهدنا انهيار خلايا من العملاء الذين جنّدتهم الاستخبارات التركيّة لتنفيذ العمليّات والتفجيرات بالمنطقة والعبث بأمنها.