سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

داخل سيارته الصغيرة يمارس حرفته التقليدية

بقدر ازدياد سنوات عمره يزداد تعلقه بمهنته يوماً بعد يوم والتي قلما حافظ عليها من مارسها هو العم صالح الحسن الذي بلغ من العمر 48 سنة قضى معظمها بتصليح الساعات اليدوية في مدينة الطبقة ساعياً حمايتها من الاندثار.
في وقت تكون الساعات اليدوية قريبة لمرحلة الزوال بسبب ظهور الهواتف المحمولة التي أفقدتها مكانتها، العم صالح متمسك بمهنته، والتي يشعر بأنها جزء منه، ويوصف نبضات عقارب الساعة بنبضات قلبه التي لا محال إلا من سماعها بشكل يومي.
العم صالح من مدينة إدلب السورية متزوج ولديه 4 أولاد، مقيم في مدينة الطبقة منذ 1970م، عاش مع والده الذي انتقل إلى الطبقة من أجل العمل، وكان والده يرغب أن يتعلم ابنه ويكمل الدراسة، ولكن العم صالح جذبته مهنة تصليح الساعات منذ صغره، لأنه رأى فيها تميّز عن باقي المهن وأنه يجب أن يحافظ عليها لتبقى متداولة.
بدأ في إصلاح الساعات اليدوية عام 2000م، ولكن أول تجربة له بإصلاح الساعات كان في عمر الـ 15 سنة نتيجة فضوله وتشوقه لها، والتي تركت عنده أثر كبير مزروع بداخله لحين كبر وتعمق بها أكثر.
كان يعمل على بسطة خشبية صغيرة متنقلة على أطراف شوارع مدينة الطبقة، حيث عانى الكثير من الصعاب في فصل الشتاء، فلا سقف يحمي بسطته الصغيرة من المطر أو الشمس ورغم هذه الصعاب إلا أن تعلقه بها لم يمنعه من تركها، وفي عام 2010م، ابتكر فكرة فريدة من نوعها لم يبسق لأحد بأن يصنعها في المدينة كاملةً.
رغم وضعه المادي المتدني الذي منعه من استئجار محل صغير لممارسة هذه الحرفة، قام العم صالح بشراء سيارة صغيرة وصنع صندوق خلفي لها، مع فتحة كبيرة تطل على الشارع ليحمي نفسه وساعاته من العوامل المناخية.
وتحدث العم صالح عن مهنته التي مارسها لـ 18 سنة، شارحاً عن الفرق بين تصليح الساعات القديمة والحديثة قائلاً: “الآن أقوم بإصلاح الساعات غالبية الصناعة الصينية، تكون ماكينتها صب أي (قطعة واحدة)، حيث لا يمكن تصليحها إلا بتغيير كامل الماكينة التي تأتي قطعة واحدة أيضاً، أما الساعات القديمة التي كنت أعمل بها فهي تأتي كل قطعة على حداً في حال تعطلت يمكن تصليحها بتغير قطعة بسيطة منها، ولست بحاجة لتغييرها كاملةً”.
وقام العم صالح بتصليح الساعات التقليدية القديمة مثل: (سيتزن وأورينت وسايكون)، وغيرها من الماركات.
وبأدواته البسيطة مثل الملاقط والبانسات يجلس كل صباح داخل سيارته ومحله بنفس الوقت، الذي يقوم بركنها على أطراف الشارع العريض في السوق المركزي لمدينة الطبقة، ليبدأ كل صباح بالعمل على الحرفة التي يحبها، وبحسب ما ذكره أنه يعمل لمدة 16 ساعة يومياً يقوم بتصليح 5 ساعات أو أكثر باليوم، وتستغرق كل ساعة معه حسب العطل قرابة الساعة أو النصف، وفي بعض الأحيان يتم تصليحها ليوم كامل وحسب إقبال الزبائن الذي أصبح خفيفاً عن السنوات الـ 7 الماضية على حد قوله.
مع ازدياد السنوات يزداد حبه لهذه المهنة المريحة، والتي لا يستخدم بها أي جهد عضلي بالنسبة لعمره بل يستخدم الكثير من التركيز والدقة بالعمل، مما سببت له أضراراً في البصر، ومع ذلك ما زال مستمراً ومصراً على التمسك بها، مصمماً على أنه سيورثها لأحد أبناءه لانجذابه لها كأبيه.
كما لا يفارق سيارته كثيراً لكثرة تعلقه بهذه الحرفة، سوى للذهاب لأداء الصلاة في الجامع ويعود للجلوس داخل السيارة.
ويعتمد بكثرة على تصليح الساعات بدل بيعها، إلا أنه يقوم بشراء عدد قليل من الساعات التي يضيفها إلى هذا المحل البسيط لزيادة المردود المالي فيما أسعاره لا تتوافق مع أسعار المحلات الأخرى بل أقل سعراً، بسبب تعلقه بها روحياً وليس لهدف مالي كبقية العاملين بها.
وقال العم صالح أنه إذا اقترب الأجل فإنه يتمنى أن يكون داخل هذا المحل البسيط قرب ساعاته ليكون آخر ما يسمعه هو نبضات عقارب الساعة ليس شيئاً آخر.
والجدير ذكره أن الساعات اليدوية انخفض سعرها مقارنةً بالسابق وغالباً ما تكون صالحة للاستعمال لفترة قصيرة جداً ولأغراض الزينة فقط، أما الساعات القديمة فإنها تقيم مع صاحبها مدى الحياة وقد يورثها مما يجعل لها مكانة عند صاحبها وإرثاً معنوياً أكثر من كونه مادي.

وكالة/ هاوار