سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

خيارات سوريا الجديدة وفق حوارٍ وطني

تحقيق/ فيروشاه أحمد –
باتت سوريا ساحة للحيف السياسي والانتقام التاريخي بين الدول الإقليمية التي تعيش خلافاً واختلافاً مذهبياً وأيديولوجياً، وهذا ما حدا بها أن تعتمد على سياسات محورية مع الدول العظمى وبعض التيارات والمرتزقة في الداخل السوري وخارجه.
من جهته لم يتهاون النظام في سوريا باللجوء إلى دول ومنظمات كي تساعده في محنته، وبقيت أمريكا وروسيا تستفردان بالمصير السوري سياسياً وعسكرياً وتعملان بكل الوسائل الدبلوماسية والعسكرية لتحقيق أجنداتهم، أما الدول المانحة للحرب (السعودية وقطر) فهي تخسر أموالها في حرب مجنونة لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
هذا المشهد التراتيبي بات خبزاً يومياً تتجرعه عواصم هذه الدول بكيفية اختيار طرق ووسائل جديدة أكثر (حضارية) في قتل الإنسان السوري، الذي أصبح قرباناً لتحقيق أجندات وسياسات دول وأنظمة لا يمتون للأخلاق بصلة، بقدر ما تهمها تحقيق استراتيجيات بعيدة المدى.
المشهد قبل الأخير
ليس بخافٍ على أحد أن معركة درعا تحظى بأهمية استراتيجية لكثير من الأطراف في الصراع السوري، وكونها أشعلت الشرارة الأولى للثورة السورية قبل سبع سنوات، باتت الآن مشهداً مهماً في رسم خارطة سياسية لسوريا، ولأنها تشكل موقعاً استراتيجياً للشمال الأردني وقريبة من الحدود الإسرائيلية، ولا تقل أهمية بالنسبة لكل من موسكو وواشنطن، وفي محادثات هلسنكي بين الجانبين الروسي والأمريكي قد تناولا هذا الجانب، بأن جيشا البلدين متفقان بشكل جيد في العمل بسوريا.
يحرص الصراع الدائر في سوريا أن يبقى أمن إسرائيل من أولى اهتمامات واشنطن وروسيا، لهذا قررتا أن تصبح درعا وكل الجنوب بيد النظام بشرط أن تحافظ دمشق على تنفيذ اتفاقية 1974م المتعلقة بقواعد فك الاشتباك مع إسرائيل هذا من جهة، ومن جهة أخرى إنهاء تلك الفصائل الإرهابية وترحيلهم إلى إدلب، ولم يأتِ هذا من فراغ، بل من خلال اتفاق روسي وأمريكي وإسرائيلي بإخلاء المنطقة من التواجد الإيراني أيضاً.

قيامة إدلب؟

من الواضح لكل متابع وسياسي بأنَّ إدلب باتت محطة مزدحمة بأغلب المرتزقة والتيارات التي استسلمت للنظام خلال سنوات خلت، ولا يمكن أن تستقر سوريا سياسياً وهذه المدينة حبلى بالانتقام، ولا يستبعد أن تتجه روسيا والنظام إلى دق معاقل هؤلاء لسببين اثنين، أولهما رعاية تركيا لهذه الجماعات الإرهابية وتمويلها مادياً ولوجستياً، كي تثبت لنفسها موقع قدم في المستقبل السوري، أما الثاني فهي دائماً تبحث عن وسائل كي تكون قريبة من الكرد في الشمال السوري وتقوض أي مشهد سياسي وعسكري لهم.
تدخل تركيا واحتلالها لعفرين في بداية 2018م كان لذات السبب والغاية، والآن تعمل في منبج وإعزاز وجرابلس وغيرها بالسوية نفسها كي لا يقيم للكرد قائمة، روسيا من جهتها ومن خلال اتفاقيات مسبقة مع النظام تعمل على إخراج هؤلاء(مرتزقة هيئة تحرير الشام) والتخلص منهم بطريقتين، إما قتلهم أو تهجيرهم إلى العراق أو تركيا وتهيئتهم واستخدامهم في قتال الشيعة (إيران) كون كل الفصائل تنتمي للمذهب السني، ولا يمكن أن يبقى السوري بعيداً عن نيران هذه الخلافات.
روسيا تقوم بدور محوري مع كل الجهات كي تحظى بأكبر نسبة من المياه السورية الدافئة، فقد عمدت إلى اتفاق مع تركيا (موسكو لسان حال دمشق) هذه الاتفاقية تؤكد على إخراج سبعة آلاف عائلة من كفريا والفوعة إلى جنوب حلب، أمام هذه المشاهد الدراماتيكة في عموم سوريا، هي دلالات بأن المنطقة على بركان لا يدري أحد متى ينفجر، لكن الاحتمالات كلها تنصب حول أن تصبح إدلب مثل درعا والغوطة، ولأن اتفاقيات آستانة وغيرها تؤكد دعم موسكو لأنقرة بعدم إنهاء تلك الفصائل، بل إسكانها في جنوب حلب ولتصبح بيادق بيد تركيا تقاتل بهم الكرد والشيعة.

تركيا البحث عن الذات

لم يبق أمام أردوغان إلا الاعتماد على المرتزقة في تحقيق مشروعه، فها هو يساهم بتجميع كل الفصائل المستسلمة للنظام وزجهم في معسكرات إدلب، وكل المهتمين يدركون تماماً بأن إدلب هو المشهد التالي بعد درعا، وأردوغان لم يفعل ذلك إلا لحسابات مستقبلية، وهي أن النظام وروسيا سوف يقومان على قتال هذه الفصائل التي سوف تقبل بالعبور إلى تركيا التي ستوجههم إلى عدوتها التاريخية والدينية (إيران)، ومن الغباء السياسي أن تصبح هذه الفصائل ورقة ضغط بيد أردوغان تقاتل بالنيابة عن مشروعه العثماني الجديد.
تركيا بسياساتها العدوانية تجاه الشعب السوري عامة والكردي بخاصة لم تدرك أنَّها خرقت كل قيم الأخلاق والمواثيق الدولية، فمنذ بداية الأزمة السورية وهي تعيش هيجاناً سياسياً لا تعرف كيف تتصرف وبخاصة بعد خروج الكرد من حالتهم وقيادتهم للشمال السوري من خلال إدارة ذاتية ومحاربة الإرهاب بقوات سوريا الديمقراطية التي أنهت داعش في الرقة ودير الزور وكل الشمال السوري، في البدء سهلت عمليات مرور المرتزقة ودعمهم في سري كانيه ثم إلى كوباني وبقية المناطق.
وكان دخول جيش تركيا إلى عفرين واحتلالها بالقوة، وتهجير سكانها تأكيداً على أنها تبحث عن ذاتها في جعجعة الطاحونة السورية.
إيران خطوة للخلف
على ضوء التقاطعات السياسية في سوريا والمنطقة يتم إعادة بناء وترميم التحالفات وبقية المسارات في المنطقة، كون كل الدول الإقليمية والعالمية تتصارع وتتنافس على بسط وتقاسم نفوذها بخاصة في سوريا، فإيران من الدول التي تعمل على هذا المنوال في سوريا والعراق وبخاصة بعد 2003م واعتمادها على الموالين لها، في حين تعمل إسرائيل على تقوية نفوذها وعلاقاتها مع السعودية وغيرها من الدول العربية والأوروبية وأمريكا.
من هنا يمكن القول بأن البورصة السياسية الإيرانية في صراعاتها الإقليمية باتت الأقرب للتراجع، كونها تحاول ضم كل المنطقة إلى مشروعها التاريخي والاقتصادي (الهلال الشيعي) من خلال رفع (المظلومية) عن شعوب المنطقة، وكأنها الوصي على رقاب هذه الشعوب، والخلاف الأمريكي الإيراني بات واضحاً وخطيراً بعد تهديدات ترامب الأخيرة لها (إياك أن تهدد أمريكا)، وفي سياقات أخرى نقرأ بأن التحالف يتهم إيران بأنها ترعى الإرهاب ومنظماته، وبالتالي تعمل على زعزعة المنطقة سياسياً، لكن يمكننا أن نقرأ بين سطور هذه التصريحات سياسة تسويقية يراد منها تسوية سياسية بين الدولتين، وبخاصة ما يتعلق بتقاسم النفوذ والوجود الإيراني في المنطقة بشكلٍ عام، وما أدلى به ترامب مؤخراً لهو دعوة واضحة للتنسيق بين الدولتين (مستعد للتوصل إلى اتفاق حقيقي مع طهران)، هذا الاتفاق سوف يكون مدخلاً حقيقياً لتسوية الخلافات وتوزيع الحصص في المنطقة.
من جانبها إسرائيل تعمل وبكل قواها الدبلوماسية والعسكرية على تصعيد الموقف في الجنوب السوري بسبب التواجد الإيراني هناك، وتحاول أن تضغط على موسكو بأن تخرج إيران من المنطقة، أو أن تبقى مقابل خمسة شروط هي عدم السماح لها بإقامة موطئ قدم عسكري لها في سوريا، إزالة جميع الصواريخ بعيدة المدى من سوريا، وإخراج جميع مصانع الدفاع الجوي التي تحمل الأسلحة المذكورة، إضافة إلى إغلاق المعابر الحدودية بين سوريا والعراق، وبين سوريا ولبنان لمنع تهريب الأسلحة الإيرانية.
والسؤال الذي لابد منه هو: هل هذا التصعيد الإعلامي بين الدول المتصارعة سوف يؤدي إلى صدامات وحروب عسكرية؟ أم هي فعلاً تصريحات يراد منها اتفاقيات اقتصادية، وتقاسم النفوذ، ومن هنا لا ينظرون إلى إيران كدولة وأمة، بل ينظرون إليها كنظام يمتلك أسلحة نووية تهدد السلم والاستقرار الدولي، كل هذه التسويات تأتي على حساب الدم السوري واستثمار أرضه وسرقة خيراته.

الحل بالحوار الوطني السوري

كل الأطراف المتنازعة على سوريا تتحرك من زاوية واحدة ومشتركة فيها الكثير من البراديغما السياسية، وكل طرف يؤكد على أنه بحاجة للآخر كي يحقق أجنداته بشكل أفضل.
الكرد طرف مهم في المعادلة السياسية كونهم يمتلكون مقدمات جيدة على الصعيد الدبلوماسي والسياسي والعسكري والإداري، فخلال عمر الأزمة عمدوا على بناء أنفسهم وتنظيمها بشكل مثير، وساهمت المكونات الأخرى بتفعيل هذا المشهد، وباتوا قوة لا يستهان بها، هذه المعطيات دفعت الكرد للعمل مع التحالف، وكانت عمليات تحرير كوباني ومن ثم الرقة ودير الزور وبقية المناطق في شمال حلب لها الأثر البالغ في تمتين هذه العلاقة.
لكن ما يجري في درعا أفرز مؤشرات جديدة، أهمها بأن قوات النظام المدعومة من الروس سوف تتوجه نحو إدلب التي امتلأت بكل فصائل المرتزقة التابعة لتركيا وغيرها، بينما الكرد والتحالف ما زالوا يعملون على محاربة داعش وكل قوى الإرهاب، وتبقى قوات سوريا الديمقراطية التي ليست لها أية أجندات قومية كما يروج لها، بل هي قوات وطنية تعمل وفق سياسة مجلس سوريا الديمقراطية التي تعمل هي أيضاً في ظل الإدارة الذاتية التي تبنت مشروعاً فيدرالياً للشمال السوري يضم كل المكونات، والتي تعلن وتؤكد دائماً على وحدة الأرض السورية في ظل التعايش السلمي ومبدأ أخوة الشعوب.
من هذا المشروع لا بد من أن تعيد روسيا والنظام وأمريكا حساباتهم، حيث أن الحل الأمثل للأزمة السورية يكمن في الحوار الوطني السوري ـ السوري من أجل بناء سوريا موحدة لا مركزية هدفها الخروج بالشعب السوري من حمام الدم الذي غرق فيه منذ أكثر من سبع سنوات، والوصول إلى اتفاق يحفظ حقوق كامل الشعب السوري بكل مكوناته وأطيافه وأديانه، وليكون التعايش السلمي وأخوة الشعوب شعاراً لا غنى عنه. وإيجاد سبل لتطبيق الإدارة الذاتية ومشاركة كل المكونات في الحكومة القادمة إنْ صحَّ التعبير، هذه التفاهمات ستنسجم مع تطلعات واشنطن وموسكو، وبالتالي ستصبح قاعدة متينة لحل الأزمة السورية مستقبلاً.