سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

خبز التنور.. عبق الماضي الذي لم تطفئه الحداثة

روناهي/ الشدادي ـ

خبز التنور هو أحد أشهى أنواع الخبز، والذي كان يُصنع بكثرة في أرياف إقليم الجزيرة ومناطق إقليم الفرات، حيث كانت المنطقة تنتج أجود أنواع القمح الداخل في صناعة خبز التنور.
ويبقى التنور عبر العصور الماضية كلها، وإلى وقتنا الحاضر، آلة الخبز الشعبي، التي تتجسد فيها روح التراث، وعبق التاريخ منذ آلاف السنين، وهي اليوم تنبض بالحياة على جوانب الطرق، وداخل أغلب المنازل في ريف مدينة الشدادي جنوب الحسكة، بشكله الأسطواني الذي تتراقص فيه ألسنة اللهب، لتفسح المجال لأنوثة العجينة بالتفتح على عزف الحطب، لتأخذ شكلًاٍ جميلًا يسر الناظرين، ويسيل لعاب الجائعين.
وقالت فاطمة العبد لصحيفتنا “روناهي”: “قبل الأزمة في سوريا، والحرب التي دارت رحاها في كل شبرٍ من بلادنا، خبز التنور بدأ بالتلاشي فترة من الزمن، بسبب اعتماد الأهالي على خبز الفرن، والذي يعد أقل تكلفة، غير أنها عادت اليوم بقوة، حيث بات من المستحيل أن يخلو بيت في المنطقة من التنور التقليدي، الذي يعتمد في صناعته على الطريقة نفسها التي كانت تستخدم في التنور القديم”.
وتضيف: “صناعة التنور بطريقته الأصلية، تحتاج إلى ما يقارب عشرة أيام، حيث تبدأ أولى مراحل الصناعة بجمع التربة الحمراء ونخلها، وتجميعها وإضافة الملح الخشن، والتبن، والقش، وشعر الماعز، ليزيد من تماسك العجية، ومن ثم نقوم بعجن كمية قليلة من التربة، مع باقي المكونات لصناعة القاعدة للتنور، ولصناعة القاعدة، نقوم بصنع دائرة بقطر متر واحد تقريباً وارتفاع من 30 سم وبسماكة تصل تقريباً لثلاثة سم، وهي تمثل قاعدة للتنور، ثم تتركها حتى تجف لمدة يوم أو يومين، حسب درجة الحرارة، ثم تليها مرحلة لف وسط التنور، وفي اليوم الثالث من عملية تصنيعه، تلف فوهة التنور قبل أن يعرض التنور لأشعة الشمس لمدة أسبوع على الأقل، حتى يجف بشكل نهائي، وفي مرحلة أخرى، يوضع المجسم المبدئي وسط غرفة بيت التنور، على أن تترك مصطبة على جانبيه محشوة بطبقات من الحجارة، والطين تساعد في استدارة الرغيف باليدين، كما تساعد في حماية التنور من الكسر، وعند تنفيذ هذه الملحقات يصبح التنور جاهزاً للعمل”.
ونوهت إلى أن التنور يأخذ شكله المخروطي غير المنتظم، حيث تكون قاعدته بقطر متر واحد، ومن ثم يبدأ بالتضيق حتى نصل إلى فوهة التنور، ويكون قطرها قرابة الـ40 سم فقط؛ وذلك للمساعدة على حفظ درجات الحرارة لأطول فترة ممكنة.
عملية العجن والخبز
وتشير فاطمة العبد، إلى أن سر لذة خبز التنور، يبدأ من بين الأصابع، التي تموج، وتدلك العجين برقة وحنان، دون أن تتجاهل دور مقادير الطحين، والماء، والخميرة، والملح، في إنتاج عجنه بمواصفات جيدة، موضحة أنها تحتاج في بعض الأحيان إلى أكثر من ساعة عمل متواصلة؛ حتى يتجانس العجين، ومن ثم يترك فترة زمنية معينة، حتى يختمر وهو مغطى بفوطة قماشية قطنية، لتساعد على عملية التخمير، وتختلف هذه الفترة حسب نوع الخميرة، وجودتها، وكمية العجين.
وتتابع: “بعد عملية التخمير يصبح العجين جاهزاً للخبز، وفي هذه الأثناء نجهز التنور، وسجره بالحطب، حتى يتحول التنور من اللون الوردي إلى اللون الأبيض، وهذه الإشارة تعبر عن جاهزية التنور لاستقبال رقائق العجين”.
وتضيف: “تقطع العجين إلى قطع صغيرة، ومتساوية الحجم مكورة، ومن ثم تُرقق القطع الكروية الصغيرة، وتُوضع على الكارة، وهي قطعة دائرية الشكل يتم صنعها من القماش، تساعد بلصق العجين على الجدار الداخلي للتنور، وتستمر مدة النضج من دقيقتين لثلاث دقائق لكل رغيف، حيث تترك هذه الفترة كي تداعب ألسنة اللهب وجه العجين؛ ليبدأ بالنضوج، ومن بعدها يتم سحب الرغيف من داخل التنور بواسطة اليدين”.
وتتابع: “جرت العادة قديماً طحن القمح بكامل مكوناته، تحضيراً لاستعماله كمكون رئيسي للخبز، بسبب عدم ظهور تقنية فصل القشرة الخارجية، آنذاك، يأخذ خبز التنور لوناً أسمر، أما اليوم وبعدما انتشرت المطاحن الحديثة، والتي تقوم بتنقية القمح وفصل القشرة الخارجية للبذرة، بات خبز التنور أشقر فاتح المظهر، فيما تزال شريحة من الأشخاص وخاصة المعمرون يحبون الخبز الأسمر، بنكهته الجميلة التي اعتادوها”.
سرُّ لذة خبز التنور
وتشير فاطمة العبد: إلى أن في الوقت الحاضر، ظهرت أشكال جديدة من التنور، تسهل عملية صناعة الخبز، ولكنها لا تعطي نتائج التنور الأصلي، مثل تنور الكهرباء، تنور الغاز، والتنور المستخدم على الكاز، حيث تختلف النتائج بشكل كبير، فاللذة المتواجدة في التنور الأصلي التقليدي، لا يمكن أن يعطيها أي نوع تنور أخر، فالمواد الداخلة فيه كلها طبيعية بدءاً من التراب، ووصولاً إلى الحطب وهنا يكمن سر خبز التنور.
ولفتت إلى إن هذه الوسائل ظهرت كوسائل إسعافيه، تساعد أهل المدينة بالتلذذ بنكهة خبز التنور، غير أنها باتت تستخدم مؤخراً حتى في الأرياف، بسبب التصحر، الذي ضرب المنطقة، وصعوبة الحصول على الحطب، حيث كان في السابق يصنع على حطب القطن، الذي تشتهر مناطق الجزيرة السورية بزراعته، ولكن في السنوات الأخيرة تراجعت زراعة القطن بشكل كبير في المنطقة، ما تسبب بصعوبة تأمين الحطب، ولجوء الأهالي إلى الوسائل البديلة للحصول على خبز التنور.