سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

حياكة الصوف موروث الجدّات… ورزق للحفيدات

قامشلو/ دعاء يوسف –

تعدّ حرفة حياكة الصوف من الأعمال الشتوية التي تشغل النساء في ليالي الشتاء الطويلة، فهي من الحرف التراثية التقليدية، التي اتخذتها بعض نساء مدينة قامشلو كمصدر رزق لهنّ.
يتراقص المخرز بين أناملها، لتنطلق في عالم الإبداع، فتحوّل مجموعة خيوط صوفية، تحفًا فنية، تحرك الأسياخ بخفة ومهارة لتبدأ الحياكة، إذ تنسج الجمال العابق برائحة الاصالة والقدم، مهنة احترفتها الجدات لتتوارثها الأجيال جيلاً بعد جيل، ومع قدوم الشتاء تعمل نساء مدينة قامشلو في مجال حياكة الصوف؛ طلباً للرزق، ممسكات بالسنارة، وعيدان النسج، طيلة ليالي الشتاء الطويلة، من أجل العيش الكريم، صانعات تصاميم من الثياب الصوفية كـ “القبعات ـ اللفحات ـ المعاطف ـ الكفوف” التي تدفئ القلوب قبل الأجساد.
 مهنٌ بسيطة وبديعة
وخلال تسليط الضوء على هؤلاء النسوة، كان لصحيفتنا لقاء مع “فاطمة محمد خليل” ذات الثماني والثلاثين ربيعاً من منطقة الزيتونية، فحدثتنا عن شغفها وحبها للصوف، منذ نعومة أظفارها: “ألوانه الخلابة جذبتني، وكيف لمجموعة خيوط رفيعة، أن تصنع كنزة أو وشاحًا، لأراقب ما تصنعه أمي، فأجالسها لساعات، وأنا أنظر لعيدان النسيج بين يديها، وكيف يطول الوشاح شيئاً فشيئاً”.
وبيَّنت أن عائلتها لم تكن ميسورة الحال، فعلمتها والدتها مع أولاد أخوتها الحياكة، بقولها: “وضع أهلي لم يكن جيداً، فبدأت والدتي تجمعنا، نحن وأولاد أخوتي؛ لتعلمنا حياكة الصوف، التي تعلمتها من جدتي، فصنعت لنا عيدان النسج من أسياخ الحديد، التي تصنعها من أسياخ إطارات الدراجات، فتدبّب رأسها قليلاً وتعمل بها”.
وأول عمل لفاطمة بخيطان الصوف، كان بالصف الرابع: “نسجت أول جورب لي، وكان جوربًا خاصًا بالصلاة، ربما لم يكن بتلك الدقة، التي تصنعها والدتي، ولكنه كان جميلاُ جداً، ثم أتقنت العمل للمساعدة في بيع ما نصنع”.
لم تترك حبها للصوف في منزل والديها، بل نقلته معها إلى عشّ الزوجية: “أول مولود لي كانت فتاة، فحكت لها ملابسها الشتوية، ولاقت استحسان من حولي من النساء؛ ليطلبن أن أحيك لهن مثلها، ولكن زوجي رفض فكرة عملي، ومع إصراري، وعشقي للصوف، أقنعته في النهاية”.
ولم تقتصر أعمال فاطمة على نسج الصوف والملابس، بل تعيد تدوير الأشياء، لتصنع منها تحفًا جميلة، سواء إن كان من الصوف أو غيره من الأمور: “أخرج الجمال في الأشياء، فمن أقفاص الخضار الفارغة، والقليل من القماش، أستطيع صنع صندوق للأحذية، ومن صندوق الخضار سلال جميلة، أو قليل من الفلين والألوان، أصنع أنواعًا كثيرة من الفاكهة، فلكل شيء فائدة، ويمكن الاستفادة منه لصنع شيء جميل”.
متجر صغير
افتتحت فاطمة محلها، لتعرض فيه أعمالها الصوفية واليدوية: “مع ازدياد الطلب على أعمالي، عملت في محل قريب من منزلي، وضعت أعمالي الصوفية فيه، ولكن حياكة الصوف في الشتاء فقط، لذلك فقد عرضت فيه سلعاً أخرى، كي لا يتوقف عملي في الصيف”.
وأشارت فاطمة إلى أن البضائع، التي في محلها ليست لها فقط: “يوجد الكثير من النساء، التي تتبرع بالأعمال اليدوية، أو الخياطة والحياكة، ولكنها لا تجد المكان المناسب لعرض ما تصنع، فتضع أعمالها في دكاني ليتزين بالكثير من القطع البديعة والجميلة”.
جمع محل فاطمة الكثير من النساء، اللواتي يحملن بين طيات حياتهنّ الكثير من القصص، فمنهن الأرامل، ومن تعيل عائلتها، والجدة، التي تربي ولدها اليتيم وغيرهنّ الكثير.
وحباً لعملها افتتحت فاطمة دورات للفتيات، اللواتي يودْنَ التعلم بقولها: “علّمت من رغبت بتعلم حياكة الصوف، وأتلقى أسعاراً رمزية، أو بدون مقابل مادي، لأساعد من تحب في تعلم الصوف”.
ومن أحب الشيء أتقنه، فأعطت فاطمة بذلك مثالًا على ذلك: “إحدى الفتيات من حبها للتعلم استطاعت إتقان العمل في 15 يومًا فقط، وأصبحت متقنة للحرفة كثيرا”.
صعوبات وتحديات
عمل الصوف يتطلب الوقت والجهد، ومع ارتفاع الأسعار، باتت خيطان الصوف غالية الثمن أيضاً، وهذا قد يؤدي إلى قلة الراغبين بالأعمال الصوفية، فبيَّنت لنا فاطمة اختلاف إقبال الناس على الصوف: “يختلف سعر الصوف من عام إلى أخر، فاليوم سعر الصوف بـ 3500 ليرة سورية، وتحتاج الكنزة الصوفية لطفل بعمر عشر سنوات لأربع كرات صوف، ما يقارب الـ 14 ألفاً، فنضع أسعار بضاعتنا حسب تكلفة المنتج”.
وبيَّنت لنا فاطمة المدة المستغرقة لحياكة الصوف: “الوشاح يستغرق ثلاثة أيام، أما اللفحات من ساعتين لثلاث ساعات، وأنا أصنع مفرشًا للسرير، فتستغرق حياكته شهرًا كاملًا، بطول وعرض ثلاث أمتار”، ونوهت فاطمة على قدرتها لغزل ونسج فرش كاملة للمنزل مصنوعة من الصوف.
وأشارت فاطمة إلى امتلاكها ماكينة حياكة، لكنها لا تعمل بها كثيرا: “الماكينة تتحكم بالرسمات فقط، أما الصنارة (المخرز) فتستطيع صنع أشياء جميلة ومبتكرة خاصة لهوايتي، حيث الطلب على عمل مشغول بالصنارة أكثر “.
معارض وإنجازات
شاركت فاطمة بعدة معارض: “شاركت بستة معارض، وكان أول معرض لي في 2011، الكائن في شارع منير حبيب بقامشلو، ومعرض آخر بالحديقة العامة وغيرها، وأخر معرض لي كان بالمركز الثقافي في قامشلو، فقد شاركت مع مجموعة من زميلاتي في المهنة وعددهنّ 48 امرأة بمساعدة حملة (انا أساعد)”.
وفاطمة تركت المدرسة في الصف السادس، لكن حبها للتعلم دفعها للاستمرار، فأخذت أكثر من شهادة: “فإضافة للغزل والنسج أجيد الخياطة والتمريض أيضاً، حصلت على شهادة إدارة أعمال من مركز “التآخي” قبل أربع سنوات، وريادة الأعمال من “بيت الكل”، ولم أتوقف عن حب التعلم بل شجعت أولادي على ذلك”.
واختتمت فاطمة حديثها بتشجع النساء، التي تعيش ظروفًا مادية صعبة على العمل، وعدم الاستسلام لنقطه معينة، فالحياة لا تنتهي عند السقوط: “جميع النساء قادرات على الاستمرار، وتحسين ظروفهن المعيشية، فالعمل يساعد المرأة على بناء ذاتها، وتكوين شخصية قوية قادرة على الوقف في وجه التحديات كلها”.