سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

حنا مينا من قعر المعاناة إلى تربعِ عرشِ الإبداع

عبد الرحمن محمد –
عندما يتحدى الأديب الظروف الاجتماعية وكل حالات القهر ويعيش على حواف الموت ضرّسه الفقر بأنيابٍ حادّة فعمل في حمالاً وعاملاً منسياً على أرصفة الميناء، ثم أنّه كان شاهداً على الاحتلال والاستعمار ومدافعاً مقاوماً ثم ليركب أهوال البحر ويجوب عبابه، ولكن أدبه كان أوسع انتشاراً إذ انتقلت عبر الترجمة إلى معظم لغات العالم الحيّة، سيرة حياة نادرة لشخصيّة نادرة أدبيّاً ووطنيّاً، أضحى مدرسة يُدرّس نتاجه الأدبيّ في جامعات أوروبيّة عريقة ليكون سفير الشرق في الغرب ودون أنّ يُقال أو تنتهي مهام سفارته، يستغرق الحديث طويلاً عن عملاق وقامة أدبيّة كحنا مينه.

نبذة عن حياته

حنا مينه أديب وروائيّ سوريّ مبدع على المستوى العربي والعالميّ؛ وُلد في اللاذقية عام 1924م، وعاش رحلة معاناة وشقاء، يمكن تلخيص كل رحلة حياة حنا مينه بأنّه عملاقُ أدبٍ وُلد من رحم الألم وتربع غبى عرش الإبداعِ.
في محيط عائلة كادحة بسيطة كانت البداية، حنا أخٌ وحيدٌ لثلاث شقيقات، كان والده عتّالاً بالميناء، وبذلك فقد رافقه البؤس والشقاء والمرض في بداية حياته وحتى شبابه، فتعلم واستقر في حي المستنقع، وفيها شهادة الابتدائية عام 1936وتوقف عن الدراسة لضيق اليد، فعمل عدة سنوات في خدمة الكنيسة التي تعيل عائلته وتهتم بأمورها المعيشيّة. وكتب حنا عن الفقر والحاجة والبؤس المدقع مرّة: «كنت أعاني البطالة والغربة والفقر والجوع وأحسد الكلب لأنّ له مأوى».
عاد حنا مينه إلى اللاذقية عام 1939بعد الاتفاقية المشؤومة التي سلّم خلالها لواء اسكندرونة لتركيا، وعمل بائع صحفٍ وعتالاً، وقبلها عمل صبي حلاق وبرع في كتابة الرسائل في حيه السابق «المستنقع»، وتعرّض للطعن بخنجر لبيعه صحيفة «صوت الشعب» ومواقفه السياسيّة التي تبناها مبكراً.
تطوع في البحريّة بعد دخول قوات «فرنسا الحرّة» إلى سوريا في الحرب العالمية الثانية، ولما لم يكن له حظ في التعبئة والتسويق إلى العلمين، لقتال جيش رومل ذئب الصحراء، فقد ترك حنا الخدمة كجندي في البحرية ليصبح بحّاراً لمدّة قصيرة على المراكب الشراعيّة متنقلاً بين مرافئ المتوسط العربيّة، وعلى هذه المراكب، وخلال العواصف، عاين الموت بنظرات باردة ومن هنا كان ولعه بالبحر ثم الكتابة عنه.
بعد الإبحار على المراكب، غدا الرغيف خيالاً، وكان عليه سداً لجوع العائلة، أن يركض وراءه. فاضطر بادئ الأمر للعمل حمّالاً في المرفأ، ثم حلاقاً في دكان صغير على باب ثكنة في مدينة اللاذقية.
وفي عام 1948 انتقل حنا إلى بيروت حيث أمضى بعض الشهور قبل أن يستقر في العاصمة دمشق، حيث بدأ نجمه يصعد تدريجيّاً مع روايته «المصابيح الزرق» وعمله في الصحافة في جريدة الإنشاء التي أصبح رئيس تحريرها؛ كما عمل في السياسة.
تزوج من السيدة مريم التي لم تفارقه أبداً، وأنجبت له خمسة أولاد بينهم صبيان هما سليم وقد توفي في الخمسينيات في ظروف النضال والحرمان والشقاء، والآخر سعد أصغر أولاده، وثلاث بنات سلوى وسوسن وأمل. لكن عمله في السياسة أدّى به إلى الرحيل إلى بيروت مجدداً ثم إلى المجر هرباً من «المباحث السرَّاجيّة»، ويذكر حنا النوم تحت الجسور في سويسرا وأخيراً إقامته في الصين خمس سنوات، وعودته إلى الوطن عام 1967 فأمضى بضعة شهور في اللاذقية ثم دمشق، حيث عمل في كتابة المسلسلات الإذاعيّة بالفصحى والعاميّة، قبل أن يعمل في وزارة الثقافة، وذلك بعد منفى اضطراريّ دام عشرة من الأعوام.
وهكذا فقد نفعته التجارب القاسية: «أنا الحديدة التي تفلوذت بالنار»، كما يقول في المقبل من أيامه، عندما بدأ بالكتابة الفعليّة في الأربعين من عمره.
أفاد حنا كثيراً من العمل في البحر، في كتابة «الشراع والعاصفة»، وكما تسنّت له من خلال الاختباء في الغابات أيام مطاردة الفرنسيين مادة لكتابة «الياطر» (أي وسادة السفينة)، والتي غدت من أشهر رواياته رغم أنّه لم يكتب الجزء الثاني منها.
في إحدى قصصه (الكتابة على الأكياس) يصوّر حنا الظروف الصعبة التي ميّزت طفولته، وكيف جعل منه سوء التغذية صبياً نحيلاً غير قادر على القيام بعمل جسديّ شاق، وحين أحس بضرورة مساعدة عائلته المعدمة ماديّاً، ذهب إلى الميناء، حيث اكتشف عدم قدرته على رفع الأكياس، فشعر بالأسى. وحين برزت حاجة لكتابة بيانات بسيطة على الأكياس اختاره «المعلم» لأنّه يتقن الكتابة. ويذكر في القصة أنّه حين التقى «بمعلمه» في دمشق بعد مرور سنين طويلة، وكان بصحبته صديق يعرف كليهما، قال ذلك الصديق للمعلم: إن حنا كاتبٌ معروفٌ اليوم، قال ذلك الرجل البسيط: نعم، أعرف ذلك. لقد بدأ الكتابة عندي، على الأكياس!
يقول حنا: «لقد تقضى العمر، في حلقاته المتتابعة، بشيء جوهريّ لدي هو تحقيق إنسانيتي، من خلال تحقيق إنسانيّة الناس. أنفقت طفولتي في الشقاء، وشبابي في السياسة، ولئن كان الشقاء قد فُرِضَ عليَّ من قبل المجتمع، فعشت حافياً، عارياً، جائعاً، محروماً من كلّ مباهج البراءة الأولى. فإنّ السياسة نقشت صورتها على أظافري بمنقاش الألم، فتعلمت مبكراً، كيف أصعّد الألم الخاص إلى الألم العام، وكيف أنكر ذاتي، وأنتصر على رذيلة الأنانيّة، وكلّ إغراءات الراحة البليدة، التي توسوس بها النفس، فكان الإنسان في داخليّ، إنساناً توّاقاً إلى ما يريد أن يكون، لا إلى ما يُراد له أن يكون.
وكان المحيط الاجتماعيّ الذي نشأت فيه، بتمام الكلمة، أميّاً، متخلفاً، إلى درجة لا تُصدق، لم يكن في حي المستنقع كله، من يقرأ ويكتب، كان سكان هذا الحيّ، والأحياء المجاورة من المعذّبين في الأرض، الباحثين دون جدوى، عن الخلاص، وعن العدالة الاجتماعية التي لا يعرفون اسمها بعد!!».
الجوائز التي حصل عليها
1 – جائزة المجلس الأعلى للثقافة والآداب والعلوم بدمشق عن رواية «الشراع والعاصفة» عام 1968.
2 – جائزة سلطان العويس من الدورة الأولى عام 1991 على عطائه الروائي.
3 – جائزة المجلس الثقافي لجنوب ايطاليا، فازت بها رواية «الشراع والعاصفة» عام 1993، كأفضل رواية ترجمت إلى الإيطالية.
4 – جائزة «الكاتب العربي» التي منحها اتحاد الكتاب المصريين بمناسبة مرور ثلاثين عاماً على تأسيسه، اعترافاً بموقعه المتميز على خريطة الرواية العربية.
5 – وسام الاستحقاق السوريّ من الدرجة الممتازة بتاريخ 28/5/2002م.
أدبه
يقول حنا مينه: «لقد فكرتُ منذ قرأت عمر الفاخوري في الأربعينات، كيف يكون الأديب من لحم ودم، وليس من حبر وورق، وأدركت ألا شيء يجعل الأديب حيّاً، مثل أن يباشر الأحياء، ويخرج من وحدته البودليريّة التي لا تتيح سوى السقم والأشباح، وأنّ التجربة بأوسع وأعمق معانيها، بكلّ أخلاقيتها ولا أخلاقيّتها، هي التي تكسو هيكل الأديب باللحم، وهي التي تجعل الدم يجري في شرايينه، وبذلك تؤهّله لأن يكون خالقاً حيّاً. يخلق شخوصاً أحياء يعيشون بيننا، ويتنفسون هواءنا، ويكونون صورة عنا، حتى إذا عايشناهم في الكتب قلنا: هؤلاء هم نحن».
أدبُ حنا مينه واقعيّ، وقد قال عن نفسه: إنّه كاتب الواقعيّة الاشتراكيّة، ويرفض الواقعيّة باعتبارها مدرسة في التعبير الأدبي تأخذ الواقع كما هو، فالواقع في الحياة في رأيه يصير واقعاً فنيّاً في العمل الأدبيّ وهكذا فإنّ مقولة «الانعكاس» تعبّر عن أشياء الوجود التي تنعكس في الذات الإبداعيّة، وهناك تختمر، وتعود لتعكس الواقع بصورة أخرى: «فنية» إنّ صحّ التعبير.
ويقول حنا: «الواقعيّة في الإبداع هي غير الواقعية في الحياة، فالواقعيّة كمدرسة في التعبير الإبداعيّ تستوعب جميع المدارس الأدبيّة من الرمزية إلى التعبيرية إلى الأسطوريّة إلى رواية اللا رواية وبدعتها التي ظهرت في أوروبا وتسابق عليها بعض المبدعين العرب، وكذلك رواية الحداثة وما بعد الحداثة، إذ كان كلّ هذا مصدره الواقع، ماديّاً كان أم معنويّاً، ومن الطبيعيّ، والحال كذلك، أن تكون الأسطورة من بعض الواقعيّة التي أومن بها، ولا أنكرها كما يفعل بعض الآخرين».
وحنا يميّز بين القصة والرواية فهما مختلفتان، فالرواية حياة وبالتالي فهي تتقدم، بينما القصة عبارة عن لقطة مفردة من الحياة، فهي تتراجع، وفي رأي حنا أنّه ليست فقط القصة وحدها هي التي تتراجع أمام تقدّم الرواية، بل الشعر والمسرحية وكل الآداب النثريّة.
أما عن علاقة المضمون بالشكل فقد كان المضمون هو الذي يجذب انتباهه. ويقول: «في كلّ روايةٍ أكتبها هناك الجديد، وهناك الاكتشاف للمناطق المجهولة». وفي رأيه أنّ كلّ إقحام للسياسة في الأدب دون أن ينبثق عن ذات الأديب، وضمن شرطه الفنيّ يفسد العمل الإبداعيّ.
أثره في الأدب العربيّ
يُعتبَر حنا مينه شيخ الرواية السوريّة وأحد أعمدة الرواية العربيّة في إثرائه لفيوض الخطابات السرديّة وتمازجاتها التاريخيّة والسيَريّة والواقعيّة مع الأخيولة.
كما أنّ عشاق النقد التقييميّ يعدّون حنا مينه أبرز اسم بعد نجيب محفوظ على خارطة الرواية العربيّة المعاصرة.
وكانت مساهمة حنا مينه كبيرة في ما يعرف بأدب البحر، وذلك لأنّ الأدب العربيّ القديم يكاد يكون خالياً من الإبداع العربيّ البحريّ، وكتب تقريباً ثمانية روايات عن البحر لعل أهمها «الشراع والعاصفة» التي أطلق النقاد عليها اسم قصيدة البحر أو ملحمة البحر وتُرجِمت إلى الإيطاليّة ونال جائزة عليها. فمعاناة البحر في اللجة وفي الأبعاد القصيّة ومجابهة العواصف، لا يوجد ما يعالجه بفنيّة عالية، كما لا نجد في الأدب العربيّ الحديث، مثل هذا الحيز اللازم لهذا الأدب.
وقد أشار أحد الباحثين إلى أنّ البحر في أدبه هو يتمثل بثلاثية (مكان وإنسان وإله)، نتعرّف إليه مادة وروحاً وتصطاده رمزاً وأسطورة ونقرؤه فلسفة لمعنى الحياة ذاتها. وهكذا نجد أنّ المرأة والبحر لديه مرادفان للمغامرة والتجربة وارتياد المجهول واكتشافه، مناقضان للرتابة الاعتياديّة، وهادفان دوماً إلى التجديد والتغيير.
إلا أنّ المحور الأساسيّ في أعماله كان النضال لأجل العدالة الاجتماعيّة التي نذر نفسه لها والتي بدونها ستبقى البشريّة معذبة، ثاقبة، عارية، حافية، مجروحة الروح مكلوم القلب والمشاعر حسب قوله.
تُرجِمَت روايات حنا مينه إلى سبع عشرة لغة أجنبية، «المصابيح الزرق» تُرجِمت إلى الروسيّة والصينيّة، و«الشراع والعاصفة» إلى الروسيّة والإيطاليّة، و«الثلج يأتي من النافذة» دُرِّسَت في السوربون بفرنسا لطلاب القسم العربيّ، و«الشمس في يوم غائم» ترجمتها منظمة اليونسكو إلى الفرنسيّة، وتُرجِمَت إلى الإنكليزية في جامعة جورج تاون في الولايات المتحدة الأمريكيّة، و تُرجِمَت «الياطر» إلى الفرنسيّة والإسبانيّة والرومانيّة. و«بقايا صور» تُرجِمَت إلى الصينيّة والإنكليزيّة في واشنطن والفارسيّة والألمانيّة. و«المستنقع» تُرجِمَت إلى الفارسيّة، و«حكاية بحار» إلى الروسيّة.
وبهذا فإنّ أدب حنا مينه انتشر عالمياً وساعد هذا على انتشار تجربته في أوروبا والصين إضافة للوطن العربيّ، فقد عبّر عن علاقة الأنا بالآخر، وقد درست هذه العلاقة الباحثة وجدان يحيى محمداه. وفي دراستها تذكر أنّ مفهوم الآخر يتمثل في بحوث الأدب المقارن بصور الشعوب وما تتضمنه من أنماط بشريّة مختلفة وأحكام مسبقة، وإشارات وطرائف وآراء ومشاهدات حول تلك الشعوب. «وهكذا بات مفهوم «الآخر» في ميدان الأدب المقارن يعني «الأجنبي»، أما مفهوم «الأنا» فإنه يعني الوطنيّ».
من هذا المنطلق ينجلي هذا الآخر في أعمال حنا مينه، فهو الذي كتب رواية الصين الكبرى في ثلاثيّة تقع في ألف صفحة بعنوان: «حدث في بياتخو، عروس الموجة السوداء، المغامرة الأخيرة». وهو يرصد واقع الصين في بداية الستينات والثورة الثقافيّة في بناء الصين الاشتراكيّة في قمة الاضطراب والنكوص والإقدام والحماس، والخلاف الذي استحكم بين موسكو وبكين.
أما في رواية «الربيع والخريف» فقد كتب عن «بلاد المجر-هنغارية» وعن الثورة المضادة في المجر عام 1956، أمّا في رواية «فوق الجبل وتحت الثلج» فقد كتب عن بلغاريا، وسبب انهيار بنائها الاشتراكيّ عام 1990، أما في «المرأة ذات الثوب الأسود» فهو يتحدّث عن المجتمعات الغربيّة (الفرنسيّة والإنكليزيّة)، وما تعانيه من آفات ومشكلات اجتماعيّة مثل الشذوذ الجنسيّ من خلال شخصيتي مارغريت الفرنسيّة وسميث الإنكليزيّ، أما في «حمامة زرقاء في السحب» فقد كشف عن الديمقراطيّة المزيّفة التي وجدها «جهاد مروان» في كل من حي «سوهو» وحدائق «الهايدبرك» في لندن، وأما في «الرجل الذي يكره نفسه» فقد كتب عن سبب انهيار العالم الاشتراكيّ في الاتحاد السوفياتيّ وصموده في الصين.
وقد كتب عن «النضال ضد الاحتلال الفرنسيّ» في أكثر رواياته، ووضّح أنّ الاستعمار الفرنسيّ امتدادٌ للاستعمار التركيّ العثمانيّ الذي سبقه، وهما وجهان لعملة واحدة ومضمونهما الاستغلال واستعباد الشعوب واستنزافها ونهب خيراتها.
من خلال أعمال حنا مينه نرى تفاعل الذات مع الآخر سلباً وإيجاباً. وأصبح من المعروف أن «الذات تدخل في نسيج الآخر، وتتحد مع الآخر على نحو يعترف بتعدد الآخر وتنوعه وتباينه واختلافه معها».
وهكذا فقد تخطّت روايات حنا مينه حدودها اللغويّة العربيّة باستقبالها المتنوع خارج حدودها القوميّة عن طريق الترجمة، بمعنى آخر كما تذكر الأستاذة وجدان يحيى محمداه أن توفر الشرط الاستقباليّ، وما تضيفه من جماليّة إلى الأدب في العالم، بالإضافة إلى توفر الشرط الإنتاجيّ، أي ما تتمتع به من مستوى فنيّ وفكريّ متميز، يكسب أعمال مينه الأدبيّة صفة العالميّة.