سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

حــوار دمـشـق لم يتـوقف

رامان آزاد –
استأثرت لقاءات وفد مجلس سوريا الديمقراطيّ بدمشق باهتمام سياسيّ وإعلاميّ استثنائيّ دوليّاً وإقليميّاً، وذلك لأنّ المبادرة جاءت من دمشق في توقيتٍ حسّاس بعد مرحلةٍ طويلةٍ من معارك التصفية بتوافق روسيّ أمريكيّ، وأحداثٍ جسام انتهت بعملية فرزٍ فإما التسوية (مصالحة مع النظام) أو الترحيل إلى إدلب أو ما يسمّى الجيب التركيّ.
منذ الإعلان عن لقاء دمشق أدركت أنقرةُ أنّ سياستها في سوريا ستلفظ نفسها الأخير، فاللقاءُ في حدّه الأدنى إقرارٌ دوليّ بالقوى الباقية على الأرض، وهي نتيجةٌ لا تقبل بها أنقرة وتعني أنَّ كلّ القوى التي دعمتها ورعتها إلى زوال ولا وزنَ لها بالمشهدِ السياسيّ، فأوعزت لوسائل الإعلام الموالية لها لبثِّ سمومِها، في مسعىً يائسٍ لتشويه المشروعِ الديمقراطيّ الذي حاولت إنهاءه عبر دعم الإرهاب والاحتلال المباشر.
امتعاض أنقرة من لقاء دمشق
فهمُ السياق الذي تتمُّ فيه مباحثاتُ مسد مع دمشق مهمٌ جداً، ويوازي مضمونَ المباحثاتِ نفسِها، ولنتوقعَ معها حجمَ الحملة الإعلاميّة القادمة للإساءة إليها. إذ لم تتوقفِ الدعاية السوداء من الموالين لحكومة أنقرة التي أحسّت بمزيدٍ من الضيقِ، مع زيارة وفد مسد الثانية إلى دمشق، وبدء عملِ اللجان المختصّة ومناقشة مسألتي اللامركزيّة والدستور، فعملت على الترويج لسيناريو ملفّق تضليليّ حول انتهاء الحوار مع دمشق. في الوقت الذي تؤكّد فيه القوى الكبرى للمعارضة المسلّحة وكذلك السياسيّة في الائتلاف على أنّ دورها انتهى، وبات ذلك واضحاً من خلال عمليات التسوية (المصالحة) مع النظام التي اقتضت إلقاءَ السلاحِ شرط تذكرة ركوب الحافلات في رحلة إلى منفى الشمال حيث تتأهب قوات النظام مع حليفها الروسيّ لبدء عملية عسكريّة موسّعة، تمّ استباقُها بقصفٍ جويّ وإلقاءِ مناشير تؤكّد على أنّ من لم يدخل بيت الطاعة سيصنّف قوةً إرهابيّة يجبُ اجتثاثها بالقوة.
بعد احتلال عفرين، تراءى لأنقرة أنّها كسبت أوراقاً تفاوضيّة مهمة تمكّنها من الضغط على مراكز القرار والمساومة، فجاءت الصدمة بأنّ كان الردّ الدوليّ في صالحِ إطلاق حوارٍ مع مجلس سوريا الديمقراطيّ، وبذلك سيتمّ بحثُ المشروع الديمقراطيّ اللامركزيّ الذي تخشاه وعملت حثيثاً من أجل إنهائه وسخَّرت لذلك إمكاناتها فدعمت كلّ فصائل المرتزقة وجمعتهم في سياق عملية إرهابيّة موسعة أسمتها زوراً «بغصن الزيتون»، فكانت النتيجة أن علقت في أزمة ماليّة خانقة وخسرت ليرتها 40% من قيمتها أمام الدولار،.
في الوقت نفسه تُنهي قواتُ النظامِ معركةَ الجنوب تقريباً باستعادة السيطرة على كاملِ السويداءِ ومعظِم درعا، ليكونَ ذلك مؤشّر رفعِ الغطاءِ الدوليّ عن كلّ الفصائل المسلّحة، وبالتالي لم يبقَ أمام المجاميع المسلّحة في إدلب إلا الحدود التركيّة متنفساً، ولتقف أنقرة أمام خيارات معقّدة، ولعل اتفاقها الأخير مع موسكو على المشاركة بمعركة إدلب هو قرارٌ كالعلقمِ المر، ولكنها تجد بتقدّمَ المشروع الديمقراطيّ طعماً أشدَّ مرارة، وبخاصةٍ بعد سلسلةِ الإجراءات التي اتخذتها ومنها استفتاء شرعنة الديكتاتوريّة وإلحاقها بانتخابات مبكّرة لاقتناص كلّ الفرص ومنع السقوط. لكنَّ الأزمة الماليّة فاجأتها في توقيتها، إذ كانت متوقعةً بعد أشهر، اعتقد قادة أنقرة أنّهم قادرون خلالها على ترقيع النظام الماليّ، ومع حزمة العقوبات الأمريكيّة وتصاعدِ الأزمة وجدت أنقرة نفسها فجأة وحيدةً بلا منقذٍ، إلى أن هرول أمير قطر بعد صمتِ أيامٍ لزيارة أنقرة يحمل حقيبة عبأها بخمسة عشر مليار دولار، ليرُدَّ دينَ أنقرة في رقبته إذ وقفت إلى جانبه لمواجهةِ المقاطعة الخليجيّة بعدما استجدى أردوغان أنصاره لدعم الليرة التركيّة وأظهر نفسه بطلاً تاريخيّاً في مواجهة المؤامرة الدوليّة عليه.
الحوار طويل والبداية من التعريف عبر اللجان
اللقاء الثاني لمسد في دمشق لم يتجاوز إطار اللقاءات ونقل الأفكار والتباحث، فلكلّ طرفٍ تصوّر خاص يقوم على أساسه بالتقييم، فمجلس سوريا الديمقراطيّة يتطلع إلى مشروع لا مركزيّ تعدديّ ديمقراطيّ، بينما تسعى دمشق لجعلِ القانون 107 لعام 2011م السقفَ النهائيّ للإدارة الذاتيّة وهو نفسه قانون الإدارة المحليّة، ما يعني الإطاحة بكلّ الجهود التي بُذلت خلال سنوات الأزمة، والواقع أنّ المشروع الديمقراطيّ يشمل في جزئيّةٍ منه على الإدارةِ المحليّة، التي لا تصلح أن تكون بديلاً موازياً للإدارة الذاتيّة.
عندما لبّى مجلس سوريا الديمقراطيّة الدعوة للتفاوض في دمشق، كان القرار صائباً متوازناً، ومتوافقاً مع توجّهاته والانفتاح على الحوار لحلّ الأزمة، ومضى يحمل معه مشروعه وكلَّ آمال شمال سوريا وطموحاتِ سوريين آخرين في أنحاء مختلفة في البلاد، وهو يعيش تجربة الإدارة الذاتيّة واقعاً منذ أكثر من أربع سنوات، وقد صاغ مشروعه من غير ارتجالٍ أو اقتناصٍ للفرص كما يتوهمُ البعض أو يريد أن يُوهم الآخرين فيسيءَ عن قصدٍ إلى جوهرِ المشروع، ولعله ليس مستغرباً أن يرفضَ البعض أيّ مقاربة للديمقراطيّة، فاليوم تعيشُ سوريا السنة الثامنة لأزمتها وحالة الاستعصاء في الحلّ السلميّ مستمرّة، والقرارُ السياسيّ لم يخرج عن الإطار العسكريّ، ويتمثل بنقل إنجازات الميدان إلى المؤتمرات وتثبيتها على طاولة التفاوض، وبذلك فهو حلٌّ يستند إلى مفهوم الغلبة والقوة، وليس إلى إرادة الشعوب وطموحاتهم، ولا يعبأ بآلامهم وحريٌّ بحلٍّ كهذا أن تكون فاتورة الدم فيه مرتفعة.
حضر وفد مجلس سوريا إلى دمشق وقد صاغ إطار الحلّ السياسيّ متمسكاً بالثوابت الوطنيّة التي خرقها الجميع في خضم صراعهم على السلطة، وأهمّ الثوابت سوريا وحدة سوريا وسيادتها وعدم إعادةِ عقاربِ الزمان إلى الوراء إلى النظام المركزيّ الشموليّ، وهذا هو أدنى الوفاء لدماءِ آلاف الشهداء من العسكريين والمدنيين، ومناقشة كلّ القضايا الحقوقيّة العالقة منذ عقود ومنها القضية الكرديّة في سوريا، إذ كانت على الدوام في عهدةِ المؤسسات الأمنيّة، ولم يُتصدَّ لحلّها قانونيّاً، وهذا ما ينطبق على مكوّنات وفئات مجتمعيّة سوريّة أخرى، وبهذا فإنّ نموذج الإدارة الذاتيّة يصلحُ تعميمُه في كلِّ أنحاء سوريا. ومن خلاله تتحقّق برامج التنمية المستدامة وتطوير سائر المناطق وفق منظورٍ يستجيبُ لمنطقِ العدالةِ الاجتماعيّة، ولا مجال فيه لأيّ تغييبٍ اجتماعيّ أو جغرافيّ، كما من شأنه ضبط حالةَ الأمنِ والاستقرارِ وإطلاق عملية إعادةِ الإعمار.
لا زالت النقاشات كلها تدورُ في المرحلة الأولى لفهمِ وجهات النظرِ، ذلك لأنّ مشروع الإدارة الذاتيّة قد أُسيء فهمُه عمداً وتمّ الترويج لمطابقته بالانفصال والتقسيم وأنّه مشروعٌ قوميّ أو عرقيّ بغاية إثارة المواقف السلبيّة ضدّه. ولذلك فمن المبكر جداً الحديث عن النتائج، لأنّها رهنُ عملِ اللجانِ المختصة بين الطرفين، ويبقى للجانبِ الخدميّ فقط أولوية لبناء الثقة, والإدارة الذاتيّة التي يتمُّ طرحُها شاملة, تشملُ الجانبَ التعليميّ والخدميّ والدفاعي, وسائرَ جوانبِ الحياة, وهذه المسائل ستتوضح مع التوافق على شكلِ العلاقة مع المركز وعلى حجم الإدارات الذاتيّة. كما أنّ وجود رعاية دوليّة مهم من أجل إلزام طرفي الحوار بتنفيذ مقتضيات الاتفاق.
ونقلاً عن موقع خبر 24 قالت إلهام أحمد، رئيسة الهيئة التنفيذيّة في مسد: إنّ اللجان القانونيّة التابعة للطرفين عقدت أول جلسة لها خلال جولة المفاوضات هذه، وأشارت إلى أنّ لجنة مسد القانونيّة نقلت رؤية المجلس حول القضايا التي تمّ التطرق إليها في الجولة السابقة. وأنّ لجان التفاوض «تعود إلى دمشق للاستمرار بالمفاوضات خلال الأيام المقبلة».
وفي حديث لوكالة رويترز توقّع رياض درار الرئيس المشترك لمسد أن يكون الحوار طويلاً، وأنّ وفد مسد تلقّى اقتراحاً من دمشق تضمن مشاركة مناطق الإدارة الذاتيّة بالانتخابات المحليّة الشهر القادم، فكان ردُّ مسد التأكيد على الاحتفاظ بهيكله الحالي (الإدارة الذاتيّة) في أيّ انتخابات مستقبليّة، وأنّ الوفد سيعود للمزيد من المشاورات. مؤكّداً على أولوية مناقشة القضايا الخدميّة والاتفاق حولها لبناء جسور الثقة، ورأى في المسائل التي طرحها جانب النظام أنّها سابقة لأوانها.
من المهم جداً التعريف بماهية الإدارة الذاتيّة, وكثيرٌ من السوريين ليس لديهم معرفة عنها, ما يتطلّب عملية تعريف وتوضيح لها، فالمواقف السلبيّة منشؤها الجهل بها. وأما فرضُ نموذجِ الإدارة المحليّة, فلن يحلّ القضايا العالقة ولا تلك أفرزتها الأزمة، والنظام التعليميّ أحدها، وحلّ تفاصيل المشاكل والتي تراكمت خلالها، كما أنّ إحالة كلّ القضايا الخدميّة المستعجلة إلى المركز من شأنه تعطيل حركة التطور المجتمعيّة.
إنهاء الإرهاب والاحتلال أولوية حلّ الأزمة
وأما الشبهة التي تراوح عندها تصريحات مسؤولي النظام فهي الوجود الأمريكيّ على الأراضي السوريّة، ولكنها واقعٌ لا يختلف عن وجود القوات الروسيّة مثلاً، وعند التوصل لأيّ صيغة توافقٍ سوريّة سوريّة، سترحل القوات الأجنبيّة عن سوريا، لعدم وجود مبرر لبقائها، وأما تلويح النظام باستخدام القوة لإخراج القوات الأمريكيّة فلا يخرج عن إطار الموقف السياسيّ، والأولوية هي لإخراج قوات الاحتلال التركيّ وإنهاء الوجود الإرهابيّ.
ونقلت وكالة رويترز الأحد حديثاً عن محاولة أنقرة الاستمرار في خطتها ضمن الأراضي السوريّة، وقال أردوغان بهذا الصدد مجافياً الحقيقة: إنَّ ربع مليون شخص عادوا بالفعل إلى مناطق «محرّرة» في سوريا. وأضاف «إن شاء الله سنحرّر مزيداً من المناطق ونقيم مزيداً من المناطق الآمنة». وأشار إلى أنّه جرى تكثيف الجهود الدبلوماسيّة والعسكريّة في محافظة إدلب، حيث أقامت تركيا نحو 12موقعاً عسكريّاً للمراقبة، لتجنُّب حدوث ”كارثة“ كما وقعت بمناطق سوريّة أخرى. وأنّ بلاده قد تضمّ منطقة سنجار بباشور إلى هذه العملية إذا دعت الضرورة. وبذلك تؤكّد أنقرة على أنَّها عاملُ تعطيل لكلّ الجهود الرامية إعادة الاستقرار إلى المنطقة، إذ لا مبرر أبداً للقصف الجويّ التركيّ على شنكال بعدما تحرّرت من الإرهاب إلا أنّها تقوم بدور المرتزقة، والعمل نفسه الذي قامت به عبر احتلال عفرين.