سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

حسرات أمُّ هفرين

نسرين آكري


حملت حجارتها وحذاء ابنتها وانطلقت بأقصى ما لديها من سرعة نحو الطريق الذي ستمر فيه الدورية الروسية التركية المشتركة وفي طريقها التقت بالكثير من أهل قريتها كانت تسلم عليهم وهي تلهث وتسرع في مشيتها أكثر فأكثر كلما رأت شخصاً يحمل مثلها الحجارة ويحث الخطى نحو الطريق المنشود، كانت تصرّ على أن تكون أول الواصلين إليه.

  حضنت الحجارة بكل قوة مخافة أن يقع واحد منها فبذلك تخسر ضربةً لعدوها الذي ستثأر منه ولو بضربة حجر لغاليتها هفرين كانت مصممة أن تضرب بقوة تلك المدرعات المحمّلة بالأعداء المحتلين الذين قتلوا ابنتها فلذّة كبدها بأبشع طريقة فصورة هفرين الشهيدة لا تفارق خيالها؛ خيالها الذي يصوّر دائماً التعذيب الوحشي الذي نالته ابنتها على أياديهم القذرة.    ابنتها تلك الحمامة.. حمامة السلام التي كانت دائماً تحمل رسالة الأخوّة إلى كل شعوب سوريا رسالة المحبة والسلام لكن الذين باعوا سوريا، سوريا التي كانت هفرين تعمل ليلاً نهاراً لأجل أمنها واستقرارها ووحدة أراضيها قتلوا ياسمينة سوريا، تلك الأرض الطاهرة المباركة مدّوا إليها أياديهم القذرة لقد طعنوا الوطن طعنات الخيانة مجدداً بقتلهم هفرين الياسمينة.

أُولئك الذين باعوا سوريا للمحتل ووضعوا أياديهم في يده ليقتل أبناء شعبهم، وليحققوا أهداف المحتل الذي لا حدود لأطماعه في سوريا فهو يريد سوريا كلها ليجعلها ولاية تابعة لسلطنته وليسرق خيراتها وتعب شعبها وليعيد مجد إمبراطورية آبائه وأجداده وبكل أسف من يساعده اليوم على ذلك هم بعض السوريين مقابل حفنة من الأموال.

وقفت أمُّ هفرين على الطريق وهي تنظر من بعيد إلى الهدف، وكغيرها من النساء والرجال والأطفال مسكت حجارتها بكلِّ جوارحها وبدأت تراقب المدرعات تنتظر وصولها وكم كانت تتمنى لو تحولت الحجارة إلى قنابل تحرق المدرّعات بمن فيها.

الدورية تقترب منهم شيئاً فشيئاً وبدأ قلبها يدقُّ بقوة وكأنه سيخرج من صدرها فغريمها يقترب وهي الآن ستنتقم لدم هفرين ستكون وجهاً لوجه مع قتلة الشعب الكردي، لكن هل هذا يكفيها لتهدأ ولتنطفئ النار المشتعلة في صدرها؟

بدأت ترمي الحجارة بكلِّ قوتها وكان صوتها يعلو مع كلِّ ضربة حجر وأصوات أهل قريتها الغيورين تتعالى وهم يهتفون بدم الشهداء ويلعنون المحتل والخائن لتراب الوطن وكأنّهم ينتقمون لدماء أبنائهم بتلك الحجارة.

لم تتوقف أُمُّ هفرين عن الضرب بالحجارة وبحذاء هفرين ولم تشعر بالتعب وكأنّ الانتقام لهفرين منح القوة لجسدها الذي هدّه الحزن على فراق هفرين كانت تصرخ مع كلِّ حجرٍ: “خذ هذه وخذ هذه”، وقذفت في وجوههم المتعفنة حذاء هفرين ونادت: “الموت لكم أيها القتلة المجرمون سننتقم منكم.. سننال منكم، نيران الانتقام لهفرين ولكلِّ رفاقها الشهداء”.

أُم هفرين لم تكن لتحزن كلَّ هذا الحزن وتتألم كلَّ هذا الألم لو أن ابنتها استشهدت في إحدى المعارك الشرسة التي تشهدها أراضي روج آفا في سبيل الدفاع عن وطنها ولم تكن لتبخل على وطنها بأولادها، فللوطن يرخص كلّ شيء، وهي مدرسة في حب الوطن وهذا ما علمته لأبنائها.

ارتاحي يا أُمَّ هفرين فرفاق هفرين انتقموا لها وما زالوا ينتقمون لها ولكلِّ رفاقهم الذين استشهدوا بتلك الأيادي القذرة وسيطهرون تراب روج آفا من دنسهم وسيعطون للظالمين المحتلين الطامعين بأرضنا درساً وسيعود أهل روج آفا لبيوتهم وقراهم ومدنهم ليعمروها من جديد ويزرعوا أرضهم من جديد ليعم الخير والسلام وتشرق الشمس من جديد بعد ليل طويل.