سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

حروب السلطة والدفاع

ساد في منطقةِ ميزوبوتاميا صراعٌ على أشدِّه بين السلطتَين المهيمنتَين اللتَين تُعَبِّران عن انتمائهما للشرق والغربِ على الأغلب: الإمبراطوريةُ التي مركزُها روما الإيطالية، والإمبراطوريةُ الساسانيةُ التي مركزُها بلادُ القوقازِ الإيرانية. أي أنّ الحضارةَ ذات المركزِ الميزوبوتامي، والمُعَمِّرةَ ثلاثةَ آلافِ عام، انتقلَت إلى خارجِ المنطقةِ لأولِ مرة، لِتُواصِلَ إرثَها المُقتَسَمَ بين كِلتا المدنيتَين المهيمنتَين الكُبرَيَتَين. الحروبُ الدائرةُ بينهما ضاريةٌ جداً، وهي في جوهرها صراعٌ على ميراثِ حضارةِ ميزوبوتاميا. وربما أنّ أعتى صراعٍ متواصلٍ على الهيمنةِ في التاريخِ حَصَلَ في ذاك العهد. وبالإمكان تقييم الإسكندر ومَن بَعدَه بالجولةِ الأولى مِن ذاك الصراع. لا يزال ثمة زمانٌ طويلٌ لانزلاقِ مركزِ المدنيةِ إلى الغرب. لكن، ومع ذلك، يتضحُ أنّ أُولى الخطواتِ على هذا الدرب قد خُطِيَت حينذاك.
يُلاحَظُ أنّ الفلسفةَ الإغريقيةَ في الإمبراطوريةِ الرومانية، والتعاليمَ الزرادشتيةَ (الأكثر دنيوية وأخلاقية) في الإمبراطوريةِ البرسيةِ – الساسانية قد عجزتا عن أنْ تَكُونا الحلَّ المأمولَ للقضايا النابعةِ مِن احتكارِ كِلتا المدنيتَين. في الواقع، إنّ حقيقةَ الحربِ تؤكدُ على العقمِ واللا حل. فالإمكانياتُ المحدودةُ لفائضِ القيمةِ تَجعَلُ الحربَ بين الاحتكاراتِ المتعاظمةِ كَمّاً ونوعاً مِن أفضلِ أساليبِ التكديسِ المُحَبَّذَة. فالحروبُ في تاريخِ المدنيةِ أَشبَهُ ما تَكُونُ بضربٍ من أدواتِ تراكُمِ رأسِ المالِ والسلطة. أي أنه لا علاقةَ لها بقصصِ البطولةِ الأسطورية. فهذا يُمَثِّلُ الجانبَ الدعائي، لا غير. ساطعٌ بجلاء أنّ تعريفَها الأكثرَ معنى هو أنّ الحروبَ في نهايةِ المآلِ – بما فيها الحروب الراهنة – هي وسائلُ تبديلِ مواقعِ رأسِ المالِ والسلطة. بالتالي، ينبغي أنْ يُوضَعَ نصبَ العين دائماً لدى قراءةِ التاريخِ أنها تَلعَبُ دورَها في مركزِ قوى وعلاقاتِ الإنتاج الأكثر أساساً. أما حروبُ الدفاعِ الطبيعية، فتهدفُ إلى صَونِ ما في حوزتها من حريةٍ وأراضٍ وقوى وعلاقاتِ إنتاجِها الأخرى. أي وباختصار، تهدفُ إلى صَونِ البنيةِ الأخلاقيةِ والسياسيةِ للمجتمع، وحتى ديمقراطيتِه إنْ وُجِدَت، في سبيلِ الحفاظِ على هويته. وهي تستقي شرعيتَها مِن هذا الواقع.
لَطالما يدورُ الحديثُ مِراراً عن وظيفةِ حروبِ الاحتكارِ كقوةٍ محركةٍ في تاريخِ المدنية. وهذا صحيحٌ مِن حيث أنها تُسفِرُ عن تحديثاتٍ تقنيةٍ وتنظيميةٍ – عمليةٍ أكفأ. ولكن، مِن الضروريِّ الإدراكَ أنها مِن حيث الجوهر تُشَكِّلُ الظواهرَ الأكثر خروجاً عن المجتمع، بل وعن الطبيعة، وأنها أكثرُ مِن وحشية. رغم ذلك، فهي تنبعُ مِن المجتمع، بِحُكمِ كونِها أدواتٍ للتحولِ إلى احتكار. لكنها تستنفذُ تلك المواردِ في سبيلِ إخراجِ المجتمعِ مِن كونِه مجتمعاً.