سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

حرب المياه

محمد داوود داوود –
منذ أن أطلق الدكتور بطرس غالي السكرتير العام السابق للأمم المتحدة نبوءته المشهورة في مطلع التسعينات في القرن العشرين أنّ حروب العالم المقبلة ستكون حول مصادر المياه والدراسات الدوليّة حول مشاكل نقص المياه في العالم وما تثيره من نزاعات لا تتوقف وأحدث هذه الدارسات ما صدر عن معهد وورلد ووتش الأمريكيّ في واشنطن بقلم واحدة من أكبر باحثات المعهد وهي ساندرا بوستل وعنوانه تقسيم المياه وتحدد الدراسة نتيجتها من أول سطر وهي أنّ النقص المتزايد في موارد المياه في العالم بصفة عامة مقابل التزايد المطّرد في تعداد السكان يشكل تهديداً خطيراً للإنتاج الغذائيّ والاستقرار الاجتماعيّ والسلام العالميّ بين الدول والشعوب يضاف إلى نقص موارد المياه وتزايد السكان أنّ هناك 214 نهراً على مستوى العالم يمرّ كل منها في أكثر من دولتين (الأنهار الدوليّة) في ظل غياب قانون دوليّ حتى الآن ينظم توزيع واستخدام مياه الأنهار ما يفتح الباب واسعاً أمام احتمالات الصراع المشكلة إذاً- عالميّة فسكان العالم سيزيدون خلال الثلاثين سنة المقبلة بمقدار 2،6 مليار نسمة بينما لن تزيد موارد المياه بل ربما تتناقص المياه بينما لن يكون لهذه المشكلة وجود في ثلاث قارات هي الأمريكتان وأستراليا وستكون أوروبا الأقل معاناة من المشكلة ففي حين تستحوذ أمريكا الجنوبيّة على 26% من موارد مياه العالم ولا يزيد تعداد سكانها على 6% من إجمالي سكان العالم وتستحوذ أمريكا الشماليّة والوسطى على 5% من مياه العالم مقابل 8% من سكانه وأستراليا على 1% من مياه العالم مقابل أقل من 1% من سكانه فإنّ نصيب آسيا من مياه العالم لا يتجاوز 36% بينما يعيش فيه 60% من سكان العالم وأفريقيا 11% من المياه مقابل 13%من السكان أما أوروبا ففيها 8% من مياه العالم و13% من سكانه وبين آسيا وأفريقيا يتصدر الشرق الأوسط المناطق الأكثر معاناة في القارتين والعالم من نقص المياه واحتمالاته وبالتالي الأكثر تعرّضاً للحروب والصراعات الدمويّة بسببها فالحدُّ الأدنى لنصيب الفرد من المياه المتعارف عليه عالمياً يجب ألا يقل عن 1700م3 لكل فرد وقد ثبت في عام 1995م أنّ هناك 44 دولة في العالم يقلُّ نصيب الفرد فيها من المياه عن هذا المعدل وأنَّ أكثر من نصف هذه الدول يقع في الشرق الأوسط وأفريقيا وقد أدّى نقص المياه في خمس دول من دول الشمال الأفريقيّ وهي: مصر- ليبيا- تونس- الجزائر- المغرب- إلى أن أصبحت هذه الدول تستورد ثلث احتياجاتها من الحبوب من الخارج بكل ما يمثله ذلك من أعباء ماليّة وما تتعرض له بسبب ذلك من ضغوط سياسيّة أحياناً مشكلة أخرى وهي أنّ هناك خمس دول عربيّة يقع أكثر من نصف مواردها المائيّة خارج حدودها حيث تتدفق عليها عبر دول أخرى وبالتالي تتراجع سيطرتها عليها ويضاعف ذلك من احتمالات نشوب الصراع حولها فمصر تحصل على 97% من مواردها المائيّة من خارج حدودها عبر نهر النيل وموريتانيا 95% وسوريا79 % والسودان 77% والعراق 66% فأحواض أنهار: دجلة والفرات واليرموك والنيل هي ميادين الصراع القائمة والقادمة في الشرق الأوسط والعالم ولا تحتاج الدراسة إلى جهد كبير للتدليل على ذلك بالشواهد فالصراع قائم فعلاً في أحواض هذه الأنهار بصور مختلفة بين دول حوض نهر النيل حول اتفاقية تقسيم مياهه المبرمة من عام 1959م والتي تطلب بعض دول الحوض إعادة النظر فيها وبين دول نهر الأردن : الأردن- إسرائيل- سورية- لبنان- فلسطين- والتي كانت المياه أحد عناصر الصراع المسلّح والمياه عنصر من أهم عناصر التسوية النهائيّة الشاملة وبين دول حوض دجلة والفرات وتكشف الدراسة أن المعاهدة الأردنيّة والإسرائيليّة المبرمة عام 1994م واتفاقية الحكم الذاتي الفلسطينيّ الموقعة في أيلول 1993م قد تطرقتا إلى تنظيم موارد المياه جزئياً بين كلّ من الأردن وإسرائيل في الأولى وإسرائيل والفلسطينيين لأول مرّة أنّ لهم حقوقاً في المياه الجوفيّة للضفة الغربية إذا كانت الحروب المقبلة ستشتعل حول موارد المياه فمن المؤكد أن السلام العادل والشامل في الشرق الأوسط هو الطريق الوحيد للوصول إلى تسوية لقضية المياه تضمن من خلال التعاون وحسن النوايا نصيباً عادلاً لكلِّ دولة من دول المنطقة وتصنع من خلال التعاون وحسن النوايا أيضاً ما يلزم من خطط فرديّة وجماعيّة لتعظيم هذه الموارد وتنميتها.