سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

 “جيشٌ سوريّ وطنيّ” تقودُه أنقرة!!

رامان آزاد –

من السخريّةِ بمكان أن يتشكلَ جيشٌ يرفعُ الوطنيّةَ شعاراً وكلّ ما يتصلُ به ليس له علاقة بالوطن، سواءٌ بقيادته أو مشروعه، والأنكى أن تروّج أنقرة لهذا الجيش الافتراضيّ وأقل ما يمكن وصفها به أنّها عدوة.
تدويرٌ لمادةٍ مستهلكةٍ
تزامناً مع التهديدِ التركيّ أوضح الناطقُ باسم ما يُسمّى “الجيش الوطنيّ السوريّ” الرائد يوسف حمود” أنّهم سيشاركون القواتِ التركيّة بالعمليّة التي يجري التجهيزُ لها شرق الفرات، مشيراً إلى أنّ المعركة ستشمل 150 نقطة بين منبج وتل أبيض (كري سبي)، وستُستخدمُ فيها كلّ أنواع الأسلحةِ وبمشاركةِ الطائرات الحربيّة التركيّة وستُقسمُ على عدّةِ مراحل، وحول طبيعةِ المعركة قال حمود: “ستكونُ متكاملةً على غرارِ عملية “غصن الزيتون” وأنّ الاستعداداتِ جاريةٌ على قدم وساق وستشاركُ كلُّ الفيالقِ المكوِّنة “للجيش الوطنيّ”.
يذكّرنا التشكيلُ العسكريّ المُسمّى “الجيش السوريّ الوطنيّ” بتشكيلِ “مجلس سوريا الانتقاليّ” بإسنطبول ليكون واجهة سياسة والنسخة المترجمة للأجندة الخارجيّة، ثم تمت إعادة صياغته باسم “الائتلاف الوطنيّ”، فهذا الكيان العسكريّ هو إعادةٌ صياغةٍ تركيّةٍ وتدويرٌ لما تمَّ استهلاكه بمسمّى “الجيشَ الحر” والذي كان عنواناً فضفاضاً شكّل إطارَ عسكرةِ الحراكِ السلميّ والانتقال إلى العنفِ، ولم يكن له علاقةٌ بمعنى الثورةِ ولا بالانتماء الوطنيّ، بل مهمته الدخول المسلّح إلى المدن والبلدات والقرى واستباحتها وإرهاب الأهالي ومحاصرةِ مناطق كاملة وفقاً لمنطلقاتٍ طائفيّةٍ وعرقيّةٍ، وبذلك جسّد معنى الحربِ الأهليّة. وكلُّ العناصرِ بمختلف خلفياتها والتي دخلت مع الاحتلال التركيّ إلى عفرين تنضوي تحت اسم الجيش الحر!!
بعد انحسارِ سيطرةِ ما يُسمّى “الجيش الحر” على معظم مناطقه واستعادتها من قِبل الجيشِ السوريّ، كان التوجّه لإيجادِ مناطق بديلةٍ بدعمٍ تركيّ، ولم يبقَ لهذه المجاميع التي رفضت الدخولَ بالمصالحةِ مع النظام ملاذٌ إلا الحضن التركيّ، فباتت أداةَ أنقرة تحرّكُها كيفما تشاءُ، فأعادت صياغتها باسم “الجيش السوريّ الوطنيّ” وأسندت لها مهمة المشاركةِ باحتلالِ منطقة عفرين، ومكافأةً لها اعتبرت كلَّ الممتلكاتِ العامةِ والخاصةِ غنيمةً لها، وكان تنفيذُ التغييرِ الديمغرافيّ عبر التضييقِ على الأهالي وتهجيرهم وسرقةِ المحاصيل وحرقِ الأشجار وقلعها استكمالاً للمهمة، ولذلك ليس غريباً الزجُّ بهذه المجاميع في المنطقة ما بين منبج وكري سبي (تل أبيض).
والواقع أنَّ مجردَ إطلاقِ اسمِ الجيش على هذه المجاميع فيه الكثيرُ من التجاوز تنظيميّاً وتقنياً، فهي لا تخضعُ لقيادةٍ عسكريّةٍ وأركان موحّدة ولا تلتزمُ بأوامرَ موحّدةٍ وتضمُّ عناصر منشقّةً ذاتِ خلفياتٍ إخوانيّةٍ وسلفيّةٍ حاقدةٍ ومرتزقةً، وأما التوصيف “الوطنيّ” فهو لا يستقيم مع عناصر يمارسون السرقةَ والسلبَ والنهبَ والقتلَ المأجور ولذلك ينتقلون بولائهم من فصيلٍ لآخر بصرف النظر عن تصنيفها بالاعتدال والتشدد. فالوطنيّة أُقحمت على الاسم واُستخدمت زوراً، وقد كانتِ الغاية من تشكيل وتسمية “الجيشِ الحر” سياسيّةً للإيحاءِ بأنَّ الحراكَ المعارضَ للنظام أخذ صيغةً تنظيميّةً واتسع، فيكون مبررَ تقديمِ السلاحِ والدعمِ اللوجستيّ.
تختلفُ هذه المجاميع في مصادرِ الدعمِ والتمويلِ، فهي أدواتٌ مرتهنةٌ للخارجِ ومشغّليها وتحديداً لأنقرةِ تستخدمها بمحاربةِ الكرد في سوريا وإيقاد الفتنة الطائفيّة. ولا مشروعَ سياسيّ يوحّدها، ودخولُها إلى المناطق السكنيّة واستهداف المدنيين يُسقِطُ عنها كلًّ التسمياتِ المتعارفِ عليها للجيوش، والدليلُ صراعها فيما بينها لأسبابِ السيطرةِ والسرقة أو على ذمةِ أجنداتٍ خارجيّةٍ.
وإذا كان “إسقاط النظام” هدفَها الأساسيّ، فإنّ مصطلحات مثل “الجيش الحر، الجيش الوطنيّ ومعه المعارضة المعتدلة” قد سقطت بتسليمِ مراكز القرار الدوليّ والأطرافِ الإقليميّة ببقاء النظام، وواقعاً لا اختلاف سلوكيّ بين كلّ فصائل المرتزقة، إذ لا اعتدال في القتل، بل الكلّ قتلة وسواءٌ بالإجرامِ والارتزاقِ والإرهابِ.
أدواتٌ مجانيةٌ استهلكت فرصَ التدويرِ
رئيس الائتلاف الوطنيّ السوريّ المعارض عبد الرحمن مصطفى أكّد دعمه لأيّ عمليّةٍ عسكريّةٍ ضدَّ من سمّاهم “منظمات إرهابيّة” بهدفِ إعادة الأمن والاستقرار للبلاد وعودة المهاجرين والنازحين إلى موطن سكنهم الأصليّ، وأنّ الحل السياسيّ هو الوحيد للأزمة السوريّة وذلك بتطبيق القرارات الأمميّة وقرارات مجلس الأمن. وقال مصطفى بأنهم يعملون مع حليفهم التركيّ للقضاء على جميع التنظيمات الأخرى متهماً حزب الاتحاد الديمقراطيّ بأنه قام بما أسماه جرائم حرق واستيلاء على الأراضي.
الخيالُ الجامحُ أهم مشكلاتِ الائتلاف التركيّ إذ لا شيء يربطه بالهوية والانتماء السوريّ فهو بوقٌ لحكومةِ العدالة والتنمية، وأقل من وكالة أنباء تابعة له، وقد قاد الخيالُ أعضاء الائتلاف لاعتقاد أنفسهم شبيهاً بحكومةِ شارل ديغول بالمنفى يوم احتلت النازية باريس وشكّلت حكومة فيشي، وهم مأسورون بوهمِ العودةِ إلى سوريا واستلام السلطة فيها، ولا يهمُّ ثمنُ العودة، أيّاً كان عدد الضحايا من مختلف المكونات السوريّة، والمفارقة أنَّ نجدَ خطابهم يدعون تارة أنّهم يمثلون الشعبَ السوريّ وطوراً يستغرقون بالخطاب الإخوانيّ، والحق أنّهم أتباعُ المذهبِ الأردوغاني بالسياسة والدين.
واليوم يتضح من كلام رئيس الائتلاف أنّه ينطوي على انفصالٍ عن الواقع إذ يؤكّد على التبعيّة الأداتيّة المُطلقة، ولا يخرجُ عن تجديدِ التابعِ الولاءِ لسيده بالتزلفِ وقلبِ الحقائقِ، ولا يستحقٌّ الردَّ، وأدنى الحقائق أنّه علاقته مع أنقرة ليست تحالفاً، يقومُ على النديّة، بل التبعيّة، والجرائم والانتهاكات شواهد حيّة على كذبه، وليس لحزب الاتحاد الديمقراطيّ بهجرة الناس لتكون له علاقة بعودتهم، والأنكى حديثه عن قرارات دوليّة وأمميّة.
اليوم تركيا صاحبة اليد الطولى في التعاملِ مع كلّ الفصائل الإرهابيّة، وكلما دعتِ الحاجة للتفاوض معها كانت أنقرة الطرف الذي يمثلها وتتعهد بالنيابة عنهم الالتزام بالاتفاق، وإقراراً لتركيا بهذا الدور اعتباراً من استعادة السيطرة على حلب، فقد أصبحت شريكاً أساسيّاً في أستانة، والتي أُنجِزَت وفق مخرجاتها مناطقُ خفض التوتر وعملياتُ المصالحة وترحيل المسلحين إلى إدلب، فيما عملت أنقرة على إعادة تدوير هذه المجاميع وتوجيههم وفق أجنداتها، وأولى الفوائد التي تجنيها تركيا هي مجانيةُ استخدامِ هذه الأدوات في حربٍ شعواء لا يسلم المتدخلُ فيها من الخسارة الجسيمة. وأما موسكو فقد انتقلت عبر علاقتها مع تركيا من ضفة محاربة الإرهاب إلى استثماره.
الأدوات التي صنعتها أنقرة لا تريدُ أن تتفهمَ أنَّ اللعبةَ قد وصلت مراحلها النهائيّة وهنا لا نقصد زمنيّاً، بل بما تبقى من آمال وأحلام خياليّة محالةِ التحققِ، وأنَّ التهديدَ الإرهابيّ ليس له وجودٌ إلا في مناطقِ الاحتلال والنفوذ التركيّ، واليوم بعدما استهلكت الأدواتُ فرصَ التدويرِ فالمشكلة هي إيجاد مكبِّ النفايات المناسب، فالسلطانُ أفاق على حلمٍ وتراءى له تحقيقه عبر الحمقى وها هو يزجُّ بهم كورشات متنقلة من ميدان لآخر.