سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

جبال متينا… مدرسة الصمود والمقاومة

 هيفيدار خالد

استحوذ اسم متينا على عناوين الأخبار والصحف الكردية والعربية والإقليمية منذ فترة وما زال يحتفظ بالمكانة ذاتها في الصحافة، وذلك بعد الهجوم الكبير الذي شنته دولة الاحتلال التركي ضد مقاتلي كريلا كردستان بجبال متينا في جنوب كردستان.

منطقة متينا أو جبال متينا كما يحلو للجميع تسميتها، منطقة ذات تضاريسَ جبليةٍ وعرةٍ وصلبةٍ كثيرةِ المنحدرات، تتميّز بأهميةٍ استراتيجية كبيرةٍ ومكانٍ مهمٍّ لقوات الدفاع الشعبي، الجناح العسكري لحزب العمال الكردستاني، وتشكّل الأهمية ذاتها بالنسبة لجيش الاحتلال التركي. لذا؛ تواصل تركيا هجماتها الوحشية ضد مقاتلي الحرية هناك، دون توقّف بهدف السيطرة على هذه المنطقة، ومن ثمّ احتلالها وإنشاء قواعدَ عسكريةٍ فيها لتوسيع رقعة نفوذها.

منذ السادس عشر من نيسان المنصرم، والدولة التركية لا تفـتأ عن استهداف منطقة متينا، مستخدمةً تكتيكاتٍ مختلفةً في شنّ الهجمات عليها، عبر الطيران المُسيّر والحربي، وصنوف الأسلحة الثقيلة كافةً، في محاولة منها للتقدم أكثر فأكثر، إلّا أنّ مقاتلي قوات الدفاع الشعبي كانوا وما زالوا السد المنيع بوجه تلك الهجمات الاحتلالية التوسعية، بعد أن سطّروا أسمى آيات البطولة والتضحية بالذات في وجه هذا الغزو العسكري الغاشم، نعم جبال متينا بهيبتها وشموخها، ومقاتليها الأشاوس كانوا لها بالمرصاد ليلقنوا جنودها دروساً قاسية ويكبدوها خسائر كبيرة، وكما هو معروف ومعتاد، فإنه في اللغة العربية يقال لكل شيء قوي وصلب وثابت إنه متين، وها هي متينا كما جاء معنى اسمها باللغة العربية متينة ثابتة صارمة في وجه هجمات دولة الاحتلال التركي الفاشية. مقاتلات الحرية ومقاتلوها اليوم يتألقون بمقاومتهم التاريخية في كل لحظة يقارعون فيها الأعداء في جبال متينا العصية على كل معتدٍ، فكانوا كالبنيان المرصوص يشد بعضهم بعضاً في مواجهة كل ما يعترض طريقهم من صعوبات ومشقّات، متحدين في وجه الهجمات التركية، غير عابئين بالتهديدات التي يطلقها المسؤولون الأتراك بين الفينة والأخرى بهدف التضييق عليهم وإحباطهم، ولكن هيهات لمثلهم الاستسلام، إنهم يخاطرون بحياتهم في كل يوم وكل دقيقة وكل ثانية، رغم الظروف الصعبة التي يكابدونها بهدف الوصول إلى ما خرجوا من أجله.

قبل أيام شاهدت مقطع فيديو لمقاتلة من قوات الكريلا تحارب في جبال كردستان، وهي تحمل سلاحها وحقيبتها العسكرية بهيبةٍ ووقار، محافظة على ابتسامتها الهادئة تحت أشد الظروف قساوة، ورغم قلة الإمكانات الأساسية لديمومة الحياة الطبيعية، تتحدث أمام الكاميرا بكل ثقة وتقول: “العدو موجود في كل مكان، لذا يجب أن توجد المقاومة أيضاً في كل مكان”، معبّرة بتلك الكلمات عن مقابلة لا بد من وجودها إذا ما أراد الإنسان أن يعيش بكرامة، نعم عبّرت بتلك الكلمات عن تصميمها وعزمها وإصرارها مع رفيقات دربها ورفاقها على مواصلة درب النضال والتصعيد من المقاومة التي يخوضها مقاتلو الحرية منذ سنوات طوال في وجه العدو الغاشم دون كلل أو ملل.

مقاتلو حرية كردستان اليوم أصبحوا قوة ضاربة لا يستهان بها، ولا أعتقد أن أحداً في هذا العالم المترامي الأطراف مهما بلغت قوته وإمكاناته، يستطيع وقف هذه المقاومة الأسطورية ومنع هؤلاء الأبطال من الدفاع عن شعبهم وأرضهم وقضيتهم العادلة؛ إذ إنهم طالما أثبتوا بنضالهم المتواصل أنهم لم ولن يتركوا الدولة التركية، التي تهاجم الكرد وتتعمّد قتلهم والنيل منهم دون مقاومة، لن يتركوها دون رد على ما اقترفته يداها من انتهاكات بحقهم في سبيل الترويج لنفسها أمام وسائل الإعلام وخداع الشعب في تركيا، وحرف أنظاره عما يجري حقيقةً داخل البلاد من تراجع على المستويات والصعد كافة.

نعم، من رحِم المعاناة يولد الأمل، ومن باطن الغيوم السوداء يبزغ شعاع النور، من التغلّب على الصعاب والتحديات والنضال بقوة وشجاعة في مواجهة اللحظات العصيبة والحفاظ على الإرادة والقوة الداخلية، للمضي قُدماً دائماً نحو الأمام وتحقيق النصر المؤكد. فالمقاومة التي يبديها ثوار كردستان اليوم في جبال الحرية، ربما لا يوجد نظير لها في أي بقعة في هذا العالم، والبصمات التي ستتركها على الحاضر والمستقبل ستكون واضحة بيّنة.

واليوم، مقاومة قوات الكريلا في متينا وجبال كردستان حطّمت الأسطورة التي تقول: “إن تركيا ستقضي على قوات الكريلا في جبال كردستان وتقتلعهم من جذروهم”، وبات الأمر بالنسبة لتركيا أشبه بالسير على خيط رفيع في قلاع المقاومة التي يقودها أبطال الشعب الكردي، ذلك أن هذه التضحيات الجِسام، والدم الذي سال في جبال متينا بجنوب كردستان، إنما سال من أجل الحياة التي نعيشها اليوم ليس في كردستان فحسب، بل في المنطقة برمتها، لذا يتوجب علينا وعلى كل حر ألا ننسى التضحيات الجسام التي قدمها رفاقنا الشهداء من أجل الإنسانية جمعاء، لتبقى راية النصر مرفوعة عالياً دائماً وأبداً، ولتبقى متينا حرة بجمالها وهيبتها وعظمة مقاتليها لا تقبل الخنوع والاستسلام.

وليكن شعار المرحلة القادمة هو “الحياة جميلة في متينا”، لتتجمّل الحياة أكثر وأكثر مع مقاتلي كريلا وروحهم المرحة، وتكتسب معناها الحقيقي بالانضمام لمقاومتهم والقتال إلى جانبهم، ولأن متينا هي قبلة الحرية، يتوجب على الشبيبة التوجّه إلى جبالها حيث الحرية والإرادة والعزيمة والإصرار والنضال والحياة المشرفة، والانضمام لهذه المعركة المقدسة، معركة الكرامة والنضال المتجدد لمواجهة سياسات الإبادة الثقافية والسياسية بحق الشعب الكردي في جميع أماكن وجودهم.