سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

ثورة وعقد اجتماعي جديد

فوزة اليوسف –
إنني في احتفالية ١٩ تموز كنت في كوباني؛ المكان الأول الذي بدأت فيه الثورة بروج آفا، فالحضور بالطبع يُعتبر أمراً رائعاً جداً. لكن ما أريد أن أتوقف عليه هو شيء آخر في هذه الاحتفالية وهو ما لمسته من لوحة فسيفسائية ومشاعر مختلفة جداً، فقد كان هناك جمع متنوع، شارك فيها من كل المناطق المحررة من داعش في شمال شرق سوريا وأيضا كان هناك حضور من بعض المدن السورية مثل دمشق، السويداء، حلب، وبانياس، وكذلك حضور سوريين اضطروا لترك سوريا نتيجة الظلم الذي تعرضوا له من قبل النظام أو الحرب. بدأت الحفلة بعدة أغاني وبعدها قدمت فرقة منبج برنامجها والممثل عنهم بارك الذكرى السنوية السادسة للثورة باللغات العربية والكردية والتركمانية، وليغني بعدها باللغات الثلاث.
على أنغام الأغنية؛ أدَّت مجموعة من وحدات حماية الشعب وحماية المرأة الدبكة العربية المحلية، وبدا لي أنَّهم كانوا قد تعلموا من بعضهم لأنَّها لم تكن دبكةً معتاداً عليها في كوباني. بعدها رأيت الشابات اللائي قدمن من المناطق الأخرى في سوريا والتي كانت تسمى بالداخل قبل الثورة؛ قمن ليشاركن بالدبكة، مع أنهن كنَّ يعانين من ضعف الانسجام في الحركات إلا أنَّها كانت منهن محاولة جيدة وناجحة؛ لأنَّنا ولو لم نكن منسجمين في البداية إلا أن الغربة الموجودة بيننا ستزول مع الزمن. وكان الشعورُ بالفرحة المشتركة رائعاً وأنَّ ما حققته ثورة روج آفا من بعدها في كل مناطق شمال شرق سوريا يُدخل السعادة في قلب كل سوري تواق للحرية والديمقراطية. هذه كانت لوحة الفرحة المشتركة، أما اللوحة الأخرى فظهرت حينما قامت إدارة إقليم الفرات بمنح الهدايا، حيث تم منح هدية رمزية لمقاتلة من وحدات حماية المرأة التي كانت قد فقدت ساقها لكي لا نفقد نحن حياتنا، وشرفنا وهويتنا. رأيت أنَّ كل هؤلاء الذين فرحوا معاً وذرفت دموعهم معاً حينما كانت تتوجه المقاتلة الجريحة إلى المنصة. جمعنا شعور مشترك آخر وهو أنَّها شهيدة حيَّة ضحَّت بأغلى ما لديها من أجل ألا ينقصنا شيء. حينها قالت إحدى الضيفات التي اعتقل ابنها وزوجها من قبل النظام وما زال مصيرُهم مجهولاً وهي تبكي: «لو كانت لدي فتاة لكنت سأبعثها لتقاتل مع هؤلاء الفتيات». قلت لها: «ليت كل سوريا تفرح معاً وتحزن معاً للسبب نفسه». وأضفت: «كم هو جميل أن يسود هذا المشهد في كل سوريا؛ كل يشارك بطابعه، بلغته، بهويته وبلباسه وثقافته دون أن يخاف أو يخجل ودون أن يشعر بالدونية». وهمست لذاتي: «بما أنَّ ثورة ١٩ تموز خلقت هذه اللوحة الجمالية وهذا العقد الاجتماعي الجديد في ٣٠ % من جغرافية سوريا، فلم لا يتحول هذا الثلاثين إلى ١٠٠%». أعلم أنَّكم ستقولون أنَّه أمر صعب. ولكن؛ برأيي ليس تحقيقُه مستحيلاً.