سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

ثقافة الشرق الأوسط وهيمنة الحداثة الرأسمالية ـ4ـ

عبد الله أوجلان –
الدافعُ الأوليُّ وراءَ تركيزي العميقِ على المدنيةِ عموماً، وعلى الحداثةِ الرأسماليةِ خصوصاً في المُجَلَّداتِ الأربعةِ الأولى من مرافعتي، كان يرمي إلى القدرةِ على صياغةِ تحليلٍ سوسيولوجيٍّ لهذه النكباتِ الكبرى المُعاشةِ واحدةً وراء الأخرى؛ أي إلى رفعِ الكابوسِ الهابطِ على الحقيقةِ الكرديةِ خلال القرنَين الأخيرَين، وبعثرةِ الغيومِ السوداءِ التي تَعلوها.كما إنّ الشعبَين والثقافتَين الأعرقَ في المنطقة، واللتَين عاشتا بالتداخلِ مع الكردِ على طولِ التاريخِ الحضاريّ، وتَرَكَتا إمضاءاتِهما وبصماتِهما على أرقى ثقافاتِ المنطقة؛ قد أصبحتا قرباناً للإبادةِ الجماعية في عصرِ النكباتِ الكبرى تلك،فتَعَرَّضتا إلى التصفيةِ والزوال. حيث قُضِيَ كلياً على الثقافةِ الهيلينيةِ المُعَمِّرةِ ثلاثَ آلافِ سنةً بأكملِها في بلادِ الأناضول. وغدا الكردُ بأنفسِهم وجهاً لوجهٍ أمام الإبادةِ والزوالِ على يدِ الحربِ الخاصةِ الدائرةِ على ركيزةٍ ثقافيةٍ مستورةٍ من ركائزِ التطهيرِ العرقيّ. أما القوى المُبقى عليها دولاً قوميةً مسيطرة، فكأنها أَذابَت شعوبَها العربيةَ والفارسيةَ والتركيةَ وصَهَرَتها في بوتقةِ فاشياتِها البيضاءَ والسوداءَ والخضراء. كنتُ سعيتُ في مرافعتي المسماةِ بـ»سوسيولوجيا الحرية» على وجهِ الخصوصِ إلى التبيانِ بأنّ الحداثةَ الرأسماليةَ هي المسؤولُ الأصلُ عن هذا السياق. هذا وثمة الكثيرُ والقليلُ مما يجب إضافتُه إلى هذا المؤلَّف. لِنعملْ على إتمامِه من بعضِ النواحي حسبَ الأوضاعِ ووفقَ وجهاتِ النظر. a- القوةُ المهيمنةُ المُعَيِّنةُ في غضونِ القرنَين الأخيرَين، هي الدولةُ القوميةُ الإنكليزيةُ وإمبراطوريتُها. فبينما قامَت هذه الإمبراطوريةُ بإرهاقِ وإنهاكِ القوى الكبرى في أوروبا عبر تأليبِها على بعضِها البعضِ، وجرِّها إلى الاشتباكِ داخلَ البرِّ الأوروبيِّ خلال القرونِ الثلاثةِ الأخيرة؛فقد بَسَطَت نفوذَها على مستعمَراتِ تلك القوى وطرقِها التجارية، بعدَ أنْ كَسَرَت شوكَتَها خارجياً. في حين أَحكَمَت سيطرتَها على ما تبقى منها. كما أَخضَعَت أمريكا وشرقي آسيا وجنوبَها الشرقيَّ لرَقابتِها بنفسِ الأساليب، لتغدوَ إمبراطوريةً لا تغيبُ عنها الشمس. هذا وشَتَّتَت ثقافةَ الشرقِ الأوسطِ أيضاً بأساليب مشابهة خلال القرنَين الأخيرَين، وقَسَّمَتها إلى دُوَيلاتٍ قومية، لتَربطَها بعجلةِ احتكارِها اقتصادياً وأيديولوجياً. في حين دَأَبَت الإمبراطوريتان الإيرانيةُ والعثمانيةُ على الاستمرارِ بالحياةِ حسبَما يُسَمّىطيلةَ هذَين القرنَين. وانقَسمَ العربُ والإيرانيون والأتراكُ لاحقاً إلى دولٍ قوميةٍ كثيرةٍ سُمِّيَت بالمستقلة، ليواصلوا استقلالَهم. بينما إذا ما حُلِّلَ الوضعُ بكلِّ أعماقِه، فسيُلاحَظُ في واقعِ الأمرِ وبكلِّ سهولة، أنّ جزءاً من السيادةِ الممنهَجةِ للنظامِ المهيمنِ الوحيد، والمنتشرةِ في كافةِ أرجاءِ العالَم، قد نُشِّطَت وسُوِّقَ لها ضمن الشرقِ الأوسطِ أيضاً. وكنتُ رمَيتُ إلى كشفِ النقابِ عن هذا الواقع، عندما عالجتُ نظريةَ المدنيةِ المركزية. لا يُمكِنُ لأحدٍ التفكيرُ بالتاريخِ على أنه أجزاءٌ ثابتةٌ ومنفصلةٌ عن بعضِها بعضاً، إلا إذا كان عقلُه قد مُزِّقَ شرَّ تمزيق. والحقيقةُ هي نقيضُ ذلك. أي أنّ التاريخَ الكونيَّ حقيقة، وهو كحلقاتِ سلسلةٍ مترابطةٍ ببعضِها البعضِ إلى يومِنا الراهن، أو إنه يَسيلُ متدفقاً دون انقطاعٍ كالنهرِ الأمّ. ولا تبرحُ إنكلترا قوةً مُنشِئةً لنظامِ المدنيةِ المركزية، ومُؤَمِّنةً سيرورتَه بوصفِها القوةَ المهيمنةَ فيه، ولو ليس بالمستوى الذي كانت عليه سابقاً. إنّ تقييمَ الدولَ القوميةَ في الشرقِ الأوسطِ بأنها ولاياتٌ ضمن هذا النظام، سوف يُقَرِّبُنا أكثر بكثير إلى الحقائقِ الاجتماعية. وكَونُ الولاياتِ جمهورياتٍ مستقلةً أو مَملَكة، لن يُغيرَ من جوهرِها شيئاً. أما القولُ بقليلٍ من التبعيةِ وكثيرٍ من الاستقلال، فهو محضُ هُراءٍ وتُرَّهات. ومَن لا يستوعبُ هذه الحقيقة، لن يستطيعَ فهمَ الانهيارِ الحاصلِ في روسيا السوفييتيةِ بعد سبعين عاماً، ولا إدارةَ الفاشيةِ البيضاءِ في الجمهوريةِ التركية، ولا الفاشيةَ السوداءَ في الدولِ القوميةِ العربية، ولا الفاشيةَ الخضراءَ في كلٍّ من إيران وباكستان وأفغانستان. كما وسيظلُّ قاصراً في تحليلِ حالاتِ الانهيارِ المباغِتِ وتغييرِ اللونِ لدى الدولِ المسماةِ بالمستقلةِ تماماً في أرجاءِ المعمورةِ قاطبةً، وكذلك تحليلِ كيفيةِ تحوُّلِ قوةٍ عملاقةٍ كالصين إلى قوةٍ رئيسيةٍ تَضخُّ روحَ الحياةِ في الرأسمالية.