سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

توترات واشنطن وأنقرة.. خلافات تُهدِّد تحالف تاريخيّ بين دول »الناتو»

ترجمة: هندرين علي –
قد تبدو إمكانية فرض أكبر جيش في حلف الناتو عقوبات على ثاني أكبر جيش في التحالف غريبةً، لكن الأزمة الدبلوماسيّة بين الولايات المتحدة وتركيا متأججة منذ سنوات، ما يهدّد التحالف التاريخيّ الذي نجا من تجارب الحرب الباردة.
إنّ جذور النزاع بين أنقرة وواشنطن تعود إلى ما هو أبعد من قضية احتجاز القس الأمريكيّ أندرو برونسون، الذي احتجز في أحد سجون إزمير منذ ما يقرب من عامين، بسبب مزاعم بالتجسس لصالح الكرد (المتهمين بالانفصال) وجماعة فتح الله غولن التي تتهمها السلطات التركيّة بتدبير محاولة الانقلاب الفاشل في عام 2016م.
حاول مسؤولون أتراك في بداية الانتفاضة ضد الرئيس السوريّ بشار الأسد، إقناع الولايات المتحدة بأنّها يجب أن تفرض منطقة حظر الطيران لطرد طائرات النظام ووقف قتل المدنيين، لكن ضغطهم للتوجيه لنهج قوي في سوريا وقع على آذان صماء في «واشنطن»، حيث رأى القليل من الشركاء على أرض الواقع، أنّ الهدف الحقيقيّ كان الإطاحة بالرئيس الأسد، ولم تكن لديها الرغبة في التورط في حرب أخرى في الشرق الأوسط.
عندما تدخلت الولايات المتحدة في سوريا ضد «داعش»، اختارت وحدات حماية الشعب (YPG) شريكاً لها في القتال. وكانت للقوة الكرديّة شبه العسكريّة صلات وثيقة بحزب العمال الكردستان (PKK)، وهي جماعة (تصنّف على أنّها إرهابية خاضت تمرداً منذ عقود ضد الدولة التركيّة). وتعتقد «أنقرة» أنّ وحدات حماية الشعب ستحوّل الأراضي التي احتلتها من مرتزقة «داعش» إلى منطقة مستقلة على حدودها الجنوبيّة.
لقد تحوّلت تركيا التي كانت تتجسد في تحالف «واشنطن» مع ما اعتبرته جماعة إرهابيّة وتهديد استراتيجي، لروسيا الداعم الرئيس للرئيس «الأسد» والعدو الجيوسياسيّ للولايات المتحدة، في محاولة للتوصل إلى تسوية في سوريا تستثني أيضًا المجموعات شبه العسكريّة الكرديّة التي قد تدخل تركيا معها في قتال عسكريّ. وإلى جانب موسكو وطهران، فإنّ الثلاثيّ سيشكّل حاجزاً في وجه الولايات المتحدة إلى حدٍّ كبير في سعيها للتوسط في المحادثات بين النظام والمعارضة.
هذه النزاعات وضعت حلفاء الناتو على مسارين مختلفين في صراع القوى الإقليميّ والعالميّ الذي كان يحدث في سوريا. وبينما تقول الولايات المتحدة: إنّها تحتاج إلى الحد من النفوذ الإيرانيّ في المنطقة، وأنّها ستستمر في الانسحاب من الصفقة النوويّة الإيرانيّة وإعادة فرض العقوبات، قالت تركيا: إنّها لا تحتاج إلى الالتزام بها. وبعد صعوبات في شراء بطاريات باتريوت المضادة للصواريخ، أعلنت «أنقرة» عزمها شراء النظام الروسيّ «S-400»، المصمم لإسقاط المقاتلات من طراز» F-35» التي كانت تساعد تركيا في تقوية حلفائها.
ورغم أنّهم مروا بفترة تقارب قصيرة بعد انتخاب دونالد ترامب، فإنّ العلاقة الطيبة بينه وبين الرئيس التركيّ رجب طيب أردوغان لم تكن كافية لسد ثغرات الانقسام بين الدولتين، وهو انقسام قد يتفاقم من حين لآخر بسبب الهجمات الدبلوماسيّة وغيرها من الإجراءات. وقام الحرّاس الشخصيون للرئيس «أردوغان» بضرب المحتجين في أيار 2017م عندما زار الولايات المتحدة، ما أدّى إلى دعوات لطرد السفير التركيّ. وأدّى اعتقال تركيا لموظفي القنصلية الأمريكيّة في إسطنبول بسبب علاقات الانقلاب المزعومة إلى وقف العمل بطلب التأشيرة، وإجراء محاكمة علنيّة تتعلق بتاجر ذهب تركيّ – إيرانيّ (رضا صرّاف) اتهم فيه بنك «هالك» المملوك للدولة بمساعدة «طهران» للتحايل على العقوبات، زاد من الوضع سوءاً.
بالإضافة إلى ذلك، لم تسلِّم الولايات المتحدة بعد الداعية «فتح الله غولن» العقل المدبر المزعوم للانقلاب، الذي لا يزال مختبئاً في مجمعه بالقرب من ولاية بنسلفانيا. والرد الأمريكيّ على الانقلاب الذي تكشف، مع دعوة وزير الخارجية آنذاك جون كيري «للاستقرار والسلام والاستمرارية» داخل تركيا بدلاً من إدانة محاولة الانقلاب، كان لهذا التصريح طعم مرّ للعديد من الأتراك في الشهر الماضي، توقّع المراقبون من تركيا إطلاق سراح «برونسون» بعد تفاعل إيجابيّ بين الرئيسين دونالد ترامب وأردوغان على هامش قمة الناتو في بروكسل. لكن في جلسة في منتصف تموز، أمرت محكمة في أزمير بالإفراج عنه من السجن إلى الإقامة الجبريّة، ما أثار تهديدات الرئيس ترامب ونائبه مايك بنس بفرض عقوبات.
ويبدو أنّ قلة في تركيا أخذت التهديد على محمل الجد، وبخاصة بعد تراجع «واشنطن» عن الخطاب الناريّ ضد كوريا الشماليّة وإيران. ورأت الصحف الموالية للحكومة تصريحات الإدارة الأمريكيّة محاولة لإرضاء الناخبين الإنجيليكين (الانجليكانيّة، والمسيحيّة الإنجيليّة، أو البروتستانتيّة الإنجيلية، هي حركة عالميّة منقسمة عن المسيحيّة البروتستانتية) قبل الانتخابات في تشرين الثاني. وقد امتنعت الولايات المتحدة عن إدانة سجل تركيا في مجال حقوق الإنسان منذ الانقلاب، بما في ذلك اعتقال عشرات الصحفيين، والعديد من أعضاء المجتمع المدنيّ وناشطي حقوق الإنسان لأنّها تشدّد على المعارضة.
لذا فاجأهم الإعلان عن فرض عقوبات، والإجراءات التي عادة ما تكون مخصصة للأعداء مثل مسؤولي الحرس الثوريّ الإيرانيّ أو الأوليغاركيين الروس وهم من (الأوليغارشيين من رجال الأعمال في الجمهوريات السوفييتيّة السابقة الذين تراكمت ثرواتهم بسرعة خلال حقبة الخصخصة الروسيّة في أعقاب تفكك الاتحاد السوفياتيّ في التسعينيات)، والمقرّبين من «الكرملين».
وقال الخبير في السياسة التركيّة والزميل مساعد في مؤسسة «سينشري» سليم سازاك: إنّ موسكو كانت الرابح النهائيّ وسط العداء بين الحليفين. وأشار إلى أنّ تركيا تعتمد على روسيا في شحنات الغاز، بالإضافة إلى نفوذها في البحث عن حل في سوريا. «عليك أن تفكر في كيفية وصولنا إلى هذه المرحلة»، مضيفاً: «لماذا كلّ هذا؟ يفترض الدعم الروسيّ وهو أمر منطقيّ لأنّهم يعتمدون كثيراً على موسكو الآن. «
ولم تتم الإشارة إلى أيّة أحداث جديدة لا من الرئيس «أردوغان» ولا من الرئيس «ترامب» منذ فرض العقوبات، ولم يلمحوا إلى توقعات قد تؤدّي لتدهور العلاقات أكثر. وقد صرّح بيرات ألبيرق صهر الرئيس التركيّ (وزير المالية الحالي)، بنبرة تصالحيّة، قائلاً إنّه يجب حلّ قضاياهم من خلال «الدبلوماسيّة وجهود بنّاءة مناسبة لدولتين وحلفاء لها خلفيّة تاريخيّة قوية». ومع ذلك، اقترح أحد المسؤولين من حزب أكشنار القوميّ، أنّه ربما يتعين الاستيلاء على أبراج «ترامب» في إسطنبول. وقد صدرت صحيفة «يني كاج» عنوانها الرئيس: «آخر خيانة من الولايات المتحدة الأمريكيّة».
__________