سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

تل مريبط…. قصة حضارة مغمورة

تقرير/ ماهر الأحمد ـ مصطفى السعيد –
أثبت علماء الآثار بأنّ الإنسان في منتصف الألف التاسعة قبل الميلاد /8500/ ق.م، اختار موقعاً متميزاً لسكنه على الضفة اليسرى لنهر الفرات، حيث الماء والتربة الخصبة وأشجار الحور والطرفاء، والحصى المتناثرة على سرير النهر، ووجود بعض طبقات الصخر الهش الذي يمكن تقطيعه وقصه بسهولة لعمل المسكن منه، هذا الموقع يبعد حوالي 90كم غرب مدينة الرقة؛ شمال مدينة الطبقة بنحو 45كم، عند أول انعطاف نحو الشرق لنهر الفرات المتجه جنوباً، واسم هذا المكان «تل مريبط» الذي يقع الآن تحت مياه بحيرة الفرات.
ويُذكر بأنّ الإنسان في «تل مريبط» كان أولّ من طبّق نظام الريّ الجديد في تلك الحقبة التاريخية، وأنّ المسكن الذي بناه كان يشبه «الدبابة»، وهو ينخفض عن مستوى الأرض قليلاً، وتوسطه موقد للطبخ والتدفئة والإنارة، وهو معمول من الطين (والدبابة عبارة عن منزل مسقوفة بالخشب والقش وينخفض عن الأرض قليلاً).
وقد كان تل مريبط موقعاً تزوره البعثات الأثرية الأجنبية، ومنها الأمريكية والفرنسية إلى ما قبل غمره بمياه سدّ الفرات عام 1974م، ومن يهتم بعلم الجغرافيا يجد أنّ أول انعطاف لمجرى نهر الفرات القادم من الشمال باتجاه الجنوب، يقع في بلدة «تل مريبط» إذ ينعطف عندها نحو الشرق، وكانت القوارب التي تصل بين ضفتي النهر من العلامات الفارقة لبلدة تل مريبط، فهي واسطة النقل المائية الأكثر ازدحاماً، حيث تنقل الناس والبضائع بين الضفتين بكل يسر وسهولة، وكان لها مربطان: غربي يستخدم في الصيف، وشرقي يستخدم في الربيع عندما يفيض النهر، والثابت أنّ أوّل من أنشأ تلك السفينة هم الإنجليز، وكان تل مريبط ذا تنوّع سكاني.
في هذا التل كانت أول مناطق استقرار الإنسان في التاريخ، حيث مارس أعمال الزراعة وتربية الحيوان، وعندما وجد هذا الإنسان الغذاء متوفراً طوال العام زاده الأمر تمسُّكاً بالبقاء في منطقة نهر الفرات، فقام ببناء المسكن، حيث أخذت هذه المساكن شكل بيوت دائرية، وكانت الغابات كثيفة حول النهر، وتوفرت فيها الحيوانات الأرانب والغزلان، والصحراء تجاور ذلك المكان، حيث توفرت الغزلان والجمال وحيوانات الصحراء الأخرى، بالإضافة لعالم الطيور والنباتات البرية، وزودت طبيعة المنطقة الصخرية هذا الإنسان بالمادة الأساسية لصنع أدوات الصيد، والحصاد، وتحضير الطعام، وغالباً ما كانت هذه الأدوات ما تكون مشغولةً من مجموعة كبيرة من القطع الصغيرة المركبة بإتقان، مما سمح لهم بأن يعرفوا كثيراً من الأدوات التي كانت تسهل حياتهم، منها السكاكين والنصال، والمناجل ورؤوس الرماح، وفؤوس التحطيب، كما عثر أيضاً على ما يشبه الرحى التي يظن أنها كانت تستخدم لطحن الأعشاب البرية التي كان يحصدها الإنسان آنذاك.
ملامح من الحياة والنشاط اليومي
وفي عام /196م بدأت جامعة «شيكاغو» عمليات التنقيب فيه، واستمر عملهم في الموقع عاماً كاملاً، أي حتى عام /196م، ثم توقفت هذه الأعمال حتى تم تجديدها على يد مركز أبحاث البيئة والآثار ما قبل التاريخ في فرنسا منذ عام1971م حتى عام 1974م، وعثر أيضاً في الموقع بعد استمرار عمليات التنقيب على مجموعة من المخارز المصنوعة من العظم، لخياطة الفراء، ودلَّت التنقيبات أن البشر في هذا المكان كانوا يتزينون بقواقع المحار والحلزون الذي كانوا يأتون به من النهر، وبعقود من الأحجار المصقولة، لتوفرها في المنطقة، كما ثبت أن نساء تلك المنطقة كنَّ يسرحن شعورهن بدليل الأمشاط التي عثر عليها إثر عمليات التنقيب التي جرت في التل المذكور، وقد عثر على أول الأدلة عن التصورات الدينية عند هؤلاء المستقرين، الذين يعتمدون في حياتهم على الصيد والالتقاط في المرحلة الثانية، إذ وجدت قطعة من تمثال إنسان محفورة في حجر كلسي طري، بشكل بدائي جداً، كما وجد في أحد البيوت مقعد من طين، يحتوي على جمجمة ثور.
أول ظهور للمنزل المقسم
أما المرحلة الثالثة، فشملت 150 متراً مربعاً من الحفريات، وهي أوسع مساحة بكثير من الطبقات الأقدم، وفيها تم اكتشاف بيت دائري كبير أتى الحريق عليه كاملاً. لكن؛ الحرارة ساهمت في حفظ ما تبقى منه.
وحفر هذا البيت على المنحدر الغربي للوادي المطل على النهر، فاتضح أن جداره الشرقي بكامله من التراب، وثبتت التربة من داخل البيت بأعمدة من خشب الحور، رصفت بجانب بعضها وطليت بالطين، أما جداره الغربي فكان معظمه فوق الأرض، وبني من الطين المرصوص، ودعِّم من الخارج بالأعمدة، وقُسِّم البيت من الداخل بجدران لا يتجاوز علوها 70سم، وقد بنيت من الطين الذي تتخلله ألواح خشبية، وفيه نلاحظ بداية بناء منزل متعدد الأجزاء التي ينفصل بعضها عن بعض حسب وظائفها المختلفة، وحددت مكونات السطح نتيجة سقوطه على أرض البيت أثناء الحريق، وهو يتألف من دعامات خشبية مغطاة بطين مدكوك، وتتألف قرية «المريبط» من مجموعة من هذه البيوت، وفي الأمكنة الخالية الفاصلة بينها وجدت حفر للمواقد وفسحات عمل مرصوفة بالحجارة، ولوحظ في بناء هذه البيوت أن هناك رقياً في فن العمارة، حيث عثر في بعض جدران البيوت على رسوم ذات أشكال هندسية وتزيينات، كما أن تواجد هذه المجموعات البشرية مع بعضها سمح بخلق نظام من العيش المشترك لمجموعات وأعداد أكبر من البشر، ففي المرحلة الثالثة لم نعد نعثر على الأدوات الحجرية الدقيقة، بل عثر في هذه المرحلة على رؤوس سهام، بالإضافة للفؤوس الحجرية المصقولة، ولاحقاً تطورت حتى أساليب الصيد لديهم، حيث أصبحوا يفضلون حيوانات البراري المكتنزة باللحم، وقد يرجح السبب وراء ذلك إلى أساليب التنظيم الجديدة التي بدأت تتبلور ضمن الجماعات، وقرابة عام 7700ق.م لوحظ تطور مذهل آخر يتمثل بزرع البذور في الحقول القريبة، وبذلك ابتدأ العمل بالزراعة، ومن المرجح أن عبادة الأجداد لديهم كانت منتشرة للعثور على قبرين تحت أرضية أحد البيوت، وعلى عدة جماجم بشرية كانت توضع داخل البيت فوق عتبة عالية.
وفي نهاية المرحلة الثالثة طرأت تغيرات كثيرة على أشكال البناء، إذ ظهرت حجرات مستطيلة الشكل بعرض 150سم، واستخدمت منه غرفٌ للمؤونة، ولكن أول بيت مستطيل عُثِر عليه في المنطقة ينتمي إلى المرحلة الرابعة، وفيها يعتقد أن السكان المقيمين بدؤوا بتدجين الحيوانات.
وقد كان في بلدة «تل مريبط» قبل غمرها في عام 1973م تحت بحيرة الفرات بعد إنشاء سد الفرات من مركز الناحية، ومدرستان للتعليم ومطحنة للدقيق، وامتازت أراضيها بالخصوبة، وكان القطن والقمح والشعير والخضروات من أهمّ المحاصيل الزراعية التي كان يزرعها السكان، وكثرة مضخات المياه المقامة على سرير النهر أكبر شاهد على التطور الزراعي الذي شهدته البلدة ومن حولها وقتذاك.
ويعتقد أن «تل مريبط» ظهر فيه أول استعمال للشعائر الدينية بهيئة جماجم الثيران البرية، وقد نُسب كل الذين أقاموا في «المريبط» في المرحلة الأولى، ولا سيما على أساس أدواتهم الحجرية، إلى زمرة ما يسمى بالحضارة «النطوفية»، التي كانت حتى الآن تعرف بأنها تعود إلى فلسطين أولاً، ولكنها ضمت مناطق الفرات الأوسط، وامتدت جنوباً حتى «النيل»، والموقع الآن مغمور بمياه بحيرة «الفرات» بعد إنشاء سد الفرات، وعُرف كل الذين تركوا أراضيهم بتلك المنطقة وهاجروا منها، عند أهل «الرقة» بالمغموري