سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

تل عناب السفينة……مدافن بيزنطية مغمورة

أعداد/ ماهر زكريا ـ مصطفى السعيد –

تعتبر منطقة الفرات من المناطق الغنية بالمواقع الأثرية ومحط أنظار المهتمين، وهي قديمة قدم الإنسان وقد تشكلت حضارات وممالك على ضفاف نهر الفرات البعض منها مكتشف، والبعض الآخر لم تكتشفه البعثات المحلية والأجنبية التي نقبت في المنطقة.
 يقع تل عناب السفينة بجوار تل العبد الأثري، ولا يفصل بينهما سوى وادٍ قادم من جهة الشرق، ويصب في نهر الفرات، ويبعد عن مدينة الرقة حوالي (100) كم غرباً، ويقع على الضفة اليسرى لنهر الفرات كما أنه يبعد عن مدينة الطبقة حوالي (50) كم شمال غرب و(2) كم إلى الشمال من قرية “زريجية شمس الدين”.
يعود سبب تسمية التل بهذا الاسم، كما تذكر بعض المصادر أن سفينة للعبور إلى الضفة الأخرى من نهر الفرات  كانت ترسو عند التل خلال فترة الاحتلال العثماني للمنطقة، أي أن التسمية حديثة نسبياً، أما كلمة عناب وفي معاجم اللغة أن كلمة “عناب” تعني الرجل عظيم الأنف، والجبل الطويل المستدير، فهي كلمة محلية، لم يتم التحقق من معناها الحقيقي وسببه.
مدافن بيزنطية ومكتشفات مذهلة:
المنظر العام للتل لا يثير الانتباه، ولا تظهر عليه معالم أثرية واضحة، إلاَّ أنّ التنقيبات الأثرية فيه، كانت تحمل مفاجآت هامة ومتعددة لعلماء الآثار.
وقد عثرت البعثات خلال عملية التنقيب قبل غمر تل عناب السفينة بمياه الفرات على نمط فخار طور “العبيد”، التي كانت موجودة بكثرة في جوانب التل، وعلى أعماق تصل إلى مترين في بعض الأحيان. وقد كان الفخار الذي عثر عليه بديعاً ذو جدران رفيعة، ومن النوع المدهون باللون الأسود أو الأحمر البني، الذي يغلب على ما اكتشف في مواقع أخرى من الجزيرة السورية العليا، مثل تل براك في الحسكة، وفي الداخل السوري سهل العمق كأفاميا ورأس شمرة وغيرها.
 خلال فترات متقدمة من التنقيب تم كشف النقاب عن  مجموعة من المدافن التي تعود إلى الفترتين الرومانية والبيزنطية، وكذلك اكتشف بضعة قبور من الفترة العربية الإسلامية، وفوق أحد هذه القبور شاهدة قبر مدون عليه “ذا قبر مر” بخط قديم دون معرفة نوعه وتحديد تاريخه، ومباشرة بعد القبور الإسلامية أخذت تظهر جماجم مجمعة بشكل ثنائي وثلاثي ورباعي، ثم تبين فيما بعد أنه مدفن جماعي من العهد البيزنطي، يضم مئات الهياكل العظمية، دفنت دون نظام معين ضمن صناديق من الخشب، جميعها قد تفتت بالكامل وبعض الهياكل دفنت بدون صناديق وقد عثر مع هذه الهياكل، على مجموعة كبيرة من المصابيح الفخارية، كي يستعملها المتوفى لإنارة قبره المظلم في حياته الثانية.
سُرجُ وأساور وتعاويذ:

كانت هذه المصابيح الفخارية من النمط المسيحي، وتتصف بدقة الصناعة وعليها زخارف نافرة كالصليب مثلاً، وقد تجاوز عددها مئة سراج، ويمكن ردها إلى عشرة أصناف تؤرخ ما بين القرن الرابع الميلادي والقرن السابع، كما عُثر في هذا المدفن الجماعي على أوانٍ فخارية وكؤوس زجاجية من النوع المسيحي، مع مصباح وأساور زجاجية وأخرى معدنية، إلى جانب مجموعة من اللقى الأثرية المتنوعة، مثل الخرز الملون من أشكال وألوان مختلفة، وكذلك الأبازيم البرونزية والصلبان، وتعاويذ مألوفة بعضها مزخرف مثل التعويذة التي لها شكل سلحفاة، والتي ترمز إلى التفاؤل بطول العمر، والمدهش في الأمر هنا هو أنَّ المنقبين في تل الممباقة المجاور لعناب السفينة، قد عثروا على آنية فخارية على شكل سلحفاة يعود تاريخ صنعها إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد، وبعض التعاويذ عليها إشارة رمز القديس سمعان العمودي.
المدفن المزخرف المزدوج:
كانت المفاجأة في هذا الموقع الأثري العثور على مدفن آخر مزدوج الشكل، مشيد من الحجارة الكلسية المحلية ذات اللون الأبيض، ويتألف هذا المدفن من قسمين وخمس واجهات للدفن، كامل المدفن مبني من الحجارة المنحوتة، بينما أرضيته منخفضة عن مستوى الأرض المجاورة، وجزأه العلوي كان منسوبه فوق مستوى الأرض، ويتألف المدفن من غرفتين متجاورتين مخصصتين  للدفن، الحجرة الأولى تقع في الجهة الغربية والحجرة الثانية واقعة في الجهة الشرقية، وتنخفض أرضيتها عن أرضية الحجرة الأولى بحوالي ( 25) سم، وبين الغرفتين فاصل هو عبارة عن مدخل، وعلى المدماك العلوي الجنوبي للمدخل مدون بعض العبارات التذكارية بطريقة الحز العميق بلغات ثلاث هي، اليونانية والسريانية والعربية.
للغرفة الأولى: ثلاث واجهات في كل واجهة يوجد قبرين فوق بعضهما البعض، الأعلى منهما لم يبق منه إلاَّ القاعدة، أما القبر الأسفل، فكان كاملاً وبحالة سليمة، باستثناء الساكف المزخرف بزهرة جميلة، ومزين بزخارف نباتية محورة عن الطبيعة، فهو مكسور وعليه بعض التشويهات، ويحفُّ بالقبرين في واجهتهما منحوتتان على شكل “بسيثة” مجنحة بغدائر تنحدر على خديها، وتبدو عليها علائم الحزن واضحة، من خلال نظرتها السارحة في الأفق البعيد، كما أنها تلبس ثوباً طويلاً متثنياً ومتجاوباً مع الجاذبية وترتكز بيدها اليسرى على مذبح صغير الحجم، وتضع اليد الأخرى تحت أو فوق اليد اليمنى، بينما نجدها قد ثنت إحدى ركبتيها واتكأت بكامل ثقلها على رجلها الثانية، وهذا الدافع نجده قد تكرر عند مصوري ونحاتي عصر النهضة في إيطاليا في القرن الرابع عشر ميلادي.
الغرفة الثانية: لها واجهتان متماثلتان مع واجهتي الغرفة الأولى حتى إنَّ ساكفها مكسور ويشبه الساكف في الغرفة الأولى حتى في زخرفته، لكن هذه الغرفة تختلف مع الأولى بمنحوتاتها، إذ نجد أنَّ القبرين محفوفان بمنحوتتين على هيئة “اسفنكس” أو سفنج، وهذا الشكل عند اليونانيين عبارة عن امرأة مجنحة لها ثديان كبيران وجسم أنثى الأسد لبوة، تقعي على قائمتيها الأماميتين وجاثية على مؤخرتها، هذه الحجرة مزودة بمدخل من الجهة الشرقية فيه مزلاجين عرض الواحد منهما (30)سم، أما الأقسام العلوية لهذا المدفن، فقد هدمت قصداً من قبل لصوص وتجار الآثار، كما أنَّ أغلب الحجارة التي تحمل زخارف نباتية هي الأخرى قد سرقت، ولم يبق منها إلاَّ بعض الزخارف القليلة التي لا تمكن الدارس من أخذ أو إعطاء فكرة عن نوعية السقف الذي كان يغطي المدفن.
إنَّ التخريب الذي طال هذا المدفن أدى إلى اختلاف في ارتفاعات بقايا الجدران، كما أنَّ أرضية المدفن كانت مبلطة بالحجارة المنحوتة وجدر الغرفتين، مزينة من الأسفل بنعال حجرية ترتفع عن أرضيته بين بحوالي (30) سم، ويبرز عن الجدار قرابة (10)سم، وهذا النوع من الزخرفة يذكرنا بما عرفناه عند الحثيين “الأورتستات” زخرفة جدر المعابد من الأسفل.
 وبشكل عام يمكن القول إنَّ هذا المدفن بنمط بنائه وبزخرفته وتماثيله، هو “وثني” الرموز ويمكن رده إلى الفترة الرومانية، حتى إنَّ التماثيل التي هي على هيئة بسيثه، النفس الحزينة، وكذلك تماثيل الاسفنكس، جميعها منحوتة وفق الدوافع والتقاليد اليونانية الكلاسيكية، والاسفنكس في المقابر يرمز إلى الموت المفترس، وبعض العلماء يرى أنه هنا يرمز إلى طرد الشر أو الحراسة.
ويمكن اعتبار التقاليد والرموز الوثنية وبشكل آخر ظلت مستمرة بعد إعطائها الصفة الروحية في الفترة المسيحية، وأنَّها لم تمنع من استعمال مثل هذه المدافن في الفترتين المسيحية المبكرة والبيزنطية، مما يؤكد لنا تواصل المفاهيم والأفكار والتقاليد مع تغير المعتقدات عبر التاريخ .
والمدفن البيزنطية الموجودة في الموقع مبنية من حجارة الفرات الكلسية الناصعة البياض، وهو على عمق يتراوح ما بين (20-60)سم ، ويتم الولوج إليه عبر دهليز واقع في الجهة الجنوبية من المدفن. عُثر في المدفن على أربعة قبور، ثلاثة منها ذات امتداد طولاني شمالاً جنوباً، أما القبر الرابع فهو عرضاني وأعمق من القبور الأخرى ويمتد شرقاً غرباً، وأحدها مبلط بمادة الآجر ولم يبق من محتويات المدفن، إلاَّ النذر اليسير من بعض السُرج الفخارية، اثنان منهما فقط بحالة سليمة.
أما المدافن الحلقية توجد بالقرب من الموقع الأثري وقد كانت على شكل حلقات مخروطية، وهي أنواع معروفة لدى الآثاريين باسم “التومولوس”، وهذا النوع من المقابر منتشر بشكل واسع في جميع أنحاء منطقة الرقة، وعثر على أنواع منه على ضفتي نهر الفرات، ولهذا النوع من المقابر مخطط ظريف، وليس له مثيل في سورية إلاَّ في منطقة وادي حوض الفرات في تلال الحبوبات، والممباقة، والسلنكحية.
وتتألف هذه القبور من حلقات حجرية كبيرة ومستديرة الشكل يصل قطرها أحياناً إلى تسعة أمتار، يحفر في وسط كل منها قبرين وأحياناً أكثر، والقبور تكون مشيدة من مادة الحجر أو اللبن، يجمع فوقها التراب وتطلى جدرانها بمادة الجص الأبيض من الداخل.