سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

تعنيف الأهل لأطفالهم بين تهميش القانون وضرورة المحاسبة

 قامشلو/ رؤى النايف ـ

الطفل هو حجر الأساس داخل المجتمعات، والحرب التي دارت رحاها في سوريا، عرّضت الأطفال لكثير من الانتهاكات والتعنيف حتى من قِبل أهلهم ووصل تعنيفهم لدرجة الموت والإعاقة الدائمة.
 خطورة التعنيف
كثُرت في الآونة الأخيرة حوادث تعنيف الأطفال حتى من قِبل ذويهم، سواء داخل المخيمات السورية أو المخيمات الخارجية أو حتى وهم ضمن أسرهم من قبل آباءهم أو زوجة الأب، كما شاهدنا منذ بداية هذا العام الحوادث تتكرر وبشكل متزايد وكأنما ماتت الإنسانية حتى في مشاعرنا تجاه أطفالنا، والصادم في الأمر أن بعض حوادث التعنيف تكون موجهة لأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة، وتنوعت الحوادث بين الضرب والتجويع والحبس لتصل حتى لحوادث الاغتصاب والموت، والكارثة واحدة ويدفع ثمنها الأطفال، على الرغم من أن سنوات الحرب في سوريا خلقت أطفال مُعنفين، بسبب القصف والمعارك والتهجير، وخصوصاً الأطفال داخل المخيمات ولكنهم يتعرضون للتعنيف الأكبر والأصعب داخل أسرهم وعندما يكبر هذا الطفل المعنف لينقل معاناته لـ عائلته أيضاً.
نهلة ـ خليل ـ رهف.. جرائم لا إنسانية
لم تمضِ سوى أيام على حادثة مقتل الطفلة “نهلة عثمان” التي لاقت حتفها داخل مخيم “فرج الله” في إدلب، بعد تعذيب وحشي استمر لعدة أشهر من قبل والدها، ويُذكر أن نهلة من أبناء كفر سجنة بريف إدلب، ونازحة
مع والدها وزوجة أبيها إلى مخيم كللي، والدها كان في صفوف هيئة تحرير الشام الإرهابية، بينما والدتها منفصلة عن أبيها، وسبق أن تعرضت الطفلة نهلة للتعنيف على يد والدها من خلال قيامه بربطها بسلاسل حديدية وحب
سها لأنها كثيرة الحركة، وحرمانها من أدنى حاجاتها وحقوقها كطفلة، فضلاً عن المعاملة السيئة على مرأى الناس، وانتهت معاناتها بالموت بسبب التجويع والحرمان، حتى جاءت قصة تعنيف أخرى لطفل صغير اسم
ه “خليل عواد الحمد”، ويلقب “خليل الكروان”، من ذوي الاحتياجات الخاصة بريف الرقة وتحديداً في منطقة كري سبي/ تل أبيض، في فيديو تداوله ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي مع تعليقات غاضبة ومستنكرة للحدث، حيث شاهدنا من خلال الفيديو طفلاً مقيداً في غرفة ترابية لا تصلح لإقامة حتى الحيوانات، بينما تقوم سيدة تقول إنها جدته بفك قدميه المربطتين من قبل زوجة أبيه، وعند توجيه السؤال للجدة لماذا لا تقوم هي برعايته وتربيته، أجابت أن علاقتها بأبيه سيئة وهو يعنفها لفظياً بشكل مستمر، لتستمر المعاناة وتأتي ضحية جديدة لطفلة الـ 11 عاماً “رهف السبعاوي” التي تبين أنها تتعرض للعنف الشديد من قبل والداها، حيث أُسعفت رهف إلى مشفى الطفولة والأمومة بمدينة الدانا بريف إدلب، وأكدت الفحوصات تعرضها للتعذيب والضرب المبرّح بالكرباج، وعلى أثره تعرضت لنزيف داخلي في البطن بالإضافة للقصور الكلوي الذي كانت تتعالج منه في مشفى باب الهوى وسبب القصور هو الضرب المبرّح، ووصلت إلى المشفى بحالة حرجة فدخلت إلى العناية المركزة، وكانت تعاني من إزرقاق نتيجة كدمات على الأطراف والبطن، ووالدها كان يحلق شعر رأسها بالكامل ويخلع أظاف
رها، وهي تعمل مع أخواتها من أجل تقديم المال لأبيها، ورهف سبعاوي نزحت مع عائلتها من ريف حماة إلى ريف إدلب وتعيش في مخيم “نصرة الرسول”، في قرية قاح شمال إدلب.
أسباب تدفع الأهل.. لتعنيف أطفالهم

في إطار هذه الجرائم غير الإنسانية كان لصحيفتنا وقفة مع “رولا الحسن” وهي تعمل في مجال إدارة الحالة في مركز للدعم النفسي، لتقول لنا: “من أسباب تعنيف الأهل لأطفالهم
ـ ضعف الروابط العائلية بين أفراد الأسرة الواحدة.
 ـ غياب التنظيم والفوضى في الحياة اليومية وطبيعة العلاقة الركيكة بين الأبوين واعتداء إحداهما على الآخر مما يؤدي إلى انتشار العنف بين جميع أفراد الأسرة.
ـ قلة معرفة الأبوين بطريقة تربية الطفل وكيفية التعامل الصحيح معه.
ـ وأسباب نفسية تتفاقم وتتشكل على شكل ضغوطات نفسية فتزيد نسبة العنف على الأطفال داخل أسرهم.
ـ تعاطي أحد أفراد العائلة المخدرات والكحول.

ـ نقص التعليم وانتشار الجهل في المجتمع بسبب الحروب.

ـ ونزوح الأهل من مكان إقامتهم الأساسي والإقامة الجبرية داخل مخيم بسبب الظروف المعيشية يكون غير محبب وغير مُخدم على ما اعتادوا عليه في حياتهم السابقة، ونتيجة الظروف القاسية التي يعيشها الأهل في المخيم فأن هذا الأمر يحول الكثير منهم لمرضى نفسيين وتصبح معهم مشاكل نفسية مثل (انفصام الشخصية، الهستيريا، التوتر المفرط، عدم القدرة على ضبط النفس)، الأمر الذي ينعكس سلباً على حياة الأطفال من قبل ذويهم، وأيضاً الأسباب الاقتصادية لها دورها كالوضع المادي المتردي والبطالة كلها تؤدي لزيادة العنف ضد الأطفال داخل أسرهم”.

وتابعت رولا الحسن حديثها حول تأثير الحروب: “للحروب آثار نفسية واجتماعية وجسدية على الأطفال، غالبية الأطفال تعرضوا لمشاكل نفسية بسبب ظواهر الحرب المخيفة والمؤثرة على نفسية وشخصية الطفل، فغدوا أكثر عرضة للخوف الشديد والقلق والتوتر والانعزال، وأيضاً من آثار الحروب الاجتماعية فقدان الطفل الرابط القوي الذي كان يجمعه بأهله وأصدقائه ومدرسته، ووجودهم داخل مناطق الصراع يجعلهم يقومون بتصرفات غير مفهومة يعجز الأهالي عن تفسيرها فيتعرضون للتعنيف، وعن الآثار الجسدية التي تتركها الحروب، ناهيك عن الإصابات نتيجة القصف والانفجارات، قد تظهر أعراض جسدية أخرى مثل تساقط شعر الطفل نتيجة الخوف،

 نقص بالسمع جراء الأصوات القوية، والتبول اللاإرادي لدى البعض نتيجة الشعور بالخوف وغيرها من الأعراض الكثيرة التي تأثر على النمو الجسدي للطفل”.
قوانين… واتفاقيات بلا تطبيق
وقّعت الحكومة السوريّة على اتفاقية حقوق الطفل الدولية منذ عام 1993، تنظم حقوق الطفل في سوريا مجموعة قوانين موزعة على مختلف فروع القانون، حيث نجد في مختلف فروع القانون السوري، قوانين تتعارض مع اتفاقية حقوق الطفل، بالإضافة إلى ما يجري من انتهاك القانون وعدم تطبيقه لدرجة تفريغ اتفاقية حقوق الطفل من محتواها، وعند النظر إلى القوانين والتشريعات في النظام السوري والتدقيق فيها، للأسف لا تنص التشريعات والقوانين في الحكومة السورية على تعاريف للعنف الأسري، ولا يوجد قانون صريح يردع هذه الجرائم، إلا ضمن إجراء بلاغات وادعاءات معينة مثلاً: تُحرك الدعوة في حال كان الادعاء شخصياً من المرأة التي تعرضت للعنف أو من قبل ولي أمر الطفل إلى النيابة العامة، أو يمكن أن يُرسل إشعار من شخص آخر غير ولي الأمر إلى النيابة العامة، وفي مثل هذه الحالة يعود قرار حفظ البلاغ أو تحريك الدعوة لتقدير المدعي العام، وبناءً عليه تقوم النيابة بتكليف قسم الشرطة المختصة أو الضابطة العدلية لإجراء التحقيقات وتقديم الأوراق اللازمة، ثم تجري إحالة القضية إلى قاضي التحقيق لمتابعة الإجراءات، كما تقوم النيابة العامة بإحالة الحالة للطب الشرعي لتقييمها وتوصيف درجة الضرر، وهنا يتبين لنا عدم وجود نص تشريعي صريح يحدد ويعرف ويصنف التدابير والعقوبات في حالات العنف، بالإضافة لصعوبة رصد حالات العنف بشتى أنواعه بسبب ثقافة تكتّم الأسرة على هذه الأنواع من العنف، وأيضاً قلة المراكز المتخصصة لمعالجة ضحايا العنف.
تدابير ونصائح… قد تَحِد من ظاهرة التعنيف
في ختام حديثنا مع “رولا الحسن” وهي تعمل في مجال إدارة الحالة في مركز للدعم النفسي، تطرقت لبعض الوسائل والتدابير المفترض اتباعها ونشرها للحد من ظاهرة تعنيف الأطفال وتتجلى بـ:
ـ نشر الوعي الأسري وأهمية التوافق والتفاهم بين أفراد الأسرة.
ـ الاتفاق على نهج تربوي واضح بين الوالدين، وإيجاد نوع من التوازن الممكن بين العطف والشدة، وبين الحب والحزم، أو الحب المعتدل والنظام الثابت، وبين الحرية والتوجيه.
ـ خلق بيئة مواتية لعلاقات تعاطف وتعاون بين الآباء والأبناء التوعية والتثقيف عن طريق المؤسسات التعليمية عبر المناهج الدراسية والندوات العلمية والمحاضرات الثقافية، لتوضيح الآثار السلبية من جراء انتشار ظاهرة العنف الأسري كإحدى المشكلات والأمراض الاجتماعية وآثارها على المجتمع.
ـ نشر الوعي للحد من ظاهرة تزويج القاصرات لأنها بحد ذاتها تعد مشكلة لأنها تصبح أم وهي صغيرة وتتحمل أعباء ومسؤوليات خارج سيطرتها وطاقتها، مما يجعلها تُعرّض طفلها للعنف بدون إرادتها ووعيها بمدى خطورة التعنيف.