سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

تزوير الانتخابات ديمقراطياً!!

رامان آزاد –
انتخاباتٌ في ظروفٍ كلُّ ما فيها استثنائيّ، اعتباراً من الوضع الداخليّ والمشكلات الاقتصاديّة والفساد الإداريّ والتدخل العسكريّ والاحتلال في سوريا وصولاً للوضع الإقليميّ والدوليّ، وبين المغامرة والاستثمار سؤالٌ كبيرٌ تكمن إجابته بالأوراق الملونة التي تُوضع في صناديق الاقتراع التي يُفترض أن تقرّر مستقبل تركيا إذا سارت الانتخابات نزيهة قانونيّاً.
تُقبِل تركيا على إجراء انتخابات رئاسيّة وبرلمانيّة مبكّرة تسبقها تكهنات تقطع بعدم نزاهتها بل إن معظم المراقبين يجزمون بذلك، فالانتخابات بالنسبة لحزب العدالة والتنمية مجرد مناسب لتجديد الصلاحيّة، والنتيجة لا تحسمها صناديق الاقتراع ومنوطة بالناخب التركيّ، بل عوامل كثيرة معقدة جداً آخرها الناخب التركيّ الذي يجد نفسه مجبراً للإدلاء بصوته للعدالة والتنمية وأُحيط بعوامل خنقته اُستخدمت فيها كل مؤسسات الدولة الأمنيّة والإعلاميّة، وفي ظلِّ ِقانون الطوارئ وتغييب لدور المؤسسات التشريعيّة وتضييق على المعارضة. وقبل أن تُجرى الانتخابات تمّ التلويح بإمكانيّة إعادتها فيما إذا لم تأتِ النتيجة وفقاً لرغبة الحزب الحاكم.
انتخابات على هامش المغامرة السياسيّة
يعتقد الكثيرون أنّ الإقبال على خوض الانتخابات هو مغامرة سياسيّة قد تُخرج القوى والأحزاب من المشهد السياسيّ وقد تُنهي وجودها، فالانتخابات اختباراتٌ مكثفة ومفصليّة تحدد مستقبل الأحزاب السياسيّ وهي مدعاة مراجعة للمسار السياسيّ. وقد تتخذ الحكومات قرارات بإرجاء الانتخابات فيما إذا كانت الظروف العامة في البلاد غير مستقرة أمنياً أو سياسيّاً أو أنّها تخوض حالة حربٍ أو تعرضت لأزمة اقتصاديّة كبيرة، وذلك ليُتاح المجال لإعادة ترتيب الأوراق وتدخل القوى السياسيّة التنافس الانتخابيّ وحظّها من الأمان والحماية في أفضل حالاته. المعادلة التركيّة مختلفة تماماً فحزب العدالة والتنمية، فالواقع السياسيّ الذي تعيشه تركيا مختلف تماماً ولا مثيل له ذلك لأن الطقوس الانتخابيّة فيها مختلفة تماماً، والديمقراطيّة التي تتبجح بها لا تتجاوز حملات الدعاية الإعلاميّة وتصريحات مسؤوليها الفاشيين، وأما في الواقع فلا وجود حقيقيّ لمرتكزات فكريّة للديمقراطيّة، بل تكريسٌ للونِ والفكر الواحد وتغييب لإرادة الشعوب.الموعد المقرر للانتخابات التركيّة كان في تشرين الثاني 2019، وبالتالي تم تجاوز نحو سنة وخمسة أشهر ليصبح في 24 حزيران الحالي، ويأتي في فترة يُفترض أنّها حرجة جداً تمثلت على المستوى الاقتصاديّ بانهيار قيمة صرف العملة التركيّة وزيادة معدل العجز التجاريّ، وبعد التورط أكثر في الملف السوريّ واحتلال عفرين ويذكر أنّ عمليّة الاستفتاء على الدستور وتغيير النظام من برلمانيّ ديمقراطيّ إلى رئاسيّ بصلاحيات موسّعة لرئيس الجمهوريّة، أثبتت تراجعاً واضحاً في شعبيّة الحزب الحاكم في المدن الكبرى استنبول وأنقرة وإزمير وإنطاليا فيما تكفلت أصوات الريف البعيد بتمرير التعديلات بنسب متواضعة جداً. ولكن أردوغان مدمن المغامرة يقود الناس بالخوف والإرهاب إلى صناديق الاقتراع فإما هو أو الفوضى العارمة في البلاد، كما
استعدادات متقدمة للانتخاب تعتمد عوامل الفوضى
حالة الفوضى السياسيّة والتدخل العسكريّ السافر في شؤون الدول المجاورة وصولاً لدعم الإرهاب واحتضانه وممارسته هو جزء من الطقوس الانتخابيّة لحكومة أنقرة، وقد عملت على ذلك ضمن أجندة متكاملة، قوامها الابتزاز السياسيّ واللعب على المتناقضات الدوليّة، واستثمار عوامل التناقض بين الدول العربيّة لتحسين حضورها في كامل المنطقة، الذي تجاوز سوريا إلى قطر وجزيرة سواكن السودانيّة. فالقضية هي إحياء ميراث العثمانيّة بقوالب معاصرة ولكنها في مضمونها لا تختلف عن العثمانيّة التاريخيّة من حيث اعتمادها على عامل الدين والتطرف إلى أقصى حدود والتطلع إلى التوسع والسيطرة على الأراضي بالقوة والاحتلال ونهب خيراتها وثرواتها ووصولاً لاستنزاف العقول والخبرات والكفاءات، كنما فعل سليم الأول عندما نقل الحرفيين المهرة إلى عاصمته، فيما اعتمد في حملته العسكريّة على عسكر الانكشاريّة وارتكب مجازر مروّعة بحق أبناء المناطق التي احتلها.كانت محاولة الانقلاب 15 تموز 206 أحد أهم الخطوات التي استهدف قادة الجيش غير الموالين لحزبه العدالة والتنمية فتمّ اعتقال وفصل عشرات الآلاف عن الخدمة وتعيين آخرين بدلاً عنهم على أساس الولاء. ومن جملة الإجراءات التحضيريّة للانتخابات كان تمديد حالة الطوارئ في البلاد لتكون حجّة يتم عبرها القضاء على الخصوم السياسيّين وإضعاف المعارضين، بالتوازي مع تعيين الموالين لأردوغان في الوظائف الهامة والمراكز الحساسة بالدولة والمؤسسات التعليميّة، تم فصل كثيرٍ من الأكاديميين وضيّق عليهم ومنعهم من السفر، ولم تسلم المؤسسة القضائيّة من سطوته فعمل على تغييرات فيها.لغة الأرقام مخيفة جداً، ففي التقرير الصادر عن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان حول الوضع في تركيا خلال 2017، ذُكر أنّ نحو 160 ألف شخص تم اعتقالهم خلال فترة تطبيق قانون حالة الطوارئ، وأنّه تمّ فصل 152 ألف موظف مدنيّ من وظائفهم بشكلٍ تعسفيّ ولمجرّد الاشتباه وتمّ تقديم أشخاصٍ للمحاكمة القضائيّة من بينهم مثقفون وقضاة ومحامون ومدرسون، واُعتقل إعلاميون وصحفيون، وتمّ إغلاق مواقع إلكترونيّة أو حجبها. وذكر التقرير أيضاً أنّ النساء الحوامل اعتقلن أيضاً وكذلك نساء مع أطفالهن. ويخلص التقرير للقول إنّ الممارسات القاسية التي تبعث على الغضب، لا ترتبط بأي شيء يمكن أن يجعل تركيا أكثر أماناً.
بالمجمل فقد كانت الإجراءات التي اتخذتها حكومة أنقرة محاولة الانقلاب أقرب لحالة استثمار سياسيّ وجاءت نتائجها العملية كحملة انتقام من كلّ القوى المجتمعيّة وأخذت شكل عملية التدجين للقوى السياسيّة، وفي مقدمها المؤسسة العسكريّة التي سبق وأن كانت الطرف الأكثر قوةً وتحكماً بمفاصل الدولة ونفّذت عمليات انقلاب كبيرة سابقة، وبذلك فقد تمّ تقليم أظافرها لتصبح طوع ابنان وتنفّذ الأوامر السلطانيّة من غير اعتراضٍ أو تذمر، ولعل المراقب يلحظ بوضوح عدم إمكانيّة تركيا تنفيذ عملية عسكريّة في الأراضي السوريّة بداية الأزمة نظراً لعدم توصلها لتوافق مع القوى الكبرى ولوجود أصواتٍ معارضة نافذة بالمؤسسة العسكريّة، ولكنّ الصورة تغيّرت تدريجيّاً، بعد الانقلاب.وفي سياق حملة الانتقام أيضاً شنّت حكومة أنقرة حملة مصادرة عامة طالت مؤسسات وجمعيات اجتماعيّة وطبيّة وإعلاميّة وتعليميّة تمَّ إغلاقها في ظلِّ قانون الطوارئ، كيلا يبقى في البلاد إلا جهة واحدة يُدان لها بالولاء بحكم الحاجة، وتمّ تداول رقم 11 مليار دولار هو قيمة الأصول التي تمت مصادرتها تعسفيّاً وبحجج واهية.
من المهم أنّ حكومات الاستبداد تلجأ إلى كم الأفواه والتضييق على حرية الرأي والصحافة، والحكومة التركيّة تحتل مركزاً متقدماً في التضييق على الإعلام وكذلك بوجود كم هائل من الوسائل الإعلاميّة الحكوميّة لتصوغ زوراً رأياً عاماً وتتمكن من تشويه الحقائق عبر التكرار وتحاصر المواطن من كلِّ الجهات، وبذلك كان للمؤسسات الإعلامية النصيب الأوفى من إجراءات أردوغان الرعناء فصدرت الأوامر بإغلاق منابر إعلاميّة لها اعتبارها في أوساط المعارضة التركيّة والتي تتناول بالنقد السياسة الحكوميّة، ومن بينها صحف أوزغور كوندم، جمهوريت، آزاديا ولات، جاكداش، بوستا، جريدة هابر، جريدة برستيج هابر كما تمّ إغلاق وسائل إعلام أخرى من قبيل «وكالة دجلة للأنباء، وكالة أنباء المرأة، ومجلات مثل تيروج، أفرنسل كولتر، أوزغورلك دونياسي. بالإضافة إلى تشديد الرقابة على مواقع التواصل الاجتماعيّ وسائر وسائل الإعلام المرئيّة والمقروءة والمسموعة.أردوغان عُرف بمواقفه الانقلابيّة حتى على المقربين من أمثال صديقه عبد الله غول وفتح غولن وعرّاب العمق الاستراتيجيّ ورئيس حكومته أحمد داوود أوغلو، وبات غولن تهمة يمكن أن تفضي العلاقة به إلى المحاكمة والسجن ومعظمهم من المثقفين والمتعلمين والأكاديميين، كما أصبح مادة للابتزاز مع الولايات المتحدة الأمريكيّة.
استثمار دينيّ في صناديق الاقتراع
تقوم سياسة أردوغان على استثمار الخطاب السياسيّ الدينيّ ويتلاعب بمشاعر المتدينين فيحّذرهم ولعله يخدّر الناخبين الإسلاميين من تولّي أحزاب علمانيّة الحكم وأنّ مستقبلهم غير مضمون معها. فالإسلام هو أحد الأسس الهامة التي قامت عليها الدولة العثمانيّة، وقد عُرف سلاطين الدولة العثمانيّة بالخلفاء في العالم الإسلامي، وكان الخطاب الموجّه إلى الأقطار الإسلاميّة أنّ هذه الدولة هي حامية للإسلام السّني بمواجهة الغرب المسيحي وبقي الأمر على هذا الحال نحو أربعة قرون، إذ تصدر المشهد السياسيّ ضابط بالجيش العثماني طموحٌ جداً، هو مصطفي كمال أتاتورك، تمكّن من تفكيك الدولة العثمانيّة، وعلى عكس توجّهات الدولة السابقة اعتبر أتاتورك أنّ الدينَ الإسلاميّ هو سبب التخلّف، فناهض الدين ونابذها العداء وضيّق عليه، وألغى الخلافة، وأعلن الدولة التركيّة بعد ما سمّي بالثورة الوطنيّة أو الاستقلال دولة علمانيّة.شكّل الدينّ عنصراً أساسيّاً مهماً في كل الانقلابات العسكريّة التي وقعت في تركيا منذ إعلان الجمهوريّة التركيّة، التي أُسست على عدة ركائز، منها رفض الدين، كأحد التقاليد الأتاتوركيّة أو تركيا الحديثة، وحتى انقلاب ما بعد الحداثة في تسعينات القرن الماضي. فمنذ أول انقلاب عسكريّ في تركيا بعد الجمهوريّة وحتى انقلاب عام 1997، شهدت تركيا أربعة انقلابات عسكريّة، وكان وراء جميع هذه الانقلابات عدّة دوافع، لكن القاسم المشترك في القيام بها من جانب الجيش التركي كان الدفاع عن علمانيّة الدولة ضد ما يراه الجيش انتهاكاً لها من سياسات تُعزّز دور الدين.يحاول أردوغان على قلب الحقائق وتصوير كلّ السياسات والإجراءات التي يقدم عليها على أنّها حماية للحالة المذهبيّة السنيّة في مواجهة الهلال الشيعيّ متماهياً مع الخطاب الخليجيّ ومحتوياً حراك الإخوان المسلمين، وعلى هذا الأساس كان تدخله في مسار الربيع العربيّ على أنّه حامي المسلمين السُّنّة، وتلاعب بشعار حماية للأمن القومي التركيّ والحفاظ على مواطنيه ليبرّر تدخله في سوريا واحتلال مناطق جرابلس والباب وأخيراً عفرين، ومن يغمز من هذه القناة ليوظّف الاحتلال لصالحه في الانتخابات.من جهة أخرى يعمل أردوغان على إثارة المشاعر القوميّة الفاشية إلى الحدِّ الأقصى إذ لا زال أتاتورك رمزاً قوميّاً يُعتدُّ في تركيا ويتم التركيز على الطقوس والمراسم ذات الطابع القوميّ في الخطاب السياسيّ وتشييع قتلى الجيش التركي وإثارة جانب من التفوق العنصريّ في نفوس مواطنيه، وكذلك شعارات تستحضر ميراث العثمانية، ويستلهم شعاراته العقائديّة من الحقبة العثمانيّة، ولذلك لم يكن غريباً تحالفه مع حزب الحركة القوميّة دون سائر الأحزاب. يبدو أنّها الوقاحة السياسيّة إلى أقصى حدودها عندما يعتمد نظامٌ سياسيّ أسباب سقوطه وعوامل انتهاء صلاحيته ليجعل نفسها أسباباً لبقائه، ليكون الانقلاب سياسة ثابتة لديه، ويؤطر انقلابه قانونيّاً عبر الاستفتاء وصناديق الاقتراع، بعد أسر الممثلين الحقيقيين وأعضاء في البرلمان.
الأكثر غرابة في الانتخابات ليس تقديمها بل في إدمانها والدعوة إلى إعادتها قبل إجرائها كما قال دولت باهجلي الحليف السياسيّ لأردوغان، ليعيدَ إلى الأذهان الانقلاب على نتائج انتخابات حزيران 2016، عبر تعطيل تشكيل الحكومة، والسر هو تجاوز حزب الشعوب الديمقراطيّ العتبة القانونيّة بالتمثيل البرلمانيّ المحددة بـ 11%، وتمّت إعادة الانتخابات من غير طائل فكانت الخطوة التالية باعتقال ممثلي الشعوب وأسرهم في السجون.
اليوم كلّ تركيا على مفترقِ طريقٍ لتخوضَ اختبار الديمقراطيّة والإرادة الحرّة الإطاحة بمؤسسات القمع والاستبداد واللون الواحد التي يصرّ أردوغان ليس على تبنيها بل حتى على تصديرها ليكون نموذجها المثالي!! فهل تفعلها وقد أعدَّ أردوغان عدته ونفّذ جملة إجراءات التزوير الاستباقيّة التي قام بها حزب العدالة والتنمية ربما أقلها نقل صناديق انتخابية في مناطق الكرد.