سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

تركيا وليرتها رهان مستقبل مجهول

معد السلوم –

تعنُّت الحكومة التركيَّة وعزمها ركوب قطار المواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكيَّة، وتدخُّلها في الأزمة السورية جعل ليرتها تنهار؛ مما سبَّب أزمة حقيقة لأول مرة في تاريخ الاقتصاد التركي الذي لطالما تغنَّى بها الرئيس التركي أردوغان مما أوصلها لأدنى مستوياتها مقابل الدولار الأميركي لـ 6.33، وبخاصة بعد التهديد بقَطْع المنتجات الالكترونية, ورفع الرسوم الجمركية على الواردات الأمريكية.
فبعد عنجهية الرئيس التركي في سياسته مع واشنطن زاد الطين بِلَّة، مما جعل العملة التركية تنحدر إلى أدنى مستوياتها، وفقدان 40%  مقابل الدولار الأمريكي من قيمتها.
وفي مجابهة أردوغان لأمريكا ندَّد بالخطوة التي بادرت بها إدارة ترامب تجاه الاقتصاد التركي, واصفاً إياها بحرب اقتصادية على بلده, وهدَّد بالتخلي عن الدولار الأمريكي في التجارة مع دول أخرى، فتركيا ليست أقوى من الدول التي فضَّلت التفاوض والتنازل لأمريكا كـ ألمانيا واليابان والصين, والابتعاد عن المواجهة والسجال معها، إدارة ترامب تهيأت لعدة مطالب من إدارة أردوغان أعلاها إيقاف التبادل التجاري مع إيران، وأدناها إخراج القس الأمريكي المتهم بالتجسس من السجن.
وبالرغم من الضجيج الذي صاحب العلاقة المتوترة بين واشنطن وأنقرة وفرض عقوبات وصفت بالمحدودة والرمزية من قبل إدارة ترامب على سلعتين، وتجميد حساب بنكي لوزيرين تركيين فالمراد منها “شدّ أذن أردوغان”, إلا أنَّها أثارت الذعر في السوق التركية، وجعلت مستقبل تركيا وليرتها في قبضة المجهول.
وكلُّ هذه المؤشرات تنبئ بتدهور العلاقات التركية مع الغرب الأوروبي ودول الشرق الأوسط، وبخاصة بعد أن توانت قطر والكويت عن مساعدة الليرة التركية، والنأي بنفسها عن المساعي للحصول على دعم استثماري خارجي لوقف انحدار العملة التركية.
الخلافات التركية الامريكية قد تؤثر على مستقبل تركيا في الناتو
وبخاصة بعد التقارب الروسي التركي الذي لاقى استياء من قبل أعضاء حلف الناتو وقد يكون التوتر مع واشنطن له تبعات على عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي (الناتو).
هنا يتساءل البعض!! هل أردوغان سيخوض اللعبة الاقتصاديَّة مع إدارة ترامب الذي أجاد لعبته؟! وهل لديه التجربة لخوضها؟!، ليختبر جديَّة ترامب كما جاءت في تغريدة لنائب الرئيس الأمريكي مايكل ريتشارد بنس على التويتر. وأعتقد من باب حفظ ماء الوجه لتركيا ستأخذ هذه العملية بعض الوقت، وسيتم على إثرها تقييم العلاقات الأمريكية التركية، وسيُحفظ  دورها في حلف الناتو، ولكن أن تعود العلاقات كما في الماضي هذا أمرٌ مستبعد جداَ بعد الآن.
من المعروف في عالم السياسة لا توجد صداقات ولا عداء دائم, والمشكلة الأساسية أن تركيا تعتبر نفسها دولة إقليمية لها الحق في احتفاظها بحرية الاختيار وانتقاء قراراتها, وهذا يتنافى تماماً مع الإطار الدولي العام, فيما تتعاطى تركيا مع أمريكا بطريقة تختلف جذرياً مما تتعاطى الدول الأوروبية الأكثر قوة من تركيا, وهذا يسبب مصدر إزعاج قوي للإدارة الأمريكية، فتركيا لها أجندات خاصة في الشرق الأوسط لا تتلاءم مع الرؤية الأمريكية، مما ساعد على إثارة جدل عميق بينهما، وكذلك توقيع تركيا لشراء منظومة صواريخ دفاعية من روسيا، والمشكلة الأساسية تعاطيها مع إيران التي تُشكِّل مصدر إزعاج لأمريكا في الشرق الأوسط. ومن هنا يتضح أن مشكلة أمريكا مع تركيا ليست (القس الأمريكي) بقدر ما تتمحور في الأجندة التي تعمل تركيا على  تنفيذها في الشرق الأوسط اليوم, ومنذ عشر سنوات.
تركيا لها مصالحها والإدارة الأمريكية ليست مستعدة لتحقيق تلك المصالح، لأن السياسة الخارجية الأمريكية لا تتوافق مع السياسة الخارجية التركية، وتحديداً في منطقة الشرق الأوسط, لذا نرى اليوم قوات سوريا الديمقراطية التي يدعمها التحالف الدولي بقيادة أمريكا وتعتبرها حليفاً استراتيجياً في محاربة الإرهاب, وتركيا تعتبرها مشكلة أساسية وتُهدِّد أمنها القومي, وهذا موضوع خلافي مستمر بين الدولتين.
 ونظرة تركيا للوضع الإقليمي في سوريا تختلف عن النظرة الأمريكية, لأن تركيا دعمت الجماعات المسلحة الإرهابية وساعدت جبهة النصرة وتعاطت مع مرتزقة داعش, وهذا ما لا يرضي أمريكا ويتوافق مع سياستها.
لن تحل المنحة القطرية مشكلة الاقتصاد التركي
ويرى أرودغان أن طوق النجاة موجود بيد قطر بعد استثمارها 15 مليار دولار بشكل مباشر, وهذا لا يغنيها عن المساعدات الأمريكية أو التحالف معها، وبخاصة الديون التي استدانتها كثيراً في السنوات الماضية، حيث بلغت طاقتها على سداد الديون وسط تدنِّي عملتها وخسارة قيمتها الشرائية, ولكن المنحة القطرية ستُخفِّف من مشكلة الليرة التركية، لكنها ليست وصفة سحرية لحل مشاكل تركيا الاقتصادية.
دخول قطر حيز التوتر الأمريكي ـ التركي من المرجح أن يلدغ ترامب مما سيجعله يصبُّ جامَ غضبه على قطر، بخاصةٍ وأنَّ قطر لديها مشاكل مع المملكة العربية السعودية، مما يتيح للسعودية أن توقع قطر في المصيدة التي ستودي بهاتين الدولتين (تركيا وقطر) إلى الهاوية.
انهيار الليرة التركية يجبر اردوغان بالإبحار في السفينة الروسية
تدهور الليرة التركية شيئاً فشياَ جعل اردوغان في قبضة فكي كماشة أحدهما مجابهة أمريكا والمزيد من الانهيار لليرة, والآخر الإبحار في السفينة الروسية، لإنقاذ الليرة وفرض الإملاءات الروسية للتنازل التركي في سوريا مقابل فض النزاع الأمريكي ـ التركي.
وإذا ما استمر أردوغان في الحرب الكلامية بينه وبين إدارة ترامب والتي تُعتبر مسكنات خطابية لحقن السوق التركي, فبالطبع ستواجه الليرة التركية انهيار أكثر مما هي عليه الآن, وبخاصة بعد أن أظهر ضعفه من خلال لجوئه إلى دولة قطر طالباً المساعدة منها.
وهذا ما سيجبر أردوغان على خوض تجربة طفيفة الأمل مع روسيا لتجنُّب انهيار الاقتصاد التركي بفرض إملاءات روسيا عليها بالتنازل في سوريا، ولا سيما في إدلب بمساندة ودعم الفصائل الإرهابية فيها كجبهة النصرة وغيرها, وهذا الأمر سيضعف الجماعات المسلحة في إدلب وسيُقوِّضُها.