سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

تدخين الأطفال.. وباء مجتمعي يحتاج للمكافحة

جل آغا/ غزال العمر-

يحرق التدخين مراحل حياة المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين الـ ١٣ – ١٨عاماً، يبدون صغاراً على نفث دخان السجائر والنراجيل؛ لكن منظرهم يوحي بأنّهم أصحاب خبرة
يقول (أ. ف) 14 عاماً من أهالي ناحية جل آغا بأنّه يدخن منذ أربع سنوات، مستحضراً تجربته التي بدأت بأحد المنتزهات حيث كان يتعرض لسخرية رفاقه  لعدم تدخينه؛ فانصاع لطلبهم وبدأ مشواره مع التدخين سراً.
تدخين جماعي
وبدأ (أ. ف) يتحين فرص غياب والده عن المنزل وانشغال أمه بأعمالها، وأشار بالقول: “في حال تواجد الأبوين أخرج إلى الشارع؛ حيث ألتقي برفاقي وندخن بإحدى الزوايا البعيدة عن الحارة”. ويتابع: “لكن للتدخين ضريبته التي دفعت ثمنها غالياً؛ فصحتي بدأت تتدهور”، مما زرع الشك بقلب عائلته: “صدري وضيق نفسي أرهقاني”. هذا ما قاله الطفل لصحيفتنا “روناهي”، بعد افتضاح أمره لعائلته من قبل الطبيب؛ الذي أكد لهم بأنّ سبب مرضه يعود لاستنشاقه للدخان.
وتابع : “أذكر بأنّ والدي لام نفسه معتقداً أن رائحة دخان سجائره أثرت سلباً على صحتي، ظناً منه بأنّه السبب بوعكتي الصحية وتدهور صحتي”. وأضاف قائلاً: “ما أن تعافيت حتّى عدت للتدخين وضميري يؤنبني تجاه والدي، فقررت الاعتراف له بعدما وجدت نفسي مدمناً من الصعب أن يقلع عن التدخين ويتركه”. ويبدو أنّ الطفل أتعبه دور التخفي والتحايل على أهله لتأمين ثمن علبة دخانه فقرر إخبار أهله.
ردة فعل العائلة
وأكمل سرد ما حصل معه بالقول: “واجهني أبي بالضرب والصفع والتهديد بالطرد من المنزل بعد أن كشفت سري؛ فازداد تمسكي بالدخان وتعلقي به، فشعوري بالحرمان منه أفقدني عقلي”.
أما كيف واجه الطفل المدخن عقاب أبيه له فتحدث (أ. ف) عن الأمر: “تركت المدرسة بعد حرماني من المصروف، أصبحت أذهب للعب والتدخين مع أصدقائي حتّى اقترح عليّ أحدهم فكرة العمل، فقبلت على الفور؛ فتأمين ثمن علبة السجائر أصبح هاجساً وهماً أثقل كاهلي”.
استسلم والده للأمر الواقع؛ وبات منظر رؤية ابنه يدخن ورفاقه جهراً وبالعلن داخل البيت وفي الشارع اعتيادياً.
الأهل في مواجهة الأبناء
والمواطن (ع. م) من أهالي ناحية جل آغا (45عاماً) أب لستة أولاد؛ أكبرهم لا يتجاوز عمره العشرين عاماً، يواجه معاناة بسبب إدمان ابنه الأوسط على التدخين بسنٍ صغيرة؛ قال “رافق شلة والصاحب ساحب”. بغصة أكمل حديثه: “اتبعت كلّ الطرق؛ التهديد بالضرب والضرب، والحرمان من المصروف، ومن الخروج”. ليضيف مسترسلاً بأنّه فقد الحلول مع ابنه وترك التدخين.
فيقول الأب: “نخاف من ردة فعله بظل هذه الظروف والانقسامات فتركهم للبيت مصيبة بحد ذاتها”.
أسباب مجتمعية
همٌّ أسري حملناه للمرشد الاجتماعي شاهر العلي (35 عاماً) معلم ومرشد اجتماعي ونفسي في ناحية جل آغا، الذي تحدث عن هذه المعضلة الشائكة قائلاً: “نواجه نوعاً من هذه المشاكل في المدارس، يُعمل على ضبطها ومراقبتها لكنّها تنتشر بالشوارع والمقاهي”.
وعن الأسباب التي تدفع مثل هؤلاء الأطفال للتدخين قال العلي: “التأثر بالآخر داخل وخارج المنزل؛ فالمدخن عرضة للانحراف”.
وأكد العلي بأنّ التربية والمتابعة المنزلية تلعب دوراً مهماً؛ فالتدخين عادة مكتسبة ويمكن السيطرة عليها: “يكبر ويتعلم النافع من الضار”، كلمة يرددها الأهل؛ ليخلوا مسؤوليتهم بتبرير مغلوط بحجة أنّهم بمرحلة عمرية حرجة “المراهقة”، ويخافوا من ردة فعل أطفالهم؛ الذين يصعب التفاهم معهم بحسب زعم البعض متسائلاً “هل نقف مكتوفي الأيدي أمام طفل يحرق صحته وننتظره ليكبر؟”.
مبررات مغلوطة
وأوضح العلي بأنّه يلوم الأهل والجهات المعنية التي لا تضبط مثل هذه الحالات، “فهذا هو الموت البطيء”. ومنهم من يخاف من انحراف أبنائه، فربما يسرق الطفل ليشتري السجائر، فيفضل الأهل شراء الدخان لهم على أن يقال بأنّ ابن فلان “حرامي”. حلول ومبررات آنية يقنع الأهل أنفسهم بها لكنّها في الأصل وباء مجتمعي وظاهرة منتشرة، يجب معالجتها؛ بهذا اختتم المرشد النفسي شاهر العلي.
وخلاصة القول؛ يمكننا القول بأن أغلب الأطفال المدخنين آبائهم مدخنون، يجب أن تكون التربية السليمة عماد كل منزل، كي لا تتدهور أحوال المراهقين أكثر، ولا يجب حرمانهم من أي حقٍ من حقوقهم للمعاقبة، فهذا الحرمان يشكل معضلة وقد تتطور وتصبح كارثة فيما بعد في حياة هؤلاء المراهقين.
أرقام مرعبة
وبحسب منظمة الصحة العالمية فإن التدخين يقتل أكثر من 8 ملايين شخص سنوياً، و80 بالمئة منهم في الدول قليلة ومتوسطة الدخل، حيث يبلغ عدد المدخنين حول العالم مليار ومليون شخص، وقد تم تخصيص يوم 9 شباط من كل عام يوماً عالمياً  للإقلاع عن التدخين.