سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

تحضيرات الأهالي لاستقبال عيد الفطر في إقليم شمال وشرق سوريا

روناهي/ محمد حمود ـ

أمل محمد – يستعد الأهالي في إقليم شمال وشرق سوريا، ومثلهم الدول المسلمة لاستقبال عيد الفطر، وسط طقوس متوارثة، وما زالت المنطقة تحافظ عليها بالرغم من ارتفاع الأسعار، التي حالت بينهم وبين أفراح العيد.
في الأيام الأخيرة من شهر رمضان المبارك، وكما جرت العادة تنشط حركة الأسواق في مختلف الدول الإسلامية لاستقبال العيد، والفرح بقدوم هذا الضيف السعيد، ولاستقبال هذا الضيف، هنالك عادات قديمة متوارثة، وتجهيزات يعمد الأهالي للقيام بها، بعد الانتهاء من شهر الصيام.
ولا يكتمل العيد إلا بعادات وتقاليد تتناقلها الأجيال، ويحرص الكبار على الحفاظ عليها، ويدفعون الصغار إلى التشبث بها، وهي عادات تعطي العيدَ نكهة خاصة في إشاعة الفرح، وروح التضامن، وتقوية الأواصر بين أفراد العائلة، والمعارف والجيران.
التحضير لضيافة العيد
وبينما تنهمك العوائل قبيل العيد بشراء السكاكر، ومستلزمات العيد، فيجوبون السوق بحثاً عن غايتهم، حدثتنا المواطنة “نهاية الصالح” من مدينة الحسكة، وهي تشتري حاجيات العيد والحلويات وأشهرها “الكليجة”، والتي تبدأ العوائل تحضيراتها قبل أسبوع من عيد الفطر، ممن توفر لديهم الوقت، فيما يشتريها العديد من الأهالي من الأسواق جاهزة.
“الكليجة”: هي حلوى شعبية، تصنع من عجينة الطحين، وتحشى بالجوز، أو الحلقوم، أو جوز الهند، والسمسم، ولكن يبقى أبرزها كليجة التمر، التي تعد معشوقة الجماهير.
في العادة تجتمع نسوة العائلة لتحضير حلوى العيد، وذلك بتقسيم العمل بينهن، فتعجن إحداهن، وأخرى تضع الحشوات، فيما ثالثة تراقب الفرن لحساب وقت نضجها.
فللكليجة في العيد نكهة خاصة، حيث تقدم للضيوف، ومن جاؤوا للتهنئة بالعيد، وهي أهم الحلويات والمعجنات، التي ارتبطت بطقوس العيد لدى أبناء إقليم شمال وشرق سوريا، فتصفها نهاية: “لا طعم للعيد، دون اجتماع العائلة، والأحبة، والكليجة”.
كما تستذكر نهاية العيد في السابق: “كان الناس، يصعدون إلى سطوح المنازل، لتوديع رمضان مع تكبيرات المساجد، التي تنطلق من مكبرات أصوات المساجد، لكن هذه العادة اختفت في الغالب عن أحياء مدن شمال وشرق سوريا”.
وأضافت نهاية: “تبدأ التحضيرات لعيد الفطر في الأسبوع الأخير من رمضان، وذلك بحملات التنظيف الشاملة للمنازل والمناطق، إذ تعتمد ربات البيوت على جعل كل شيء بأبهى حلة لاستقبال العيد، فضلاً عن التوجه للأسواق من أجل شراء الثياب، والحُلي وخاصة ملابس الأطفال، ليبدوا بأجمل صورة في العيد”.
وأردفت: “في العيد أيضاً يحرص الناس على حلّ خلافاتهم، كما يقوم الأطفال بجمع “العيديات” من الأقارب والجيران، قبل أن يذهبوا إلى الملاهي، والمتنزهات لينفقوها”.
تجهيزات اللباس
أما المواطن نصر الدين عثمان من مدينة الحسكة، فقد أجاد لنا بقوله: “تبدأ الاستعدادات لاستقبال عيد الفطر في الأسبوع الأخير من رمضان، إذ تغص المحالّ التجارية والأسواق بالراغبين في شراء ملابس العيد للأطفال والكبار”.
ويضيف: “يميل الكبار إلى شراء ملابس تقليدية جاهزة مثل الكلابية، إذ تعرض المحالّ أزياء تقليدية متنوعة ومختلفة في الأثواب والألوان والتصاميم. أما الصغار ففي الغالب يرتدون ملابس عصرية، ويرافقون آباءهم للسوق لاختيار لباس العيد”.
فيما ينوه عثمان: “تعدُّ الحناء من العادات المرتبطة بعيد الفطر، إذ تميل النساء كبيرات السن إلى تخضيب أيديهن بالحناء، أما الشابات والطفلات فيلجأن إلى مزينات محترفات لنقش أيديهن وأرجلهن بنقوش حناء بأشكال هندسية مختلفة، وللحناء في إقليم شمال وشرق سوريا مكانة خاصة، فهي تحضر بقوة في المناسبات العديدة، فيعدها الأهالي دلالة التفاؤل والفرح”.
كما أشار إلى أن عيد الفطر مناسبة لإحياء صلة الرحم، وتقوية الروابط الأسرية والاجتماعية، ويجتمع أفراد العائلة في الدار الكبيرة، أي منزل الجد والجدة، للاحتفال بهذا اليوم المميز وتناول وجبة الغداء. وللأطفال مكانة أساسية طيلة شهر رمضان، وفق نصر الدين عثمان، بتشجيعهم على الصيام والاحتفال بالصائمين الصغار، فلهم في العيد اهتمام خاص، إذ يحرص أفراد العائلة والأقارب على منحهم العيدية لإسعادهم في هذه المناسبة.
لصباح العيد نكهة خاصة
عند الفجر في صباح العيد يتجه أغلب الأهالي (والرجال على وجه الخصوص) ومعهم أولادهم، إلى الجوامع لأداء صلاء العيد، وتكون النساء قد هيأت الإفطار لاستقبال أول أيام العيد.
عبد الله الحسن” من الحسكة يؤكد أن هذه المناسبة تعد فرصة لتقوية العلاقات العائلية، وتعزيز قيم التضامن، ونشر الفرح والسرور، ويحرص الأهالي في العيد على ارتداء الملابس التقليدية، فيما تتفنن النساء في تحضير حلويات متنوعة لاستقبال الزوار صبيحة العيد.
وأضاف: “تعد زكاة الفطر أو “الفطرة” ممارسة أساسية نختم بها شهر الصيام، فنخرجها في الغالب ليلة العيد، أو صبيحته توزع على الفقراء والمحتاجين في محيطهم العائلي، أو الجيران، بينما يفضل آخرون إعطاءها لجمعيات خيرية تتكفل بتوزيعها على الأسر المحتاجة”.
كما نوه الحسن إلى أن الأسر تحرص في عيد الفطر لاستقبال الضيوف بأطباق حلويات متنوعة، ولهذا الغرض تقصد بعض النساء المحالّ لشراء ما يرغبن فيه، حيث تتنوع العروض وتختلف حسب القدرة المادية لكل أسرة.
وأردف: “تلجأ بعض النساء لشراء حلويات تحت الطلب، فيما تفضل أخريات تحضيرها بأيديهن مستعينات بخبرتهن، أو يجدن ضالتهن في قنوات الطبخ في اليوتيوب، حيث المنافسة محتدمة في عرض وصفات متنوعة لشتى الحلويات”.
مستلزمات للعيد والأسعار مرتفعة
وبالرغم من ارتفاع أسعار السكاكر والحلويات، فإن الأهالي مازالوا يقبلون على شرائها كما أكد البائع يوسف خشو، والذي يبيع السكاكر في سوق كركي لكي: “حركة البيع ضئيلة جداً، مقارنةً مع الأعوام السابقة، فإن البيع والإقبال على شراء السكاكر والحلويات قليل، فالأسعار مرتفعة، في العام الفائت كنا نبيع الكيلو الواحد لأفخر أنواع الحلوى والسكاكر، بما يقارب الستين، أو السبعين ألف لكن الأسعار مضاعفة هذا العام، فيقبل الأهالي على شراء بعض الأنواع رخيصة السعر”.
هذا وقد وصلت بعض أنواع السكاكر إلى 200 ألف ليرة سورية ضمن الأسواق، فيما يرى الأهالي قد اكتفوا بنصف كيلو من بعض الأنواع، لزرع بسمة العيد على وجوه الأطفال.
ولا يقتصر العيد على السكاكر والحلويات ففي الأعوام الماضية كان شراء الأقمشة والملابس وبالذات ألبسة الأطفال جوهر العيد بنسبة للأطفال، لكن انهيار الليرة السورية أمام الدولار الأمريكي حال بين فرحة الأطفال والعيد، وهذا ما أكده بائع في محل للألبسة في سوق كركي لكي “خالد حسن“: “حركة البيع قليلة جداً، والأسعار مرتفعة جداً، ولا تتوافق مع دخل المواطن”.
وتمنى حسن أن يجلب العيد معه السلام والأمان للمنطقة: “كما نأمل أن ينظر المعنيون للواقع، الذي نمر به، وأن يضعوا حلولاً جذرية لتجاوز الأزمة المالية التي تشهدها المنطقة”.
أماني بعيد يحييه السلام
ترتبط صناعة الحلويات والمعجنات بالعيد ارتباطاً وثيقاً، بالرغم من توفر المعجنات في الأسواق إلا أن صناعتها في المنزل لها مذاق خاص، وطقس فريد من طقوس العيد، ومع مرور أكثر من خمسة أشهر على الهجمات التركية الأخيرة على المنطقة، والتي استهدفت بها المنشآت الحيوية والخدمية، فإن الأهالي يعانون من انقطاع التيار الكهربائي، وعن هذا حدثتنا المواطنة سلمى حسين: “في مثل هذا الوقت كنا نقوم بتحضير “الكليجة” وهي من أنواع المعجنات، التي نعدها في الأعياد، لكن هذا العام الأمر مختلف، فانقطاع التيار الكهربائي، لم
 يسعفنا في تحضيرها، لذا قمنا بشرائها من السوق”. تضيف: “المحتل التركي أراد بهجماته على المنطقة أن ينال من حبنا للحياة وإرادتنا، ولكن على العكس هذا الأمر زادنا اصراراً للمقاومة، نحن اليوم نعيش ما يقارب خمسة أشهر دون كهرباء ومع قلة المياه، ولكن وجدنا حلولاً بديلة للعيش، مثل استخدام الببور المنزلي عوضاً عن الغاز، وكذلك صناعة الخبز على التنور، تأقلمنا مع هذا الوضع”.
كما وأكدت سلمى أن المحتل التركي، لن يستطيع كسر فرحتهم بقدوم العيد، والاحتفال به: “لن يتمكن العدو بأساليبه أن يمنعنا من الاحتفال، ولن يستطيع كسر فرحتنا بالعيد، سنحتفل ونتبادل التهاني والزيارات حتى في ظل هذه الظروف الصعبة”.
تمنت سلمى حسين في ختام حديثها، أن يعم الخير والسلام في المنطقة: “العيد الحقيقي هو أن تتحرر مناطقنا المحتلة، وأن يعود المهجرون إلى منازلهم، وأن نحتفل مع قائدنا عبد الله أوجلان، من أجل هذه الأمنيات، نحن نقاوم، ونصمد على أرضنا”.