سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

تحذيرات من تزايد نسبة التسول مع تفشي الفقر في مجتمعنا

تحقيق/ كولي مصطفى – صلاح إيبو-

ليست بالظاهرة الجديدة، إلا أن نسبتها تزايدت بشكلٍ ملحوظ بعد تسع سنوات من الحرب المستعرة في أرجاء البلاد، والتدخلات الخارجية التي شردت وعطلت العباد، وبات الفقر هو السائد، ليتحول قسم من المجتمع السوري لعاطلين عن العمل ويطلبون المساعدة ثم يصير التسول طريقاً لا مفر منه للبعض والبعض امتهنه كوسيلة عيش مريحة تغنيهم عن العمل.
“جوعان أمانة طعميني” إحدى العبارات التي تردد كثيراً على مسامعك وأنت تسير في أحد الأسواق أو الشوارع المزدحمة، أطفال يفترشون الطرقات وآخرون كبار بالسن يجلسون على قطع من الكرتون لعلها تقيهم برد الأرض، يأكلون مما يعطيهم المارة, ويرقصون فرحاً عندما يستجيب أحد لندائهم, طالبين الحسنة ولقمة العيش بأساليبهم وطرقهم المتعددة التي غالباً ما تعتمد على إثارة العواطف والشفقة إما بطريقة اللباس أو الإعاقة التي يعانونها. التسول بين المهنة والحاجة باتت ظاهرة مستشرية في شمال وشرق سوريا دون وجود حلول ناجعة لدى الإدارة لضبطها أو تخفيف آثارها السلبية على المتسولين أولاً والمجتمع ثانياً.
التسول مهنة مريحة
ليلى طالب معروف” من مدينة قامشلو ذات العشر سنوات، اختارت مهنة التسول بملء إرادتها، تقول “لم أندم على ذلك”، كان والدها يعمل سائق تكسي, أما اليوم يعاني الوالد من مرضٍ لا يسمح له بالعمل, فيما الأم ربة منزل لا تخرج إلا للضرورة وفق ما تدعيه “ليلى”.
تجلس ليلى يومياً على الطريق الرئيسي في السوق المركزية بمدينة قامشلو، تنتظر عطف الناس لتلبي احتياجات عائلتها, ونظراتها الحزينة تخبئ وراء عيونها الملونة ألف قصة عن معاناتها، اعتادت حياتها القاسية هذه منذ ثلاث سنوات, وتصطحب اليوم معها شقيقها الأصغر لتستدرج عطف الأهالي، وتُشير ليلى إلى أنها تتحمل  اليوم مسؤولية لا تناسب عمرها الصغير.
لا تشعر ليلى بالحرج من عملها هذا “التسول”، أو الغيرة من الأطفال الآخرين عندما تراهم يذهبون للمدرسة، وتتابع “أنا مرتاحة في هذه المهنة”, فهي تعتبرها مهنة, تدر عليها مبالغ مالية لابأس بها، وتصل غلتها اليومية لعشرة آلاف ليرة سورية في بعض الأيام, وتعطي ليلى ما تجنيه من أموال من مهنة التسول هذه لأسرتها العاطلة عن العمل بقناعة.
توريث المهنة
مصطفى حسن” طفل آخر يمتهن التسول في سوق قامشلو، ينظر للمارة بخجل، عيناه البريئة تحمل معاناة  اعتاد معايشتها، على خلاف ليلى يتمنى مصطفى أن يتخلص من التسول والعودة للعيش بحياة طبيعية ومتابعة تعليمه، لأن التسول فرض عليه ولم يختره كمهنة ولكن قسوة الحياة تجبره على تحمل مسؤولية تبعده عن براءة طفولته.
والد مصطفى كان هو الآخر يمتهن التسول منذ فترة طويلة على حد قول الطفل، ومنذ ثلاث سنوات ارتأى الأب الجلوس في البيت دون عمل، ويرسل طفله البالغ من العمر عشر سنوات آنذاك للتسول نيابة عنه، ليفرض على الطفل هذه المهنة ويمنعه من متابعة تعليمه وتكوين مستقبله.
يرجع مصطفى سبب إصرار والده على إرساله لهذه المهنة، إلى أن الأطفال يستجدون عطف الناس أكثر ويجمعون الكثير من المال, لكن اليوم ومع تزايد معدلات الفقر في المجتمعات السورية عامة، لم يعُد ما يجنيه مصطفى ومنْ في حكمه يفي بمعيشة أسرهم.
هذا الطفل المحروم من التعلم يعاني الأمية، ويتمنى اليوم العودة إلى المدرسة مثل باقي الأطفال، إلا أن والده ربما لن يسمح بذلك، حاولنا إقناع الطفل بطرق متعددة لإرشادنا إلى منزل ذويه لنتعرف عن قرب على دوافع الأب في إرسال طفله الصغير للتسول، إلا أنه امتنع خوفاً من ردة فعل والده الذي وصفه بالعصبي.
طرق مختلفة
التسول في مدينة قامشلو وباقي المدن السورية، لا يرتبط بفئة عمرية معينة أو عرق معين، مواقف عدة تصادفنا جميعاً في الأسواق والشوارع العامة، لأناس لا يبدو عليهم مظهر التسول وهم يستوقفونك لطلب مساعدة مادية، “خديجة” اسم مستعار لأم لخمسة أطفال دفعها الفقر للتواجد أمام بعض الأفران لطلب المساعدة بربطة خبز أو مساعدة مادية، مظهر خديجة لا يوحي بأنها متسولة، إلا أنها تقول أن فقر حالها يدفعها لمثل هذا الفعل رغم عزة نفسها التي تمنعها من اتباع الطريقة التقليدية في التسول وهو الجلوس على قارعة الطرق ومد اليد.
شاب آخر يستوقف المارة لطلب مساعدة مالية يحددها هو بخمسمئة ليرة سورية كأجرة تكسي أو شراء مستلزم ضروري لذويه، ربما يكون هذا الأسلوب من التسول جديداً على المنطقة، امتنع الشاب عن إعطاء أي معلومات حول الأسباب التي تدفعه لطلب المساعدة، فالشاب في كامل صحته البدنية والعقلية وفق مشاهدتنا خلال لقائنا به مصادفة، يلبس لباساً أنيقاً وحسن الملفظ ويبدو من لهجته أنه من النازحين الوافدين إلى مدينة قامشلو، هذا النمط من طلب المساعدة كان سائداً في مدينة حلب قبل الأزمة السورية وكانت النساء المحجبات والمنقبات هم أكثر الفئات التي كانوا يتبعون هذه الطريقة.
نسبة الفقر
أشكال التسول في المجتمع مختلفة، منها الظاهر ومنها الخفي، لكن النتائج والأسباب واحدة، ويعزو العديد من المهتمين بالجوانب الاجتماعية في المجتمع هذه الظاهرة إلى حالة الفقر المنتشرة في سوريا عامة بعد تسع سنوات من الحرب الأهلية، وقدَّر مكتب اليونسيف في الأمم المتحدة خلال تقرير له العام المنصرم نسبة الشعب السوري الذين يعيشون تحت خط الفقر بـ83%، وأشارت مصادر إعلامية محلية إلى وجود 250 ألف متشرد في سوريا ونسبة الأطفال منهم 10%، وفي أيلول الماضي، دقت منظمة “أنقذوا الأطفال” الدولية البريطانية ناقوس الخطر، محذرة أن أكثر من 700 ألف طفل سوري عرضة لمخاطر الجوع بسبب الأوضاع الاقتصادية المتردية التي تعيشها سوريا، وهو ما يزيد نسبة التسول في كافة المحافظات السورية، وتضم مناطق شمال وشرق سوريا قرابة مليون نازح سوري داخلياً موزعين بين المدن والقرى، والبعض منهم يعيش في المخيمات التي تديرها الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا.
مشروع يتيم لكنه توقف!
وتعتبر هيئة الشؤون الاجتماعية والعمل هي المعنية بمتابعة المشاكل الاجتماعية والظواهر الناجمة عنها، ولمعرفة نظرة الإدارة الذاتية في إقليم الجزيرة إلى موضوع التسول وآثاره على المجتمع التقت صحيفتنا بنائبة الرئاسة المشتركة “شاهة عبد الإله خلف“، التي ربطت تزايد هذه الظاهرة بالحرب السورية وقالت إن التسول كظاهرة تزايدت بنسبة كبيرة منذ بداية الأزمة في سوريا، وأكثر المنخرطين فيها هم الأطفال.
وللحد من الظاهرة بدأت الهيئة العام المنصرم بطرح مشروع لتأهيل الأشخاص المنخرطين في مهنة التسول، عبر افتتاح مراكز تعليمية للمهن كالخياطة والنسيج ونقوش يدوية للنساء, وتعليم الأطفال القراءة والكتابة وحرفاً مهنية أخرى, وتوفير فرص عمل، إلا أن المشروع توقف ولم ينفذ بسبب غياب الدعم الإنساني للمنظمات وبسبب العدوان التركي لمناطق شمال وشرق سوريا التي تسببت بحدوث موجة نزوح كبيرة من عفرين وسري كانيه وكري سبي، مما اضطرت الهيئة والإدارة لوضع طاقتها في خدمة النازحين، إلا أن خروج غالبية المنظمات الدولية من شمال وشرق سوريا نتيجة العدوان التركي الأخير أضعف من حجم المساعدات المقدمة، وهو ما انعكس سلباً على الوضع العام وزاد من نسبة التسول وبالأخص الأطفال منهم.
وناشدت “شاهة” المنظمات الدولية بضرورة تقديم الدعم الانساني، لتعيد الهيئة تنفيذ المشاريع التنموية وتقليل نسبة التسول ولاسيما الأطفال منهم كما تهتم الهيئة بمتابعة عمالة الأطفال ومحاولة تقليله.
النازحون يجبرون على التسول أحياناً
بالفعل تسبب العدوان التركي واحتلاله لمدينتي سري كانيه وكري سبي إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية كما أكدت شاهة. “خنسة علي” نازحة من سري كانية تقطن في حي حطين بقامشلو، تجول بشكلٍ يومي في الحي والأحياء القريبة لطلب المساعدة العينية والنقدية من أهالي المدينة، تقول خنسة “نزحنا من سري كانيه وتوجهنا إلى الحسكة إلا أن غلاء المعيشة دفعنا للانتقال إلى قامشلو التي لا تقل عن سابقتها غلاءً”، لكن هذه السيدة الستينية اليوم تبدأ بالتسول لإعالة أسرتها المؤلفة من سبعة أشخاص من ضمنهم عاجزين جسدياً”.
لم ترغب خنسة العيش في المخيمات التي أقامتها الإدارة الذاتية في الحسكة، وبحسب ما قالت فإنها تفضل العيش في المنازل رغم قساوة ما تكابده على العيش في الخيم، إذ تقدم الإدارة الذاتية حصصاً غذائية شهرية للعائلات النازحة من سري كانيه وكري سبي عبر منظمة روج آفا للإغاثة.
فالتسول ظاهرة قديمة وهي منتشرة في كافة المجتمعات بالعالم، ولكن في الحالة السورية كان التسول قبل 2011 يقتصر على بعض فئات المجتمع وبعض التجمعات التي كانت تمتهن التسول كنمط عيش لها، إلا أن هذه الظاهرة تزايدت نسبتها في طبقات المجتمع التي أجبرت على امتهانها حتى بات أي شارع في المدن الكبيرة والصغيرة لا يخلو من طالبٍ للمساعدة، وبالطبع للتسول مساوئه ومخاطره على المجتمع عامة إلا أنه لا حلول جذرية لهذه الظاهرة لتعدد الأسباب التي تدفع الشخص للتسول، بعضها طواعية كمهنة تدر المال دون تعب وآخرون يجبرون على امتهانها ولكن مضارها على المجتمع كثيرة في كلتا الحالتين.